ميلاد أمة لا ذكرى نبي…بقلم/ صلاح الدكاك

 

ألقى سيد الثورة بذرة الفضل والرحمة الإلهية بدءاً في مسامع وألباب الحاضرين، ثم تعهدها بغيث المنهجية القرآنية واستقراء مجريات الواقع المعاصر، وفي قرابة ساعة من كلمته المتلفزة كانت البذرة قد أضحت دوحةً باسقة يمكن للسامعين رؤيتها ومطالعة دلالاتها وقد تدلت ثماراً دانيةً على تفاوت ذهنيات القاطفين.
على حشد من الفعاليات الرسمية والشعبية توَّجَه حضور أبطالنا الأسرى المحررين لمناسبة تدشين فعاليات المولد النبوي الشريف، أطل سيد الثورة أمس عبر “إيمو”، فنقل جَزْر الإصغاء لكلمته إلى مد متصاعد من صرخات التكبير والتلبية لصاحب المناسبة عليه وعلى آله أزكى الصلاة والتسليم.
قال سيد الثورة: “سنجعل من إحياء هذه المناسبة هذا العام حدثاً غير مسبوق بإذن الله”. والواقع أن احتفاء يمن الأنصار بمولد سيد الخلق كان غير مسبوق خلال الأعوام السالفة منذ العام الأول الذي منحت حركة أنصار الله خلاله هذه الذكرى أفقاً إحيائياً عاماً يأتلف قلوب اليمنيين أسبوعُ فعالياته تتويجاً بتظاهرة يمانية إيمانية كبرى مركزية أو سلسلة تظاهرات في عموم المحافظات اليمنية حيث برعمت بذار المسيرة القرآنية.
لا شعب بين كل الشعوب المسلمة حاضراً وماضياً تفجرت وتتفجر ينابيع محبته للرسول الأعظم في ذكرى مولده الشريف، بزخم ما تتفجر لدى شعب الأنصار. وإذا كانت عقود زمن الوصاية قد حدت من هذا الزخم، فإنها لم تكن قادرة على أن تجعل ماءه غوراً، وإنما أشتاتاً وجداول تجري إلى غير مصب جامع قبل أن تنتظمها المسيرة القرآنية في بحر المشروع الرحب، وتمنحها مجال الحركة والفعل ترجمة لجوهر الهداية المحمدية والرسالية الإيمانية المترتبة عليها بعد أن كادت الوصائية الوهابية والانحراف والتحريف المبثوث في ثنايا الفكر والمنهج والإعلام والثقافة يجعل من المناسبة الشريفة بدعة مجرّمة أو مُكاءً وتصدية بلا روح ولا غاية سامية.
أقلع سيد الثورة بالحاضرين من أفياء قوله تعالى: “قل فبفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا”، مبحراً ومحلقاً في أفق من تفكيك زيف الفلسفة الحقوقية التي يتسلق بدعاواها الغرب الاستعماري والامبريالية الأمريكية والأوروبية، ظهور الشعوب والبلدان، في ازدواجية مقيتة يفعل خلالها الغرب الاستعماري واقعاً نقيض ما يتشدق به دعايةً من مُثل وقيم حضارية، ويكفر عملياً بكل حقوق ترتلها شفاهه وتدعو العالم لاعتناقها طوعاً أوكرهاً ككتاب مقدس!
يعمد سيد الثورة، في هذا السياق، إلى تظهير هذه التناقضات بين الخطاب الاستعماري الغربي الحمائمي وواقع إجرام المستعمرين بحق الشعوب التي رزحت تحت احتلالهم.
لكن كيف يمكن، على الضفة المقابلة للرسالية الغربية الزائفة، تظهير الإسلام كمشروع فضل ورحمة حقيقيتين للعالم أجمع، وقد احتجب هذا الدين ورسوله الكريم خلف غبار وسخام الانحراف والتحريف؟ يقول سيد الثورة إن التوجه جدياً لتخليص الإسلام ونبي الرحمة قولاً وعملاً من ركام عقود وقرون التغييب تلك، هو سبيل تظهير فضل الله ورحمته الشاملتين للبشرية جمعاء، واللتين لا تتمظهران إلا على أيدي عباده غير الواقعين في مهاوي المغضوب عليهم ومزالق الضالين، مؤكداً حقيقة أن التنظيمات التكفيرية المتأسلمة في التاريخ المعاصر هي صنيعة الغرب الاستعماري نفسه بقيادة أمريكا رأس الشر.
هذه المهمة منوطة بكواهل العرب المسلمين بدءاً والشعوب المسلمة وصولاً بـ”فضل ورحمة الله” إلى أفق شمولهما الكوني للبشرية بأسرها.
قبل انبعاثة الروح المحمدية العلوية الحسينية المهدية الهادية بكشاف المنهجية القرآنية في مَوات واقع الأمة العربية والإسلامية، كان تدليس مسخ من مسوخ الغرب الاستعماري كالرئيس الفرنسي ماكرون واجتراؤه على الإسلام أمراً أقل من عادي، وارتجاع صدى صوت التدليس والاجتراء في العالم الإسلامي يساوي ويطابق الصوت ذاته، فلا آخر يعوقه ولا نقيض يُستدل به على فساد منطق النقد الغربي للإسلام.
في الراهن بات هناك من يواجه ويحتد ويتصدى، وبات هناك سيد يزأر من جنوب الجزيرة العربية القصي متحدياً، فيصيب مسوخ الغرب القصي في مقتل، ويقض خدور هناءتها المتطامنة لتغييب الآخر وتسميم مناخ نشوئه الرسالي ببحار من مبيدات تتهرأ لها الروح الحية والهوية المائزة والفكر القويم لدى أمتنا العربية والإسلامية.
