عين الحقيقة تنشر النص الكامل للمحاضرة الثانية للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف للعام 2439هــ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات، شعبنا اليمني المسلم العزيز، أمتنا الإسلامية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حديثنا اليوم مستمر في سياق الموضوع الرئيسي الذي بدأناه بالأمس وهو حديثنا بشأن الأنبياء والرسل والنبوة والرسالة، وحديثنا اليوم هو عرض عام عن مسألة الرسالة والنبوة، ونحن نحرص على أن دائما نربط حديثنا هذا بالواقع الذي نعيشه وتعيشه الأمة من حولنا، وتعيشه البشرية جمعاء، باعتبار هذا الموضوع في غاية الأهمية، ليكون منطلقا لصلاح واقعنا، ولمواجهة التحديات التي نعاني منها في هذا الزمن، نحن عندنا نأتي لنتأمل في الساحة من حولنا، ونلحظ ما ألحقته قوى الطاغوت والاستكبار وفي مقدمتها أمريكا وإسرائيل من عناء وشقاء بالبشرية، وفي ساحتنا العربية والإسلامية، يجب أن نتطلع إلى الرسالة الإلهية باعتبارها الملاذ الآمن والمنقذ الحقيقي بما فيها من هداية، بما فيها من نور، بما فيها من تعليمات، بما فيها من توجيهات، هي أتت أساسا لإنقاذ المجتمع الإنساني، ولربطه بالله سبحانه وتعالى حتى يكون على صلة بالله جل شأنه، يرعاه ويعينه ويهديه وينصره ويوفقه، ويأخذ بيده لاستنقاذه مما هو فيه من عناء وشقاء، ويجب أن نعي جيدا أنه ما من مخرج وما من ملاذ، لا لأمتنا الإسلامية، ولا للبشرية من حولنا يخرجها من المأزق الكبير الذي أوقعتها فيه قوى الطاغوت والاستكبار الشيطانية إلا الرسالة الإلهية، وإلا العودة من جديد إلى اتباع الرسل والأنبياء وإلى التمسك بنهجهم ومن خلال حلقة الوصل بهم المتمثلة في خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطبيين الطاهرين، والتمسك بالوثيقة الإلهية الربانية التي هي خلاصة لكل كتب الله السابقة، فعندما ننظر من هذه النظرة أو من هذه الزاوية إلى الرسالة الإلهية بما فيها من تعليمات وتوجيهات، ونرى فيها الحل الجذري لكل مشاكلنا، ما كان منها مشاكل اجتماعية، ما كان منها مشاكل اقتصادية، ما كان منها أزمات سياسية، ما كان، كل أنواع المشاكل التي يعاني منها البشر في كل أقطار الأرض، هذا هو السبيل للخروج منها والحل لها بشكل صحيح، والبشرية كلما تجاهلت هذا الأمر، وكلما بحثت هنا وهناك هل من مناص، لا تصل إلى حلول صحيحة ولا إلى حلول سليمة، لا بد لها من الالتفات إلى دعوة الله سبحانه وتعالى، كما أنه لا مبرر للتهرب من رسالة الله، ولا مبرر أبدا لهذا الجفاء الكبير ما بين البشر وبين رسل الله وأنبيائه ولهذه الفجوة الهائلة القائمة في واقع البشرية، باستثناء حالات محدودة وفي نطاق محدود للبعض من البشر، فهذه المسألة مهمة.

حديثنا ليس حديثا ترفيا أبدا، بل هو حديث هادف، على صلة بهذا الواقع الذي نعيشه، وإذا عدنا إلى الموضوع من أساسه، موضوع الرسالة والنبوة فهو موضوع أساسي في ديننا الإسلامي، في دين الله سبحانه وتعالى، في رسالته لكل أنبيائه، مرتبط بالله سبحانه وتعالى، وذو صلة أساسية بوجود الإنسان، الوجود الهادف والمسؤول، هذا أول دلالة للرسالة الإلهية، أن وجود الإنسان في هذه الحياة وجود هادف ومسؤول، وليس عبثيا، وهنا تختلف النظرة بالنسبة للأقوام والأمم والفئات التي كفرت برسل الله وأنكرت الرسالة الإلهية، أو لم تنظر إليها من حيث قدمت نفسها كما هي فيما قدمت نفسها عليه، البعض يرون في الوجود الإنساني في هذه الحياة وجودا عبثيا وحيوانيا، وأن الدور لهذا الإنسان في هذه الحياة لا يختلف عن دور أي حيوان غريزي يعمل أو كما يقال يأكل ليعيش ويعيش ليأكل وخلاص، ليس هناك اعتبارات أخرى، وليس هناك أهداف أخرى لهذا الوجود ولا أي شيء، هذه النظرة الضالة هي تقلل من كرامة هذا الإنسان، وهي نظرة استهتار إلى هذا الوجود بكله، على هذا الكون بكله، بكل ما فيه، لأن هذا العالم العجيب، هذا الكون العظيم والكبير بكل ما فيه من دلائل على حكمة الله وقدرة الله جل شأنه لم يأت عبثا، والوجود الإنساني في ظل هذا الكون بما ارتبط بهذا الإنسان فيه، وما هيئ له فيه وما مكن له فيه، وما سخر له فيه، وهذا الدور البارز للإنسان في هذا الكون وفي هذه الحياة، لم يكن عبثيا أبدا، لو كان عبثيا لكان في هذا الانتقاص لحكمة الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال جل شأنه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّ)، يقول الله جل شأنه أيضا في كتابه الكريم: (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).

