موقع “اوبن ديموكراسي”: البعيدون عن شعبهم، هل يريدون السلام في اليمن؟

 

نشر موقع “اوبن ديموكراسي” مقالاً (الثلاثاء 6 سبتمبر/أيلول 2016) للكاتبة والمؤلفة البريطانية هيلين لاكنر، التي تعيش حالياً في اليمن تحت عنوان: “من الذي يريد السلام في اليمن وهو بعيد عن شعبه؟!”.

وفقاً للكاتبة البريطانية، تفشل التكتيات المختلفة التي تتخذها وتناور بها حكومة بعيدة عن شعبها في محاولة لإرضاخ خصومها الذين ضمنوا أخيراً إسناداً شعبياً كبيراً؛ كما انعقد في ميدان السبعين رغم القصف الجوي، وفشل محاولات كبح اكتمال نصاب انعقاد البرلمان في صنعاء. لكن، ورغم ذلك، فإن التكتيكات القديمة هي نفسها تتكرر عسكرياً واقتصادياً عبر تشديد الحصار الخانق وحظر الطيران، وأخيراً محاولة نقل البنك المركزي من صنعاء، والذي نجح رغم كل شيء في ضمان توفير ودفع المرتبات للمدنيين والعسكريين في معسكري الفرقاء على السواء.

زيادة الاهتمام الدولي

لفتت هيلين لاكنر، إلى ازدياد النشاط الدبلوماسي على المستوى الدولي، نتيجة لضغوط متزايدة من منظمات حقوق الإنسان رداً على القتل العشوائي للمدنيين في جميع أنحاء اليمن، وبيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية.

ومع ذلك، من المحزن أن نلاحظ أن الوضع أخيرًا لفت اهتمام الرأي العام ليس بسبب الحرص على اليمن أو اليمنيين، وإنما كوسيلة لمهاجمة الدول الغربية لعلاقاتها مع النظام السعودي القمعي. وهذا الضغط لم يمنع المزيد من المبيعات من الأسلحة، في حين أعلنت الولايات المتحدة، الشهر الماضي، بيع ما قيمته 1.15 مليار دولار للسعودية. وقد أدت الصيحات حول مبيعات الأسلحة لقرارات هولندا والاتحاد الأوروبي لوقفها. في حين أطلقت (حملة ضد تجارة الأسلحة) بالمملكة المتحدة، مراجعة قضائية ضد قرار الحكومة لمواصلة صادرات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية والتي من المرجح أن تجرى مطلع العام المقبل.

وكان ذلك جزئياً بفضل الأدلة الكثيرة على أن العديد من المدنيين قتلوا وجرحوا في اليمن من قبل الضربات الجوية للتحالف الذي تقوده السعودية.

وقد رفعت الأمم المتحدة عدد القتلى لأكثر من 10.000 ولكن ذلك فقط يشمل المسجلين في المرافق الطبية، وتم تجاهل تلك التي في أي مكان آخر، ناهيك عن الذين يموتون من قلة الدواء أو العلاج من الأمراض المزمنة بسبب النقص في الأدوية الناتجة عن الحصار المفروض جواً وبحراً من قبل التحالف على مدى 18 شهراً.

وجهة نظر من صنعاء

وتقول الكاتبة، إن حلفاء صنعاء – أو مناهضي القصف السعودي، قد ضمنوا الدعم الشعبي، كما هو مبين من قبل مظاهرة حاشدة وضخمة يوم 20 أغسطس في صنعاء، رغم قصف طائرات التحالف التي أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، على الأقل، على هامش هذه التظاهرة الضخمة.

المناطق “المحررة”

تقول لاكنر: ورغم أن (حكومة هادي) تسيطر على مناطق في الجنوب، فإن أغلبية وزرائها يقبعون في الرياض أو في مختلف النزه الدولية. قضى رئيس الوزراء 45 يوماً فقط في عدن منذ تعيينه في أوائل أبريل، بينما هادي نفسه لم يقضِ سوى 87 يوماً في عدن منذ نهاية شهر يوليو من العام الماضي، ولم تطأ قدماه هناك منذ منتصف شهر فبراير من هذا العام.

وتضيف: علاوة على ذلك لا تزال المحافظات الجنوبية، التي تسيطر عليها “الشرعية”، في حالة فوضى، وسط هجمات انتحارية واسعة وبصورة تكاد يومية من قبل تنظيم داعش والقاعدة، وآخرها العملية الانتحارية الكبرى في 29 أغسطس والتي أودت بحياة أكثر من 70 شاباً كانوا يسجلون للانضمام إلى قوات حماية الحدود السعودية بسبب تزايد عمليات التوغل الحوثي/صالح جنوب المملكة.

وتتوسع لاكنر في عرض الأوضاع في المحافظات الجنوبية قائلة: إن محاولات الاغتيالات الفعلية للقادة السياسيين والعسكريين متكررة والكهرباء وإمدادات المياه غير منتظمة وتعتمد على معدات الطوارئ الناشئة وتمويلها من قبل قوات الإمارات العربية المتحدة. كما أن تشغيل الكثير من بقية المحافظات الجنوبية تتم من قبل قادة المجتمع المحلي، سواءً القبلية أو غيرها، وعدد كثير جداً منهم لا يعترفون بهادي أو حكومته. فهي (المحافظات) إما بانتظار تشكيل حكومة ذات مصداقية.. أو أنها تدعم الانفصال.

