نصائح غربية لواشنطن بـ«التعقّل»: صنعاء لن ترتدع …وبريطانيا تؤدّي قسطها: نحن أهل العدوان

نصائح غربية لواشنطن بـ«التعقّل»: صنعاء لن ترتدع

قوبل العدوان الثنائي الأميركي – البريطاني على اليمن، بمواقف مندّدة داخل الولايات المتحدة وخارجها، فيما بدا لافتاً إجماع عدد كبير من المراقبين على أنّ خطوة واشنطن لن تكون كافية لـ«ردع» حركة «أنصار الله» عن استكمال هجماتها، رداً على استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. إذ يرى هؤلاء أنّ الحركة اليمنية أصبحت، مع مرور السنوات، أكثر قابلية للصمود في مواجهة أيّ عدوان عليها، وأنّ عدم توسيع رقعة الحرب إنّما يصبّ في مصلحة الأميركيين، وغير ذلك لن يكون إلّا «في مصلحة إيران وحلفائها».
لا ردع إستراتيجياً
وفقاً لبعض التحليلات التي أوردها موقع «المجلس الأطلسي»، في أعقاب الهجوم الثنائي على اليمن، أمس، إنّ واشنطن ضربت من قبل، وتحديداً عام 2016، «مواقع للحوثيين»، وإن هذه الضربات كشفت عن أن الجماعة المسلّحة «على استعداد، منذ مدّة طويلة، لتحمّل الخسائر العسكرية والمدنية جرّاء أيّ هجوم جوّي قد تتعرّض له». وبعدما تبيّن أنّ «ردعهم مستبعد جدّاً»، فقد «طوّر الحوثيون ما يملكونه من موارد، بالإضافة إلى تلك التي كانت تزوّدهم بها إيران، إلى أنظمة أسلحة ذات قدرات أعلى». ويتابع أصحاب هذا الرأي أنّه نظراً إلى الخبرة الطويلة التي تتمتّع بها «أنصار الله» في تحمُّل الضربات الجوية، فمن غير المرجّح أن يحقّق الهجوم الأخير أيّ ردع إستراتيجي، ما يعني «استمرار الحوثيّين» باستهداف الشحن في البحر الأحمر. وتبرّر وجهة النظر هذه آراء بعض المراقبين والمسؤولين الأميركيين، الذين تحدّثوا إلى وسائل إعلام في أعقاب الهجوم، عن أن ضربة فجر الجمعة «لن تكون الأخيرة»، ولا سيّما أنّها مرتبطة مباشرة بالخطوات التي ستتّخذها قوات صنعاء مستقبلاً.

الحرب «الكارثية» القادمة
رغم أنّ الردّ الأميركي «المعدّل والحذر» يُعدّ مبرَراً، في رأي صحيفة «واشنطن بوست»، فإنّ ضبط النفس الذي كانت تمارسه واشنطن، طوال المدة الماضية، شكّل علامة «قوّة لا ضعف». ومن هنا، دعت الصحيفة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى التأكّد من أن هجوم بلاده على اليمن لن يخرج عن نطاق السيطرة، نظراً إلى أنّ الحرب الأوسع «ستكون كارثية». وفيما يشجّع «بعض الصقور» في واشنطن التصعيد عسكرياً ضدّ قوات صنعاء، فإنّ إدارة بايدن تُدرك أن القيام بذلك سيساعد في «ترسيخ القيادة الإيرانية الضعيفة»، وفقاً لـ «واشنطن بوست» التي تقول إن إيران قد «لا تكون قادرة على التغلّب، بسهولة، على هجوم شامل من الولايات المتحدة وحلفائها»، إلّا أنّ لديها فرصة جيّدة لخوض حرب أوسع «تشمل وكلاءها»، «والاستفادة منها حتى». في المقابل، وطبقاً للمصدر نفسه، فإنّه للفوز في هذه الحرب، ستتكبّد أميركا تكاليف ديبلوماسية واقتصادية هائلة، في وقت «لا نيّة فيه لدى إدارة بايدن لإشراك البلاد في حرب أوسع».