 الله سبحانه وتعالى حين خلق هذا الكون وخلق الإنسان مستخلفا في هذه الأرض وليكون له دور بارز ومسؤولية كبيرة سخر له فيها ما في السموات وما في الأرض، فالإنسان كائن في هذه الحياة وموجود في هذه الحياة على أساس من المسؤولية، ارتبطت به مسؤوليات كبيرة، ومسؤول عن تصرفاته وعن أعماله، وهذه المسؤولية حددها الله سبحانه وتعالى، ورسم معالمها لهذا الإنسان، الإنسان مسؤول بقدر ما حمله الله من مسؤولية، ومسؤول على أساس من التعليمات التي قدمها الله سبحانه وتعالى إليه، ومسؤول على أساس البرنامج الإلهي الذي يحدد لهذا الإنسان في هذه الحياة ما له وما عليه، هذه هي المسؤولية بالنسبة للإنسان، والله جل شأنه قال في كتابه الكريم: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، لأن الإنسان في إطار مسؤولياته هذه إما أن يكون محسنا وإما أن يكون مسيئا، فيترتب على هذا جزاؤه، كلما نجحت قوى الطاغوت والاستكبار، القوى الظلامية لإبعاد الإنسان عن هذه العقيدة تجاه وجوده وتجاه دوره وتجاه مسؤولياته في هذه الحياة، وتجاه علاقته الله سبحانه وتعالى في إطار هذه المسؤولية كلما جعلوا الإنسان مستهترا في هذه الحياة وعبثيا وضائعا وتائها ومنفلتا لا تضبطه ضوابط، ولا تحده قيم وحدود في تصرفاته وأعماله، فتعظم وتكثر جنايته على نفسه وعلى البشر من حوله، وكلما تمكن أكثر مع هذه الحالة من الانفلات كلما كانت سلبياته في هذه الحياة أكثر وكلما كان دوره السلبي أفظع وأكثر، ولهذا لرسالة الله جدوائية كبيرة في صلاح حياة الناس في صلاح حياة البشر، لأن الإنسان كلما أحس بأنه مسؤول وآمن بأنه مسؤول كلما انضبط أكثر في تصرفاته، كلما كان ميزان تصرفاته التعليمات الإلهية والتوجيهات الإلهية الحكيمة والصالحة والنافعة التي هي من الله سبحانه وتعالى الملك القدوس العزيز الحكيم العظيم الرحيم الكريم العليم الحكيم، وبالتالي يتحرك على نحو مسؤول في واقع هذه الحياة ويتحرك بهداية إلهية.

أيضا الرسالة الإلهية من أهم ما يجب علينا أن نعيه تجاهها أنها امتداد لملك الله سبحانه وتعالى ولربوبيته ولألوهيته وهي أيضا تجل لحكمته ولرحمته، فالله سبحانه وتعالى وقد خلق هذا الكون العجيب والكبير والواسع بسمائه وأرضه بما فيه، على نحو واسع، ثم خلق هذا الإنسان في هذا الوجود، ما كان ليترك هذا الإنسان في هذا الوجود يعبث على كيفما يشاء ويريد، ويترك البشر فيما بينهم للتظالم والطغيان على بعضهم البعض والتحرك في هذه الحياة بدون هدف ولا مسؤولية، وفي حالة من الضياع وحالة رهيبة من التظالم وحالة رهيبة من الفساد، وحالة رهيبة من سفك الدماء، ثم تنتهي المسألة هكذا، بدون أي شيء، لا، الله سبحانه وتعالى هو الملك لهذا الوجود وهو الرب في البشر والرب في السماوات والأرض، والرب للعالمين وملك السماوات والأرض وملك الناس وملك هذا العالم بكله، وهو يدير شؤون هذا العالم، هو جل شأنه لم يتنصل عن دوره عن مسؤولياته في هذا العالم فيترك خلقه ويترك ملكه ويترك عالمه هذا بعد أن خلقه ونظمه وأدار شؤونه على المستوى التكويني، فيتركه في بقية الأمور هكذا عبثا، لا، ملكه عبوديته، أُلهيته لهذا العالم وللبشر وللناس تقتضي أن يرعاهم أيضا في كل شؤونهم، وأن لا يتركهم عبثا ومهملين بدون هدف ولا نظام ولا مسؤوليات ولا ضوابط ولا التزامات وهكذا في حالة من الفوضى هو منزه عن ذلك سبحانه وتعالى، ولذلك منذ أول وجود الإنسان في هذه الحياة، هو رعى هذا الوجود بهدايته وتعليماته وجعل هذا الإنسان مسؤولا أمام أمره ونهيه، فيما يأمره الله وفيما ينهاه، على أساس مدى التزامه تجاه أمر الله وتجاه نهيه سبحانه وتعالى، بدءا مع أبينا آدم عليه السلام عندما خلقه الله سبحانه وتعالى وعلمه مسؤولياته في هذه الحياة وكيف عمل معه في أول مخالفة ثم بعد ذلك اجتباه ربه وتاب عليه وهدى، بعد ذلك وجه الله نداءه فقال جل شأنه ( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ومسؤولية الإنسان هي مسؤولية كبيرة، وبالرغم من محدودية الوجود للإنسان كفرد كإنسان كشخص مثلاً في مدة العمر التي يعيشها كل إنسان منا في هذه الحياة إلا أن مدة الجزاء على هذه الفترة القصيرة التي يمضيها كل منا على الأرض فترة أبدية الجزاء أبدي وعظيم وكبير جداً، وسواءً في جانب الخير والذي هو الجنة مع مايقدمه الله في الدنيا على مستوى رحمته وعطاءه لكل عباده وما يرعى به عباده المتقين والصالحين في هذه الحياة وما يُنزل من عقوبات عاجلة للمنحرفين عن نهجه وهديه، ولكن الجزاء الرئيسي الجزاء الوافي الجزاء الكبير هو في الآخرة وهو جزاءٌ أبديٌ وهو عظيم وكبير على مستوى الجنة للذين أحسنوا وعلى مستوى النار للذين أساءوا الجحيم والعياذ بالله، وللأبد بلا انقطاع ولا نهاية، هذا يدل على أهمية مسؤولية هذا الإنسان، لأن هذه الفترة المحدودة التي يمضيها الإنسان في هذا الوجود ومنذ مرحلة التكليف التي يبلغ فيها الرشد والنضج النفسي والعقلي التي بها يصير مسؤولاً أمام الله سبحانه وتعالى في توجيهات الله وفي تعليماته إلا أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى من هذه الحياة، مدة تتفاوت بالنسبة للبشر أعمارهم تتفاوت ولكن يقابلها حياةٌ أبدية هي جزاءٌ على هذا الوجود المؤقت والمحدود مسؤولية الإنسان إذن مسؤولية كبيرة عبّر عنها القرآن الكريم وصورها لنا في تصوير عظيم حينما قال الله سبحانه وتعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) فمسؤولية هذا الإنسان مسؤولية كبيرة وعليه أن يلتفت إلى حكمة وجوده وعلّة وجوده في هذه الحياة وأن هذه الحياة ميدان مسؤولية واختبار الله جل شأنه قال ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ).

