الخذلان

بقلم : إحترام عفيف المُشرّف

نعم لاشيء يضاهي الخذلان، لا فقد ولاحرب ولا ألم ولاعداوة ولافراق أحبة ولا حتى الموت لاشيء، لاشيء أبدا أشدّ وأنكى وأوجع من الخذلان، كل ماذكر يكون محتملا إلا الخذلان فلا يطاق احتماله وتنوؤ عن حمله العصبة أولوا القوة.

الخذلان: خيانة للقلب وللروح وللعقل، كيف لا وقد خذل القلب الذي وضع من خذله في داخله، وخذل الروح وقدجعلت من خذلها في حناياها، وخذل العقل الذي بارك للقلب وللروح اختيارهم فكان هذا الخذلان هزيمة للعقل الذي خذلت قوامته على بقية الجوارح بهذا الخذلان.

الخذلان: ألم ووجع وجرح وخيبة أمل، الخذلان يجعل المخذول في حالة ذهول وعدم استيعاب لما حدث حتى إذا استوعب فيكون في حالة اللاحياة واللاممات، فقد أفقده ذلك الخلان التوازن وجعله يتخبط ضرب عشواء ومن الصعب على المخذول العودة كما كان وأن تعود ثقته بالناس وبمن يحبهم لأنه أصبح في شك حتى بمن كانوا أحبته، كيف لا ومن خذله قد كان أحب أحبته وقد خذل من حيث حسب أنه الأمان وسيحتاج إلى زمن حتى يعود بعدما ذهب توازنه وتزلزل داخله ودمر فيه الخاذل كل شيء جميل.

ومن يظن أن الخذلان ينتهي بالاعتذار فهو مخطئ‏؛ لأن الفرق شاسع بين أن تعتذر لأنّك أغضبتني، وبين أن تعتذر لأنّك خذلتني، فالغضب يكفي فيه الاعتذار، وأحيانًا يكفيه مساحة من الصمت، لكن الخذلان لا يخفّف مرارته الاعتذار ولا الوقت ولا الصّمت، كلّ الآمال تسقط دفعةً واحدة، تهوي وتذوي وبشدّة وقت الخذلان.

وليس مانقوله مقطوعة أدبية نسجها كاتبها وبالغ في حباكتها، ليس ذلك بل ماقلناه ماهو إلامحاولة قاصرة لوصف الخذلان ولن يعرف حقيقة ماكتبناه إلا من حدث له الخذلان فسيرى وجعه على السطور مدون فلاتستهينوا بالخذلان فهو مؤلم .

أما الخاذل فهو قاتل لم يحاكم، ومجرم لم يجرّمه القانون، فقد حاكم القانون قاتل الجسد وغفل عن محاكمة قاتل الروح، وقد أطلق علىٰ قاتل الجسد صفة المجرم ولم يسموا الخاذل بأي وصمة لتكون على جبينه كجناية لجرمه.

هذا هو الخذلان وتلك هي حالة المخذول وذلك هو وصف مختصر للخاذل ولن يعرف ذلك إلا من مسته مرارة الخذلان، فهناك أمور لايمكن نسيانها ولاينفع معها الاعتذار أو حسن النية، فلكل شيء حدود لا يمكن لأحد تجاوزها وإن تم تجاوزها فإن العودة إلى ماكانت الحياة عليه مستحيلة استحالة كاملة.

قد يعجبك ايضا