مصطفى عامر: إن اليمنيّين الحقيقيّين يستحقّون الخلود، واليمن بالذّات تستّحق أن تنحني لشموخها المجرّة

 

إذا كان التّاريخ يستوعب كلّ الأحداث، فالشّعوب لا تخلّد إلّا المشاهد والشخصيات التي تنحاز إلى كرامتها، عبر الأشعار والأخبار والأساطير والأغنيات.

وللشعوب فلسفتها في تخليد مشاهدها، ولها فلسفتها أيضًا في تخليد رموزها وأبطالها، والموت أحيانًا قد يكون مشهد انتصار، والحياة في بعض الأحيان قد تكون مشهدًا من مشاهد العار.

والقرآن الكريم قدّ خلّد مشاهد كثيرة، بعضها كانت ترفع من شأن من قالوا “لا” في وجه العدم، وأخرى كانت تحطّ من شأن العدم ذاته، وتحطّ- بالطّبع- من شأن من قالوا له “نعم”.

أمّا العدم في القَصَص القرآنيّ فهو الطّاغوت، الجبروت، التألّه.. وفي هذا السّياق أخبرنا القرآن الكريم كثيرًا عن جبروت فرعون، لكنّه كان حريصًا أيضًا على تخليد مشهد الذلّ الأخير، إذ شاء الله أن يجعل بدن فرعون الذي كان عزيز قومه “آيةً” للذّل، وخُلّد فرعون ليس باعتباره عزيزًا ولكن باعتباره جبانًا، ذليلًا.

وفي المقابل خلّد القرآن قصّة الأخدود، وقد كانت قصة موتٍ جماعيّ مُحزنة، لكنها كانت في المقابل مشهد عزّة ٍجماعيّ، لقد شاء الله أنّ يخلّد انتصارًا من نوعٍ استثنائي، لأناسٍ قالوا مرحبًا بالموت لكنّنا لن نقبل الدّنيّة!

“أتذكّر هنا كل ضحايا الغارات الذين قالوا أيضًا مرحبًا بالموت، لكنّنا لن نقبل الدّنيّة”!

وإذا تصفّحنا محكيّات الشّعوب، واقعًا كانت أو محض أساطير، لا نجد أحدًا من المُخلّدين إلّا وكان مع شعبه، وإذا اقتضت الحكاية أحيانًا تخليد الخونة، فإنها لا تخلّدهم إلّا في خانة “العار”، ولا يهم بعدها بجوار من كانوا.

هكذا، وفق هذه التّراتبيّة بالذّات، تحوّل عنترةٌ من رمزٍ لقبيلة عبس، فقط، إلى رمزٍ لقبائل العرب قاطبةً، ليس لأنّه شاعرٌ مُلهمٌ فالشّعراء كثيرون، لكن لأنّهم ينادونه في الحرب “يا بن الأطايبِ”، ولهذا فقد تعصّبت السّير الشّعبية لعنترة، وانتصرت لكلّ ما يهواه عنترة، فرغم أنّ عبلة لم تحبّ عنترة يومًا، إلّا أن الجماهير لَوَت عنق الحقيقة كُرمى لعينيّ بطلها، رمزها الخالد.

كان المهم في قصة عنترة أنّ ذاكرة النّاس أحبّته، ولأنّها أحبّته فقد نسجت لعينيه عبلةً أخرى تبادله الحبّ، وهي قد أحبّته لأنّه- ببساطة- انحاز لكرامتها، وانتصر لقبيلته فانتصرت به.

وإذا كان عمر المختار قد شنق بنفس الطريقة التي شُنق بها صدام حسين، فإنّ نهايتيهما خلّدتاهما رغم أنف إيطاليا وأميركا، وهما هنا قد خُلّدا لأنّهما “معًا” وقفا ضدّ الأجنبيّ المحتلّ. نعم، قد نختلف أو نتفق حول صدّام، لكنّه سيخلّد في ذاكرة العراق إلى الأبد، ليس باعتباره طاغية، لكن لأنّه مات رافعًا رأسه، ومات وهو يقول للمُحتلّ: لا.

ذلك أنّ الشّعوب، حينما يتعلّق الأمر بتخليد رموزها، لا تهتمّ بالبدايات، لكنّها تهتمُّ بالنّهايات، وإذا مُتّ في معركةٍ وقفت فيها إلى جوار شعبك ضدّ الأجنبيّ فإنّ شعبك- بالتأكيد- سوف يقوم بتخليدك، بشخصك إن كنت معروفًا أو بكُنيتك التي تنحني لها الهامات: الجنديّ المجهول.

أمّا العالم فهو يقوم عادةً بتخليد القصص المدهشة، الاستثنائية، التي تقلب المُعادلة رأسًا على عقب، وتبصق في وجه كلّ من انحازوا لقوة السلاح متناسين عظمة الشعوب.

هكذا- وفق هذه الآلية- خُلّد انتصار فييتنام على أميركا، وخُلّد انتصار لبنان على الكيان الصّهيوني، فيما لن تخلّد لأميركا إلّا قائمة هزائمها.

لماذا؟
لأنّ أميركا الآن تمثّل الجبروت، والجبروت لا يدخل التّاريخ إلّا من باب الذّل.

أما الشعوب التي يقوم العالم بتخليدها، وتخليد انتصاراتها، فتُعدّ بأصابع اليد، وتنحني لها الهامات بالطّبع.

واليمن، عادةً، تقوم في كلّ عصرٍ بتخليد ذاتها؛ وهي عبر التاريخ متخصّصة ٌبقلب المعادلات رأسًا على عقب، ذلك أنّ اليمن- وفق أغنيةٍ تركيّة شهيرةٍ وحزينة- لا يعود منها أحد.

وفيما كنت أكتب هذه المقالة رأيت مشهدين خالدين ممّا وراء الحدود: أحدهما لمدرعة سعودية يحرقها اليمنيّون بالكراتين، وقد كانت الرّسالة واضحة:

السّلاح الذي لا يحمي صاحبه لا يستحقّ حتى قيمة قذيفة آر بي جي!

أمّا المشهد الآخر لجندي سعودي مقتولٌ في العراء، يقوم اليمنيّ الشّهم النّبيل بتغطيته بدثار، فاليمنيّ الشّجاع لا ينتصر- فقط- لكرامته، إنّه أيضًا ينتصر لإنسانيّته.

وهنا بالضّبط- أيّها العالم- يكمن الاستثناء.

سيقول مرتزقة العدوان كلامًا كثيرًا، ينبغي الانتباه إلى هذا الأمر، لكنّهم لن يقولوا كلامًا يخلّده النّاس، ولن يفعلوا أمرًا يُثني عليه التّاريخ.

ذلك أنّهم وقفوا بالضبط في المكان الذي يحتقره التّاريخ، ووقفوا هناك لأن السعودية تملك المال، وتملك الإف، وتملك الابرامز والبرادلي وبان كي مون.

أمّا اليمنيّون الحقيقيّون فقد ذهبوا إلى النّصر حفاةً، وغرسوا العلم اليمني في البؤبؤ الأسود لعين سلمان، وقالوا له ببساطة الرّيفيّ الذي يرحم العصفور ويصرع الجبل:

#سلم_نفسك_ياسعودي ،
سعليك سعليك ما احد بيعسّك!

ولهذا فإنّ اليمنيّين الحقيقيّين يستحقّون الخلود، واليمن بالذّات تستّحق أن تنحني لشموخها المجرّة.

قد يعجبك ايضا