ما خُوِّل فيه هذا الإنسان وما مُكِّنت فيه البشرية في هذا العالم وفي هذه الأرض إنما هو بناءً على مسؤولية وليس عبثاً، بناءً على هذه المسؤولية إذا أخل الإنسان بهذه المسؤولية يُجازى فكان لابد له من رُسُلْ لابد له من هذا الاتصال مابينه وبين الله سبحانه وتعالى وهذه الهداية الإلهية من خلال هؤلاء الرسل والأنبياء وما ينزل الله سبحانه وتعالى معهم من تعليمات وكتب لهداية هؤلاء البشر ولإقامة الحجة عليهم فيما إذا أخلوا بمسؤولياتهم في هذه الحياة فيما إذا انحرفوا عن نهج الله سبحانه وتعالى فقال جل شأنه ( رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ).

الله جل شأنه أقام الحجة على عباده من خلال رسله وأنبيائه ولذلك كانت حتى مسألة العذاب متوقفة على ذلك فقال جلّ شانه ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا )

فمع إرسال الرسل أتم الله حجته على عباده بالرغم من أن الله سبحانه وتعالى ألهمَ النفس البشرية فجورها وتقواها قال جل وشأنه ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) ولكن يحتاج الإنسان مع وجود الكثير من المؤثرات عليه في هذه الحياة التي تجعله يغفل إلى حدٍ كبير وتؤثر على فطرته وعلى الانتباه لما أودع الله في فطرته يحتاج بشكلٍ رئيسي إلى هذا الدور للرسل والأنبياء بتذكيره، ولهذا أيضاً توصّف مهمة الرسل والأنبياء في كثير من الآيات بالتذكير ويأتي التوجيه لهم بالتذكير لهذا الإنسان ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) وتأتي عبارة ومفردة التذكير كثيراً كثيراً في حركة الأنبياء وفي حركة الرسل وفي كتب الله سبحانه وتعالى لأنها تذكير للإنسان بما قد غفل عنه من ما أودعه الله سبحانه وتعالى في فطرته التي فطره عليها، فيتذكر من جديد إذا تذكر البعض من الناس لا ينفع فيه ذلك وتتعاظم عنده حالة الغفلة.

والله سبحانه وتعالى منذ بداية الوجود البشري رعى هذا الوجود بهدايته بتعليماته لإقامة الحجة عليه، لم يترك هذا الإنسان عبثاً في هذه الحياة ومهملاً وضائعاً بل واصل مع البشرية وواكب معهم وجودهم هذا بشكلٍ مستمر لهدايته وبإرسال رسله كما قال جل شأنه في كتابه الكريم ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) وقال جل شأنه ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ) يعني بشكلٍ متتابع ( كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) وفي عملية إرسال الرسل وفي عملية اختيار الأنبياء كانت المسألة على نحوٍ عظيم وبعناية إلهية خاصة، مسألة الرسالة مسألة الرسالة والنبوة لم تكن على نحوٍ عبثي أبداً، أن من أراد أن يكون نبياً أو أراد أن يكون رسولاً فليأتي، لا ، ولم تترك أصلاً إلى الواقع البشري لتكون وفق أمزجة بشرية وفق المزاج البشري وفق الرغبة البشرية، أبداً، مسألة مرتبطة بالله سبحانه وتعالى وتحظى بعناية إلهية خاصة، ولم تكن مسألة مثلاً أن تأتي انتخابات ينتخبوا لهم الناس نبي وإلا ينتخبوا لهم رسول، لا، أو برنامج معين من طبّقه أمكن له أن يكون نبياً، أو مثلاً مستوى دراسي معين من وصل إليه أمكن له أن يكون من الأنبياء وفي عِداد الرسل،لا، لم تكن المسألة على هذا النحو أبداً، مسألة تخضع لعناية إلهية خاصة، وباصطفاء إلهي كما قال الله سبحانه وتعالى ( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ) ومعنى يصطفى أنه سبحانه وتعالى يختار ويُعِدْ إعداداً خاصاً لذلك، فالأنبياء عليهم السلام منذ خلقهم وتكوينهم يُعَدّون بإعداد إلهي وبعناية إلهية خاصة لهذه المهمة العظيمة والكبيرة، لأن الله سبحانه وتعالى هو القدوس العظيم وهذه المسؤولية هي مسؤولية عظيمة ومسؤولية مقدسة وتحتاج إلى مؤهلات كبيرة ومؤهلات خاصة، والله سبحانه وتعالى أيضاً كرّم عباده بذلك لم تكن المسألة مسألة عادية فيكتفي بأي إنسان فيها ليرسله إلى الناس ويقول خلاص أي واحد يجي المسألة مسألة كلام يوصله وانتهى الموضوع، لا، طبيعة هذه المسؤولية كمسؤولية عظيمة ومسؤولية مقدسة ومسؤولية كبيرة تحتاج إلى مؤهلات كبيرة لأن الرسل والأنبياء في أنفسهم يجب أن يكونوا هم أولاً لائقين وجديرين لهذه المسؤولية بكل مافيها، أولاً على المستوى الأخلاقي على المستوى التربوي أن يكونوا هم أول من يتخلق بتلك الأخلاق العظيمة أن يكونوا هم القدوة فيها أن يكونوا على أرقى مستوى في زكاء أنفسهم في التخلّق بتلك الأخلاق العظيمة بتلك الأخلاق الرسالية والإلهية وأن يكونوا هم أيضاً فيما حملوه من تعليمات على أرقى مستوى في الالتزام أن يكونوا أيضاً تجاه البشر في مسؤولياتهم في التبليغ على أرقى مستوى من الأمانة من الصدق من النصح من الحرص على هداية الناس من التحمّل الكبير من الرحمة بالناس، جوانب كثيرة تتعلق بهذه المسؤولية ومؤهلات متنوعة ترجع إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه في أنفسهم تجاه أنفسهم وفي أنفسهم تجاه الناس من حولهم، وتجاه تلك التعليمات وتجاه الأمانة التي يجب أن يكونوا عليها في حمل تلك التعليمات وفي إيصال هذه الرسالة الإلهية وفي السعي لإقامة هذه التعليمات في واقع الحياة.