هناك اليوم من يتحدى بالقول والفعل مزمجراً في وجه غلام البورصات الكونية ماكرون: “جرائمكم الفظيعة بحق الشعب الجزائري وصمة عار على جبينك وجبين فرنسا لا يمحوها توالي التاريخ..”.
وفي سياق تصاعدي منطقي متماسك ومسنود بالمعطيات الموضوعية، يقطع سيد الثورة بأنه لا حرية يؤمن بها ويدافع عنها الغرب الأوروبي وأمريكا سوى حرية اليهود الصهاينة في الإجرام، ولا حقوق سوى حقوقهم في إبادة شعب عربي مسلم والسطو على ترابه وتزوير الزمان والمكان لصالح رواية صهيونية عنصرية مقيتة متخمة بالفجور والفحش واللصوصية والتحقير لإنسانية الإنسان.
إن خصاء واستئصال وترهيب أدمغة وألسن الأوروبيين أنفسهم ببعبع “معاداة السامية” سياسة عريقة غربية غير خافية على أحد من أبناء المعمورة.
يستدل سيد الثورة على ذلك بتجريم ومصادرة فرنسا لكتاب المفكر الفرنسي روجيه جارودي الذي قدم رواية مغايرة عن “الهولوكست – محرقة اليهود في ألمانيا النازية”.. رواية غير مطابقة لناموس الفبركة والاختلاق الغربي لمحرقة لايزال الغرب يشب نارها حتى اللحظة لإخراس شعوب العالم.
ذات القمع والخصاء والتغييب للآخر والتغطية على جرائم اليهود الصهاينة هو سياسة شائعة ومشهودة في مواقع التواصل الاجتماعي اليوم… سياسة تسمح وتتسامح مع نشر كل رذيلة، وتعاقب وتقمع كل ناقد لليهود الصهاينة وجرمهم بحق الشعب الفلسطيني.
استخلاصاً وتلخيصاً لواقع ازدواجية الغرب الفاضحة هذه، يقطع سيد الثورة دون استعراضية فلسفية بأن “الحرية لدى الغرب هي أن تسيء إلى أنبياء الله وإلى الله ذاته، ولا حرية في أن تتحدث عن جرائم اليهود الصهاينة، فتلك معاداة للسامية مُجَرَّمة غربياً”!
إن حقوق الإنسان لدى الغرب لا تشمل الشعب اليمني الذي تقتله وتحاصره وتجوِّعه ترسانة العدوان الكوني، ولا تشمل شعب فلسطين ولا العراق ولا رواندا ومالي وأفغانستان وبلدان أخرى بامتداد خارطة الكرة الأرضية تذبحها العدوانية الأمريكية الأوروبية من الوريد إلى الوريد بالتجزئة والجملة، غير متهيبة نواميس حقوق إنسان ولا عهوداً وشِرعات ومعاهدات أممية ودولية.
مرةً أخرى فإنه لكي نستنقذ أنفسنا وليتحقق فينا فضل الله ورحمته، ينبغي تخليص المناهج والأفكار من الانحراف والتحريف الذي أساء للإسلام ورسوله الأعظم.. يؤكد السيد القائد عبدالملك الحوثي، واضعاً المجتمع والحكومة على جادة توجه واضح لا لبس فيه ولا إمكانية لتهيب تبعاته أو التذرع بأن أوانه لم يئن بعد.
ليس من المفارق لهذا السياق ولا اعتباطاً أن يشير سيد الثورة في مطلع كلمته إلى “تضافر الشعبي والرسمي على مستوى الحضور في تدشين فعاليات أسبوع ذكرى المولد النبوي الشريف” أمس.
في اعتقادي أن نفي هذا التقابل بين “شعبي ورسمي” هو كسر لسلسلة تقابلات درج عليها الخطاب الثقافي السائد كانعكاس لحالة الاستلاب الفكري التي كرسها الغرب الامبريالي في واقع الشعوب “ذكورة وأنوثة، امرأة ورجل، أقلية وأكثرية، شيعي وسني، ومثقف وسياسي؛..؛..” إلى آخر حلقات سلسلة التقابلات المكبلة لمكونات البنية الاجتماعية لجهة تعبيدها كمطية عديمة الحيلة للهيمنة الامبريالية.
إنها إشراقة لا ينبغي أن تفوت السامعين في كلمة سيد الثورة، فهي لصيقة بسياق الاحتفاء بمناسبة لم تعد مجرد ذكرى، بل مرفأ إقلاع رئيسي لمشروع تنتظمه كل خطابات سيد الثورة على اختلاف المناسبات والمجريات.
“إن الإسلام هو إرث جميع الأنبياء.. إنه إرث إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام”، وهذه الوحدة الرسالية ذاتها قد جرى تقطيع أوصالها بفؤوس التحريف لتغدو سلسلة تقابلات محتربة ومتضادة تكبل البشرية جمعاء… بشرية أرشدها الله لطبيعة نشأتها وتكوينها نافياً فرزها على غير هداه وتقواه: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
في هذا الأفق القرآني المستقرئ لأحداث العالم باتساعه، حلق سيد الثورة في كلمته الملتحمة وحدانياً بالأمة المحمدية فعلاً وقولاً بلا تقابل ولا ازدواجية زائفة كحال الغرب الاستعماري.
هكذا تحدث سيد الثورة ويتحدث على امتداد محطات صراع بتنا فيه رقماً وجودياً يجترح سبله بمشكاة الله وفضله ورحمته التي وسعت كل شيء.

 

قد يعجبك ايضا