تكتيكات حرب قديمة وجديدة

ومما لا يثير الدهشة، تقول لاكنر، أدى انتهاء مفاوضات الكويت إلى زيادة كبيرة في الضربات الجوية لقوات التحالف التي تقودها السعودية في جميع أنحاء اليمن، سواءً من حيث العدد أو الأهداف، مع أكثر من 100 غارة جوية في بعض الأيام.

السكان في صنعاء الذين عاشوا 5 أشهر كاملة دون توجيه ضربات يتم الآن قصفهم يومياً، وبنفس المواقع تضرب مراراً وتكراراً: وإذا ما تزال هناك أي أسلحة تخزن في جبال صنعاء، فمن الواضح أنها بعيدة المنال.

فيما لا تزال مدينة تعز والمحافظات الأخرى تمزقها المعارك البرية والغارات الجوية. يسود نفس الوضع على الجبهات المعتادة نهم ومارب والجوف. في سهول محافظة حجة يعاني السكان أكبر عدد من القتلى في مثل هذه الضربات.

ولفتت الكاتبة، أن حكومة هادي في المنفى لجأت إلى تكتيكات بديلة سعياً منها إلى إخضاع صالح والحوثي، رغم أنها غير مفيدة ولم تحقق أياً من أهدافها سوى أنها زادت الوضع الإنساني سوءاً، وتذكر على سبيل الاستدلال:

– الحصار الذي قوبل باستنكار على نطاق واسع، حيث يحول دون وصول مشتقات الوقود الأساسية والمواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى السكان، وأدى إلى الوضع الحالي: مع أكثر من نصف السكان في حالة “انعدام الأمن الغذائي”، و7 ملايين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي قريباً على شفا الموت جوعاً. يذكر أن اليمن تستورد 90٪ من احتياجاتها من القمح، و100٪ من المواد الغذائية الأساسية الأخرى مثل الأرز والشاي والسكر. ومن ثم فإن الحصار القسري يلعب دوراً رئيسياً في تفاقم الكارثة الإنسانية. في اليمن، كما هو الحال في الكثير من الحروب الأخرى، يتم استخدام الاحتياجات الإنسانية الأساسية كسلاح من قبل الفصائل المتحاربة.

– جانب آخر من الحصار، هو السيطرة على المجال الجوي اليمني من قبل النظام السعودي: أي رحلات جوية داخل أو خارج اليمن لا يمكن أن تتم دون موافقة مسبقة من الجيش السعودي، ومعظمها تتوقف في بيشة، حيث القوات السعودية تفتش كافة الركاب والبضائع. كما تم إغلاق مطار صنعاء.

حتى إن رحلات تابعة للأمم المتحدة كانت ممنوعة لمدة أسبوع كامل عندما استأنف البرلمان جلساته. وكان القصد من ذلك هو منع أعضاء من العودة إلى صنعاء للانضمام إلى البرلمان في محاولة لكبح اكتمال النصاب القانوني، ولكن فشل هذا التكتيك.

وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة وغيرها من الرحلات الجوية الإنسانية تسافر دائماً إلى صنعاء، لكن أعضاء وفد صنعاء في مسقط الآن تقطعت بهم السبل لمدة شهر تقريباً، وكانت الأمم المتحدة غير قادرة على ضمان عودتهم سالمين إلى صنعاء.

– وهناك شكل ثالث تتخذه الحرب الآن، وهو محاولة من قبل حكومة هادي لمنع البنك المركزي من أداء وظيفته، بعد أن نجح وظل محايداً. تمكن البنك المركزي اليمني، بطريقة أو بأخرى، من مواصلة دفع رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين من جميع الأطراف طوال فترة الحرب، رغم انهيار احتياطاته. دون التطرق إلى مسألة من أين جاءت هذه الأموال، فقد كان هذا إنجازاً كبيراً.

وتوضح هيلين لاكنر، أن حكومة هادي تحاول في الآونة الأخيرة نقل البنك إلى عدن واستبدال كبار مسؤوليه. وقد أعرب حتى الداعمون الدوليون لها، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، عن قلقهم إزاء هذه الخطوة. وحتى الآن، تجاهل صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الأخرى ذلك.

وإذا ما تم نقل البنك المركزي، فإن النتيجة الأبرز ستكون مثيرة جداً: تدهور الوضع الغذائي والوقود داخل البلاد. وبعبارة أخرى، المزيد من الجوع والمجاعة والموت.

* هيلين لاكنر: خبيرة في المجال اليمني، عملت في جميع أنحاء اليمن منذ 1970s، وعاشت هناك ما يقرب من 15 عاماً. وقد كتبت حول الاقتصاد السياسي في البلاد، فضلاً عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وتعمل كمستشار للتنمية الريفية لحسابها الخاص في اليمن وأماكن أخرى، وحالياً تشارك، أيضاً، في البحوث المتعلقة بالسياسة المائية في اليمن.

قد يعجبك ايضا