مؤهلات كثير وكبيرة وعظيمة ولذلك لو حُمّلوا هذه المسؤولية بدون أن يعطيهم الله المؤهلات اللازمة لها لكانوا مظلومين لأنهم حُمِّلوا فوق ما يستطيعون ولكن الله أهلّهم هيّأهم نفسياً وفطرياً لتحمّل هذه المسؤولية ثم هو العليم بهم في مستقبلهم وفي مستوى التزامهم وفي مصداقيتهم وفي مستوى تحمّلهم لهذه المسؤولية بماتعنيه هذا التحمل التزاما استيعاباً عملاً طاعةً استقامةً حرصاً التزاماً في النشاط التبليغي وعملاً لإقامة هذه الرسالة من كل الجوانب المسألة أكبر من أن نحيط بها وأن نستوعبها وأن نستطيع الحديث عن كل تفاصيلها.

هذا الإعداد الإلهي الذي يلحظ وجود هذا النبي أو ذاك من أنبياء الله سبحانه وتعالى منذ تكوينهم بل حتى يختارهم على مستوى الأسر التي يختارهم منها مثلما قال جل شأنه ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) حتى على هذا المستوى على مستوى آبائهم على مستوى أسرهم أن تكون أسراً مناسبة لأن يختار الله منها هذا الاختيار وهذا الدور وهذا سنتحدث عنه أيضاً عندما يأتي الحديث عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله .

الله سبحانه وتعالى قال مثلاً عن نبيه موسى عليه السلام ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) هذا يوضح لنا كيف أن عملية الاصطفاء لهم منذ خلْقهم ومنذ تكوينهم ومنذ إيجادهم يلحظ فيها هذا صناعة إلهية خاصة مُهيأة لهذا الدور ومؤهلة لهذه المسؤولية الكبيرة والعظيمة والمقدسة حتى يكونوا لائقين وحتى يكونوا مناسبين لهذه المسؤولية هذا كما قلنا فيه تكريم للبشرية.

لو كانت المسألة متروكة إلى أنه يا أيها الناس أي واحد وإلا يجي إنسان يكون رسول مخضوع للبشرية أو غير لائق بهذه المسؤولية ويؤدي الدور الرسالي على نحوٍ ناقص ومشوّه لكان في هذا إساءة إلى الله وفي نفس الوقت لم يكن به التكريم للبشرية، لكن الله قدّم للبشرية هُداةً لها قادةً لها منه سبحانه وتعالى على أرقى مستوى تكريماً لها رحمةً بها رعايةً لها فضلاً عليها، فالمسألة هي تعود إلى هذا الأساس .

ويأتي الرسل والأنبياء من الله سبحانه وتعالى رحمةً منه لعباده مهماتهم الرئيسية ومسؤولياتهم الكبيرة كلها لخير الناس، بعد أن يهيئهم الله ليكونوا على أرقى مستوى فيما هم عليه من أخلاقهم من قيمهم من فهمهم من معرفتهم من ذكائهم من مؤهلات عظيمة ولائقة ليكونوا بالمستوى اللائق بهذه المسؤولية ولهذا الدور، يأتون إلى البشر بأحسن ما يمكن أن يكون عليه بشر أرقى ما يمكن أن يكون عليه بشر يعني شخصيات جذابة مؤثرة عظيمة هادية زكية طاهرة صالحة هادية مهتدية ليس فيها ما يمكن أن يبرر للبشر الاستياء منها أو النفور عنها أو التباعد عنها لا، شخصيات نموذجية وراقية ورحيمة وعظيمة فيما هي عليه من كمال، كمال إنساني كمال أخلاقي إعداد إلهي تتجلى فيها كل القيم وتجسد في حياتها كل تلك الأخلاق التي أتت بها لتدعو إليها وتلتزم هي بتلك التعليمات الإلهية فما هناك ما يبرر أبدا البدائل للابتعاد عنها والبدائل التي ارتبط بها البشر بعيدا عن الأنبياء في عصر الأنبياء وفيما بعد عصر الأنبياء البدائل المعادية للأنبياء والمحاربة لمنهج الأنبياء ولطريقة الأنبياء ولأخلاق الأنبياء هي بدائل سيئة للغاية، طواغيت ومجرمين وظالمين ومضلين وفاسدين لا يمتلكون رحمة بالبشرية ولا يمتلكون أيا من المؤهلات الجذابة ولا أيا من مؤهلات الكمال الإنساني معظمهم يتصفون بالجهل المطلق إلى حد كبير، يتصفون بالظلم والفساد والطغيان والجبروت والانتهازية والاستغلال البشع وعدم احترام البشرية لا يكنون أي رحمة بالناس ولا يحملون في أنفسهم أي رأفة بالناس، شيء عجيب يعني قصة البشر هذه قصة عجيبة جدا حينما كان البعض يرتبطون بأولئك المستكبرين والطغاة ويتركون الأنبياء هذا في عصر الأنبياء حصل إلى حد عجيب وفيما بعد عصر الأنبياء إلى اليوم لازال الكثير من البشر بعيدون كل البعد عن الاتباع للأنبياء ولنهج الأنبياء والتأسي بالأنبياء.

المهام والمسئوليات الرئيسية التي يتحرك فيها الأنبياء بين البشر كلها لخير البشر ولمصلحة البشر.