عزّز التحرك العسكري الأخير الانقسام الذي كان مستعراً بالفعل في الداخل الأميركي

انقسام في الكونغرس
وفي ما يتعلّق بالأصداء الداخلية، فقد عزّز التحرّك العسكري الأخير الانقسام الذي كان مستعراً بالفعل في الداخل الأميركي؛ ففي حين رحّب بعض أعضاء «الكونغرس» بخطوة الإدارة الأميركية التي كانت تتعرّض لكثير من الانتقادات، على خلفية «تلكؤها» في التصدّي بفعالية لهجمات قوات صنعاء، فقد هاجم آخرون، ولا سيما المنتمون إلى الحزب الديموقراطي، القرار الأخير، واضعين إيّاه في خانة «تجاوز صلاحيات الكونغرس». ووصف النائب رو خانا (ديموقراطي/ كاليفورنيا)، الضربات على اليمن بـ«غير الدستورية»، مشيراً إلى أنّه لأكثر من شهر، «كان بايدن يستشير ائتلافاً دولياً للتخطيط لها، إلّا أنه لم يأتِ إلى الكونغرس للحصول على إذن، وفقاً لما تنصّ عليه المادة الأولى من الدستور». كما شدّد خانا على ضرورة «الإصغاء إلى الحلفاء الخليجيّين»، «وخفض التصعيد، وتجنّب الدخول في حرب أخرى في الشرق الأوسط». ومن جهته، حذّر النائب مارك بوكان (ديموقراطي/ ويسكونسن)، من أنّه «لا يمكن للولايات المتحدة أن تخاطر بالتورّط في صراع جديد يستمرّ لعقود، من دون موافقة الكونغرس»، مؤكداً أنّه لا يجب شنّ أيّ ضربات مستقبلية قبل استشارة الأخير. وبدورها، علّقت النائبة الجمهورية المتشدّدة عن ولاية جورجيا، مارجوري تايلور غرين، قائلةً إن «إدارة بايدن تريد تمويل الحرب في أوكرانيا، وضبط الحرب في إسرائيل، وتسليح تايوان والاستعداد للحرب مع الصين، وها هي الآن متّجهة إلى حرب في الشرق الأوسط، وهذا كلّه فيما الحدود مفتوحة على مصراعيها (…)».

تخطٍّ للقرارات الدولية
ولم تقتصر الانتقادات بـ«التفرّد» بقرار الهجوم على الداخل الأميركي وحده، إذ ندّد الكرملين، أمس، بضربات الولايات المتحدة وبريطانيا، محذّراً من أنها أدّت إلى تصعيد التوتّر في أنحاء الشرق الأوسط، وعكست تجاهلاً تامّاً للقانون الدولي. وطلبت روسيا، في هذا الإطار، «عقد اجتماع عاجل لـ(مجلس الأمن)»، لبحث هذه الضربات. وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إنّ «الضربات الجوية الأميركية في اليمن مثال آخر على مخالفة الأميركيين والبريطانيين لقرارات مجلس الأمن الدولي». ومن جهتها، دعت الصين، جميع الأطراف إلى «منع اتّساع رقعة النزاع في الشرق الأوسط»، فيما قالت الناطقة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ، إن بلادها «تشعر بالقلق من التصعيد في التوتّر في البحر الأحمر»، وتحضّ الأطراف المعنية «على التهدئة وممارسة ضبط نفس لمنع اتساع رقعة النزاع».


لا تأييد عربياً للعدوان
تتالت ردود الفعل العربية والإقليمية على العدوان الذي شنّته الولايات المتحدة وبريطانيا على عدد من المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء. ودانت إيران العدوان الثنائي، مشيرة إلى أنه «انتهاك واضح للسيادة» و«انتهاك للقانون الدولي»، وفق بيان صادر عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، ناصر كنعاني، الذي اعتبر أن الهجمات تهدف إلى صرف الانتباه عن الحرب على قطاع غزة، داعياً إلى «خطوات مسؤولة» لمنع توسّع تلك الحرب. ومن جهتها، استنكرت سلطنة عُمان «اللجوء إلى هذا العمل العسكري من قبل دول صديقة، بينما تتمادى إسرائيل في قصفها وحربها الغاشمة وحصارها لقطاع غزة من دون حساب أو عقاب»، في ما بدا إشارة إلى البحرين التي قالت الولايات المتحدة إنها دعمتها في عدوانها في إطار تحالف «حارس الازدهار». وأعربت الخارجية العُمانية عن «قلق بالغ» إزاء ما حدث، مناشدة «جميع الأطراف وقف التصعيد والعمليات العسكرية والتركيز على معالجة الأسباب الجذرية والحقيقية للأزمة»، والمتمثّلة في الحرب على غزة. وبالمثل، رأى الأردن أن «تقاعس المجتمع الدولي في كبح إسرائيل سمح لها بتعريض أمن المنطقة للخطر». وقال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، وفق وكالة «بترا»، إن الأردن يتابع بـ«قلق» التطورات «وانعكاسات ذلك على الوضع الإقليمي»، محذّراً من أن «إسرائيل تدفع المنطقة برمّتها نحو مزيد من الصراع».
أما السعودية، فأعربت، في بيان لخارجيتها، عن «قلق بالغ»، مشدّدة على «أهمية المحافظة على أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر التي تُعدّ حرية الملاحة فيها مطلباً دولياً»، وداعية إلى «ضبط النفس وتجنُّب التصعيد». كذلك، أعربت الإمارات عن «قلقها البالغ من تداعيات الاعتداءات على الملاحة البحرية»، والتي «تمثّل تهديداً غير مقبول للتجارة العالمية ولأمن المنطقة والمصالح الدولية». كما أشارت دولة الكويت إلى أنها تتابع التطورات «بقلق واهتمام بالغيْن»، مطالبةً، في بيان صادر عن خارجيتها، بالحفاظ على «الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر وتأمين حرية الملاحة».