 أولها هداية العباد إلى الله هداية الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى وإنقاذ الإنسان وتحريره من العبودية لغير الله الإنسان في هذه الحياة إما أن يعبد نفسه لله وهو عبد لله ملك لله وهذا العالم بكله ملك لله سبحانه وتعالى إما أن يعبد نفسه لله وبهذا يتحرر الإنسان من العبودية لغير الله يعني لا يحررك كإنسان من العبودية لغير الله إلا عبوديتك لله العبودية لله فقط يمكن أن تتحرر بها من العبودية لغيره لأنك إن لم تعبد نفسك لله بمقتضى أنك عبد لله فعلا وإلا استعبدك الآخرون والحالة التي يعاني منها معظم البشر هي أنهم يوقعون أنفسهم في العبودية للطاغوت ولهذا كان العنوان الرئيسي لدعوة الأنبياء وحركة الأنبياء في كل عصر وفي كل بعثة من بعثاتهم كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) والله بعث في كل أمة رسولا على هذا الأساس في عبادة الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ) بعثة الأنبياء والرسل كان عنوانها الكبير عنوانها الرئيسي هو هذا عبادة الله واجتناب الطاغوت والطاغوت كل كيان سواء كيان سياسيا أو كيانا اجتماعيا أو شخص معين أو جهة معينة أو توجه معين يطغى بالإنسان عن العبودية لله ويتحكم في هذا الإنسان فتكون وجهته إليه بدلا عن الله سبحانه وتعالى فهو هذا الطاغوت الذي تعبد نفسك، يعني تخصع له نفسك بالمطلق فتكون وجهتك في هذه الحياة نحوه طاعة مطلقة وخضوعا مطلقا وتوجها مطلقا بدلا عن الله سبحانه وتعالى الذي يجب أن تطيعه هو الطاعة المطلقة وأن تكون وجهتك في الحياة نحوه تسعى لرضاه تعبد نفسك له تخضع نفسك لأمره تلتزم بتوجيهاته وتعليماته، فالطاغوت هو البديل الطاغوت الذي يتمثل في كيانات سياسية قد تكون أحيانا دول أنظمة حكام متسلطون طغاة أو جهات مضلة حتى أحيانا تحت عناوين دينية أو كيانات اجتماعية تتحكم بالأنسان تحكما كاملا وتأخذ به بعيدا عن منهج الله وتعليماته سبحانه وتعالى يمكننا من خلال هذا الفهم من خلال هذا الوعي من خلال هذه المسألة وهذه الآية المباركة أن ندرك حقيقة الفجوة التي تقع في واقعنا التي تحصل في واقعنا فيما بيننا وبين الأنبياء عليهم السلام حينما نلحظ مثلا مدى التأثير لكل هذه الكيانات التي تتدخل في حياتنا وفي شئوننا وفي واقعنا وتطغى علينا وتتحكم بنا في المواقف والسياسات في التوجهات معظم السياسات والتوجهات والمواقف التي تتحكم بها تلك القوى ومنها القوى المعاصرة اليوم الحاضرة في الساحة قوى الطاغوت المعاصرة حينما يقول الله واجتنبوا الطاغوت لم يكن الطاغوت عبارة عن كائن موجود في عصر الأنبياء فحسب في عصر نبي الله محمد أو في عصر نبي الله إبراهيم أو في عصر نبي الله نوح أو أي من الرسل والأنبياء لا ، الطاغوت موجود في كل زمن هو التوجه المناقض للرسالة الإلهية هو الاتجاه الآخر الذي يسعى للابتعاد بالناس عن هذه الرسالة في مبادئها في تعليماتها في توجيهاتها في حلالها في حرامها في هدايتها فيما فيها من حق فهو موجود وقائم اليوم يجب أن نرى في أمريكا أنها الطاغوت الذي يسعى للابتعاد بنا عن رسالة الله وعن رسله وأنبيائه أن نرى في إسرائيل كذلك أنها الطاغوت الذي يسعى كذلك نرى في كل هذه الكيانات المرتبطة بها المتجهة على أساس التبعية لها حتى في داخل أمتنا .

بعض الأنظمة بعض الكيانات التي ارتبطت بأمريكا وإسرائيل ارتبطت بقوى الطاغوت والاستكبار أن نرى فيها هذا الطاغوت الذي يريد أن يتحكم بنا على حسب ما يهوى أن يستعبدنا في النهاية لأن هذا التحكم بالكائن البشري في توجهه في الحياة والسعي لفصله عن الرسالة الإلهية في مبادئها وقيمها وأخلاقها وتعليماتها وتوجيهاتها وحلالها وحرامها هو الطاغوت الذي يجب أن نجتنبه وأن لا نخضع حياتنا له وأنفسنا له وأن نكون عصيين تجاهه فلا نقبل منه أبدا أن يتحكم بنا تحكمه بنا في مواقفنا في سياستنا في حركاتنا في الحياة يعني فصلنا عن الرسالة الإلهية وما من مسالة يمكن أن تطيع أمريكا فيها إلا وهي انتقاص عن النهج الإلهي عن الرسالة الإلهية. الأمريكي يذهب بك دائما وأبدا عن مبدأ من مبادئ الرسالة الإلهية وعن خلق من أخلاق الرسالة الإلهية أو عن تعليم من التعليمات الإلهية هذه هي النتيجة هذه هي المحصلة فنحن اليوم معنيون بأن نعزز من خلال هذا الواقع تحررنا من الطاغوت وأن نرى في الرسالة الإلهية أنها عملية إنقاذية وتحريرية لهذا الإنسان من تحكم قوى الطاغوت به من استعبادها له من هيمنتها عليه وأن نرى في هيمنة قوى الطاغوت وفي استعبادها وسيطرتها وهيمنتها أنها حالة تخرج الإنسان من اتباع النهج الإلهي والرسالة الإلهية فنرى في الرسالة الإلهية حصنا حصينا وعملية تحريرية وإنقاذية ونرى في الرسل والأنبياء أن في مقدمة مهماتهم ومسئولياتهم تحرير هذا الإنسان واستنقاذ هذا الإنسان من العبودية للطاغوت ومن هيمنة قوى الطاغوت التي تشكل خطرا على الإنسان في كل شئون حياته ونرى في كل التعليمات التي أتى بها الرسل والأنبياء أنها تشكل حماية لهذا الإنسان من كل أشكال الاستعباد والاستغلال من كل قوى الطاغوت كانت كيانات أو كانت أشخاص أو كانت توجهات تعبد هذا الإنسان لغير الله وتخضعه لأي كائن آخر فنرى فيها الخير ونرى فيها الكرامة هذا واحد من المهام الرئيسية للرسل و الأنبياء ومن مهامهم الرئيسية مسئولياتهم الكبيرة تزكية المجتمع الإنساني وتربيته أخلاقيا الإنسان يحتاج إلى الأخلاق بدون هذه الأخلاق بدون أن يربى عليها بدون أن يتزكى بها يتحول كأي حيوان آخر ويتحرك بالغريزة بما يعبر عنه القرآن بالهوى الميول الغريزية لهذا الإنسان التي تأخذ به بدون أي ضوابط ولا حدود فيتحول وكأنه كأي حيوان موجود في هذه الأرض كالأنعام أو كالكلب أو كالحمار أو كأي حيوان في أي غابة من الغابات إذا لم ينضبط بتلك الأخلاق ويتزكى بتلك الأخلاق فتكون القيم والأخلاق حاكمة على غريزته ومهذبة لغريزته وموجهه لغريزته الرسالة الإلهية لا تفترض في الإنسان خلوه من الغرائز التي فطره الله عليها وأوجدها فيه أصلا ليكون لها دور كبير في حياته وفي استعماره في الأرض وفي استخلافه في هذه الحياة وفي هذا الكون ولكنها تهذب وتضبط هذه الغرائز وتعمل على معايرة هذه الغرائز بمعيار الأخلاق فلا تطغى في هذا الإنسان وليس المطلوب أن تنطفئ نهائيا في هذا الإنسان بل توجه في هذه الحياة على نحو سليم وعلى نحو صحيح.

 إذا فقد الإنسان هذه الأخلاق طغت به غرائزه وأهواؤه فطغى في هذه الحياة وأفسد في هذه الحياة وظلم في هذه الحياة وتحولت حياته هذه إلى حياة معطلة من كل القيم أشبه بأي حيوان آخر فيقد كرامته الإنسانية يفقد سموه الإنساني ينحط كأي بهيمة في هذا الوجود وأسوأ كالأنعام بل هم أضل.

 من المهام الرئيسية للأنبياء هداية المجتمع الإنساني وتنويره لإخراجه من الظلمات إلى النور وتبصيره بالحق والحقائق وإلا فالبديل عن ذلك أن يتيه الإنسان في هذه الحياة تصبح نظرته إلى أمور كثيرة نظرة خرافية وجاهلة وغبية وغير مدركة للكثير من الحقائق وتفهم كثيرا من الأمور فهما مغلوطا وفهما سيئا وهذا حصل بالنسبة للبشر كم نشأ من جهالات وخرافات بدلا عن الهدى الإلهي الذي يعطي الناس الحقيقة في نظرتهم إلى الكون والحياة من حولهم كم نشأت من خرافات كم نشأت من جهالات من ضلالات تتيه بالإنسان في واقعه في الحياة وفي واقعه في العمل والمواقف أيضا السعي للدفع بالمجتمع الإنساني لإقامة العدل والقيام بالقسط والكف عن الظلم (قَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ) ثم تكون التعليمات الإلهية أساسا لسعاة الإنسان في هذه الحياة لا يسعد إلا به وإلا البديل عن ذلك هو الشقاء حتى لو كان لديه إمكانات مادية تزيد من شقائه تزيد من عنائه مثلما يحصل اليوم في الغرب وفي كثير من الدول تتحول الإمكانات المادية إلى وسيلة أكثر للشقاء وللعناء والشعور بالضياع في هذه الحياة، مع كل ماكان عليه الأنبياء من عظمة من كمال إنساني ومع ما قدموه للبشرية من خير ومع كانوا عليه من قدرات عظيمة في إيصال الرسالة الإلهية للبشر إلا أنهم واجهوا من الكثير من البشر المواجهة والمعارضة والعناد والتكذيب والإساءة بل والعداوة أحيانا البعض عاداهم معاداة شديدة والكثير منهم استشهدوا حتى قتلوا، قتلهم الأعداء وكان الدور البارز لمعارضة الأنبياء والمشاققة للأنبياء والسعي لمعارضة الأنبياء من فئات تحدث عنها القرآن ووصفها أحيانا بالملأ وأحيانا في بعض التوصيفات بالمترفين وفي بعض التوصيفات الأشمل والأوسع بالمستكبرين الذين استكبروا كثير من ذوي النفوذ السلطوي والمادي كانوا كثيرا منهم وليسو كلهم كانوا كثير منهم لهم دور كبير في معارضة نهج الأنبياء ورسالة الأنبياء ولا يزال إلى اليوم وسيمتد إلى نهاية حياة البشر، الدور المعارض لنهج الأنبياء ولرسالة الأنبياء في عصرهم وبعد عصرهم هو في الدرجة الأولى لهذه الفئة من الناس للكثير منهم، ولذلك القرآن الكريم تحدث عن دورهم فقال الملأ الذين كفروا وقال الملأ منهم وهكذا قال الذين استكبروا كثيراً نجدها في القرآن الكريم فيما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام.

قدموا الكثير من العناوين التي حاولوا أن يُخادعوا بها البعض من الناس، مثلاً كان من العناوين التي رفعوها في إنكار الرسالة الإلهية وفي التكذيب للأنبياء عليهم السلام بالرغم من أن الله أيّد رسله وأنبيائه بالمعجزات الدالة على صدقهم، كان النبي يحظى بمعجز خارج عن القدرة البشرية كشاهدٍ له على صدق نبؤته ورسالته.

أيضاً كان هو في نفسه يكون عادةً معروفاً بكماله الإنساني بمصداقيته العالية جداً بأمانته العظيمة وبعده عن كل النقائص التي تكون مدعاة لأن توجه إليه التهمة بالانتحال أو الكذب أو الافتراء أو غير ذلك، ثم المضمون الذي يقدمه مضمون حق واضح يفترض أن يكون مقبولاً على كل حال، قيم عظيمة مبادئ عظيمة دعوة محقة ثلاث عناصر رئيسية يفترض أن تكون مساعدة على تقبل الرسالة الإلهية وعلى التصديق بالأنبياء والقبول لرسالتهم والتفاعل الإيجابي معهم ولكن كانوا يرفعون عناوين معينة مثلاً كان البعض يتذرعون ببشرية الأنبياء والرسل، أنه أنت بشر لا يمكن أن تكونوا أنبياء مع أنكم في نفس الوقت من البشر { ولو شاء الله لأنزل ملائكة } وكان يظهر في الاستبيان القرآني فيما حكاه عن الأمم أنهم كانوا يقرون بالله ولكن كانوا يشركون معه مايدعونه آلهة أخرى كشركاء بحسب زعمهم وإدعائهم، إضافة إلى إنكارهم البعث والمعاد والقيامة والجزاء والحساب لتبرير ماهم عليه من انفلات في هذه الحياة والتعامل اللامسئول وتحرك عبثي في هذه الحياة.

فكانوا يتذرعون بهذه المسألة ( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً ) ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ* وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) وكان من عجيب أمرهم أنهم كما قيل عنهم رضوا بالألوهية لحجر ولم يرضوا بالنبوة لبشر يعني في الوقت الذي كان كثير منهم في مواجهة أكثر الأنبياء يرفعون هذا العنوان لتكذيب الأنبياء وأنه لا يمكن أن يكونوا أنبياء باعتبارهم من البشر كانوا في نفس الوقت قد رضوا بالألوهية بكلها الألوهية التي هي أعظم شأناً، رضوا بها حتى للحجارة فجعلوا من الحجارة أصناماً في الوقت الذي جعلوا من المستحيل وغير المقبول والمعقول أن يكون النبي من البشر وهذه جهالة كبيرة لأن المطلوب أن يكون من البشر أولاً أن في هذا أنساً للبشر عندما يكون منهم يعيش حياتهم يعيش التجربة البشرية لأمكن أن يقولوا لو لم يكن منهم اترك نفسك من هذا الكلام أنت ماتعرف واقعنا نحن بشر كيف نعيش لأن الرسول دائماً يكون هو القدوة الأول والمعني بالالتزام بما أتى به يكون هو مؤمناً بما أتى به ملتزماً به تلك الأخلاق التي يدعو إليها يكون متحلياً بها تلك التعليمات يكون ملتزماً بها، وهكذا يكون هو من البشر قدوةً وأسوةً للبشر، وليس بعيداً عن الحالة البشرية فيتحجج البشر بأنه لا يعرف ماعليه البشر من طبائع من صفات من مؤثرات من عوامل من ظروف وانهُ لا يقدرها ولا يستوعبها وأنهُ مثالي يدعو إلى أشياء بعيدة عن إمكانية التطبيق في الواقع البشري وهكذا لا، ولم يكن لهُ حق في هذا الاعتراض كانوا أيضا يتذرعون مثلاً بالظروف التي كان يعيشها البعض من الأنبياء بأنهُ ليس تاجراً وصاحب رأس مال كبير ليس لهُ سلطة أحياناً لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم تقييم مادي تقييم مادي أحيانا لأنهُ ليس من التجار الكبار أومن أصحاب الثروات الطائلة أو أنهُ كلها أعذار سخيفة كلها تبريرات زائفة لا تصلح أن يعتمد عليها أبدا، فإذاً كانت الرسل والأنبياء منذ آدم إلى خاتم النبيين رسول الله محمد صلوات وسلامه عليه وعلى آله كانت دائماً تأتي بتعليمات الله سبحانه وتعالى وتكون هيا القدوة التي تأخذ بها البشر وأراد الله للأنبياء أن يكونوا هم هداة البشرية ومنقذي البشرية أيضاً ومخرجي البشرية من الظلمات إلى النور ويبقى دائماً الملاذ الأمن للبشرية للخروج من كل أزماتها ومشاكلها العودة إلى هذه الرسالة الإلهية في تعليماتها الموجودة في القرآن الكريم والإسلام العظيم ونبقى نحن كمسلمين معنيين بهذا.

 لايتسع لنا الكلام في حديثنا اليوم عن الحديث عن بعض الأنبياء لنترك هذا إن شاء الله لكلمة الغد في آخر كلمتنا اليوم يهمنا أن نتحدث أيضاً باختصاراً جداً عن ثلاث نقاط:

 أولاً بطبيعة الظروف التي نعاني منها اليوم بسبب الخطوة الإجرامية التي أقدم عليها النظام السعودي في عدوانه وعمل من خلالها على إغلاق المنافذ وتزييد المضايقة على شكل أكبر على شعبنا العزيز نحن نتوجه إلى الجهات المسئولة في الحكومة ومؤسسات الدولة وإلى التجار وأيضاً للمواطنين بشكل عام بالحث على تظافر الجهود بشأن الوضع الاقتصادي الوضع الاقتصادي يتطلب اليوم تعاونا من الجميع الظروف ظروف صعبة والمسئول بالدرجة الأولى عن هذه المعاناة هو المعتدي هو العدو الظالم الغاشم الذي يحاصر بلدنا وأول ماتتجه اللائمة عليه بالدرجة الأولى وفي المقام الأول ثم الجميع بلا استثناء معنيون بالتعاون الحكومة التي هي حكومة تعبر عن المكونات لأن البعض مثلاً قد يحاول أن يستغل هذه المعاناة ويقدم نفسه وكأنهُ ليس معني وليس عليه أي مسئولية تجاه أي شىء متفرغ فقط يوجه الانتقادات الإساءات من خلال منابره الإعلامية من خلال كتابه من خلال إعلامييه ليحملوا هذا الطرف أو ذاك والبعض دائماً يوجه اللؤم في كل التفاصيل في كل المشاكل في كل الظروف إلى أنصار الله بل يتحدث بطريقة وكأنه ليس هناك أي عدوان أبداً وكأنه ليس هناك دور أبداً للعدوان في كل ما يحصل وكأن الأمور والظروف عادية جداً وليس هناك أي إشكالات وكل الأمور سابر ماعنده أن به مشكلة في الساحة اليمنية إلا أنصار الله فيوجه اللوم إليهم مع أن البعض يكون شريكاً أساسيا في الحكومة وحاضراً في كل المسؤوليات الرسمية في كل أجهزة ومؤسسات الدولة بأكثر مما أنصار الله حاضرون بكثير بأضعاف مضاعفة ويكاد يكون الهرم الحكومي وكل المواقع المسؤولية في أكثرها من نصيبه ثم يأتي دائماً بإلقاء اللوم والمسؤولية على الآخرين هذا الأسلوب انتهازي وأسلوب غير مشرف وأسلوب سيء جداً والبعض مأزوم ومعقد بهذه الدرجة التي لا يرى فيها إلا، لا يستطيع أن يعيش فيها تجاه الآخرين إلا خصما، لم يستوعب البعض مفهوم الشراكة، مفهوم التعاون، مفهوم التحالف، مفهوم تظافر الجهود، ما يستطيع، نفسيته ما هي سليمة، البعض نفسيته غير سليمة، مأزوم ودائما يحمل حالة من نزعة الشر، من العدائية المفرطة، من العقد النفسية التي تجعله لا يستطيع إلا أن يكون خصما دائما وأبدا، طبعا ليس هذا هو حال الجميع، يوجد في كل المكونات المناهضة للعدوان الكثير من الشرفاء والأحرار، الذي أريد أن أقوله أن الوقت ليس وقت مناكفات إعلامية، وليس وقتا لأن يحاول البعض أن يلمع نفسه ويرمي دائما اللائمة على الآخرين بما يفعله العدوان، لا، ولكن الجميع معنيون والكل عليه مسؤولية، المكونات السياسية، الحكومة وهناك تقصير في الأداء الحكومي صحيح، وليست المشكلة كلها تعود على هذا التقصير، أكبر قدر من المشكلة وأكبر قدر من المعاناة يعود إلى العدوان والسبب هو العدوان، هذا يجب أن يكون حاضرا في أذهاننا وفي طرحنا الإعلامي والسياسي وفي تعليقنا على الواقع وفي طبيعة معالجتنا للمشكلة، ثم يجب على الجميع أن يبذلوا قصارى جهودهم، المكونات السياسية، الحكومة، كل المسؤولين والموجودين في أجهزة ومؤسسات الدولة، والمواطنون من جانبهم، التجار كذلك عليهم مسؤولية كبيرة، ألا يتوجهوا التوجه الاستغلالي، البعض يسعى دائما إلى أن يرفع الأسعار في كل شيء، هكذا تلقائيا من غير مهلة، قبل أن يكون هناك ما يبرر له رفع الأسعار، سواء في المشتقات النفطية، يجب التعاون في مسألتها، في مسألة الغاز، في مسالة القمح، في بقية الاحتياجات الضرورية للشعب، يجب أن يكون الدافع والحافز، ويكون الهم لدى الجميع هو التعاون بما فيه مصلحة هذا الشعب بما يعزز من الصمود في مواجهة هذا العدوان، مع النشاط السياسي على المستوى الدولي، النشاط الإعلامي لتعرية قوى العدوان والتعاون وتظافر الجهود من الجميع، والحذر من الاستغلال، والحذر من الانتهازية والكيد السياسي.

ثانيا: الجميع معنيون في هذا البلد بالسعي لتفعيل التكافل الاجتماعي، في ظل هذه الظروف هناك الكثير من المعانين جدا من كل فئات المجتمع، بالذات الفئات الضعيفة، بالذات الفقراء، الجميع معنيون ونحن في مناسبة عظيمة، ذكرى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله من أعظم ما أتى به هو الحث على الإحسان وبناء مجتمع مسلم متكافل متعاون يرحم بعضه بعضا، والتواصي بالرحمة والمرحمة في القرآن الكريم من أهم المسائل التي ركز عليها القرآن الكريم والإحسان إلى الفئات المحتاجة، من اليتامى من المساكين، من الفقراء، كل الفئات المتضررة والمعانية من أكثر ما أوصى به الله سبحانه وتعالى وأمر به وحث عليه ورغَّب فيه ووعد فيه بالأجر الكبير.

 نحن في مرحلة محنة ومعاناة وظروف تستدعي أن نبرز فيها مصداقية انتمائنا إلى هذا الدين إلى هذه القيم، إلى هذه الأخلاق، التزامنا بهذه التعاليم من خلال الاهتمام بهذا الجانب، أيضا نحن في مرحلة التصعيد فيها هو في الذروة من جانب قوى العدوان على كل المستويات وبالذات عسكريا، ولا تزال أمامهم المزيد، أمامهم المزيد من المشاريع العسكرية التي يريدون الإقدام عليها على ما يبدو في الأيام القادمة، المسؤولية علينا في هذا البلد كبيرة، في ان ندفع بكل اهتمامنا وبشكل كبير مستوى التحدي للتصدي لهذا التصعيد من قوى العدوان عسكريا، إعلاميا، سياسيا، على كل المستويات، وألا يبقى البعض منشغلين بأشياء أخرى، منشغلين بتوجيه إشكالات نحو الداخل، مشاكل نحو الداخل تؤثر على مستوى تظافر الجهود، تصنع الفجوة، تعمّق من المشاكل الداخلية، ينبغي أن نتقي الله جميعا، أن ندرك حجم الخطورة وأنه ليس لا من الحكمة ولا من المسؤولية ولا من المصلحة الوطنية، والبعض دائما كانوا يقولون عن أنفسهم وطنيون، وطنيون، وطنيون، 24 ساعة يتكلمون عن أنفسهم بهذه النغمة، ثم إذا بالبعض اليوم لا يهمه هذا الوطن ولا يهمه هذا الشعب، ولا يلتفت إلى العدوان ومنشغل بأشياء أخرى، على الجميع مسؤولية أن يدركوا طبيعة هذه الظروف وهذه المرحلة الراهنة والظروف القائمة، وضرورة تحمل المسؤولية كما ينبغي في التصدي لهذا العدوان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر شعبنا المظلوم، أن يرحم شهداءنا الأبرار، أن يشفي الجرحى، وأن يفرج عن الأسرى، إنه سميع الدعاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته’’

تصنيفات: خطابات السيد القائد

وسوم: ,,,,