بريطانيا تؤدّي قسطها: نحن أهل العدوان

فيما يرزح الاقتصاد البريطاني تحت واحدة من أسوأ موجات التضخّم في تاريخه، وفي الوقت الذي يكافح فيه ملايين البريطانيين لتأمين لقمة عيشهم اليوميّ، تستمرّ حكومة نخبة الأثرياء التي تَحكم المملكة، في توريط البلاد في مزيد من الصراعات العسكرية الأميركية، عبر مشاركة رمزية في العدوان على اليمن، لتضيف جبهة أخرى ثالثة إلى أوكرانيا – التي وصلها رئيس الوزراء، ريشي سوناك، مساء أمس، محمّلاً بأموال إضافية وترتيبات عسكرية وأمنية واستخبارية -، وغزّة، حيث تشارك القوات البريطانية من قاعدتَيها في قبرص، في دعم عمليات الجيش الإسرائيلي ضدّ القطاع المحاصَر. وكانت أربع طائرات من طراز “تايفون” تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني متمركزة في قاعدة “أكروتيري” في جزيرة قبرص، قد عبرت، ليل الخميس – الجمعة، الأجواء المصرية في اتجاه اليمن، وتزوّدت بالوقود فوق البحر الأحمر، قبل أن تشارك القوات الأميركية عدوانها على اليمن. وبحسب وزارة الدفاع البريطانية، فإن طائرات سلاح الجو الملكي التي قطعت عدّة آلاف من الأميال ذهاباً وإياباً، قصفت موقعَين تستخدمهما القوات اليمنية لإطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات، قبل أن تعود أدراجها إلى “أكروتيري”، فيما لم تشارك أيّ من السفينتَين الحربيتَين التابعتَين للبحرية الملكية، الموجودتين حالياً في البحر الأحمر، بشكل مباشر في الضربات. وفي هذا الإطار، نقلت وسائل الإعلام المحلّية عن وزير القوات المسلّحة البريطانية، جيمس هيبي، قوله إن العملية كانت “محدودة ومتناسبة وضرورية” للدفاع عن السفن الحربية الغربية وسفن الشحن في البحر الأحمر. ودعا هيبي مواطنيه إلى الشعور بالفخر بما أنجزته قواتهم المسلّحة، على رغم كل المخاطر، مبلغاً الصحافيين أنه “لا توجد خطط حالياً لشنّ مزيد من الضربات”. من جهتها، قالت وزارة الدفاع البريطانية إن تأثير الهجمات التي شنّتها الطائرات الملكية لم يتّضح بعد، لكن “المؤشرات المبكرة تبيّن أن قدرة اليمن على تهديد الشحن التجاري قد تلقّت ضربة”، بحسبها.
وكانت لندن قد أرسلت المدمرة “دياموند” إلى البحر الأحمر في محاولة لتقديم الحماية من الضربات الجوية للسفن الإسرائيلية أو تلك المتّجهة إلى موانئ الكيان العبري، والتي يستهدفها اليمنيون في سياق دعمهم للفلسطينيين الذين يواجهون حرب إبادة إسرائيلية. والتحقت بها تالياً الفرقاطة “لانكستر” التي تتمركز عادة في الخليج العربي لحماية أنظمته الحاكمة. وبخلاف المدمّرات الأميركية التي شاركت في العدوان على اليمن، فإن القطع البحرية البريطانية مخصصة للدفاع الجوي والمعارك البحرية، ولا تحمل صواريخ “كروز” لقصف مواقع على البر.

طالب نواب من أحزاب المعارضة بانعقاد البرلمان من أجل مناقشة قرار سوناك التورّط بعمليات عسكرية ضدّ اليمن

وفي معرض تبريره مشاركة بلاده في العمليات العدوانية ضدّ البلد العربي، قال سوناك إن “هجمات الحوثيين تعطّل التجارة وترفع أسعار السلع، وتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن”، مضيفاً، في اجتماع عبر الفيديو مع مجلس الوزراء بينما كان متّجهاً إلى أوكرانيا، أن “التحذيرات المتكرّرة من المجتمع الدولي لليمن لم تُجدِ نفعاً، إذ واصل (الحوثيون) تنفيذ هجمات في البحر الأحمر، بما في ذلك استهداف السفن الحربية البريطانية والأميركية، وهذا أمر لا يمكن أن يستمر”. وفي وقت لاحق، أصدر سوناك بياناً أعلن فيه تنفيذ ضربات ضدّ أهداف يمنية من قِبَل طائرات سلاح الجو الملكي، مشيراً إلى أن البحرية البريطانية ستواصل القيام بدوريات في البحر الأحمر كجزء من عملية متعدّدة الجنسيات تقودها الولايات المتحدة.
في المقابل، طالب نواب من أحزاب المعارضة بانعقاد البرلمان من أجل مناقشة قرار سوناك التورّط في عمليات عسكرية ضدّ اليمن. وقال نواب من “الحزب القومي الاسكتلندي”، و”الديمقراطيون الأحرار”، و”بلايد سيمرو” (من إقليم ويلز)، كما رموز يسارية من “حزب العمل”، إن “الإجراء العسكري الأميركي – البريطاني قد يشعل منطقة الشرق الأوسط برمّتها، ويوسّع من نطاق الحرب الحالية، وقد لا يكون كافياً لردع اليمنيين عن موقفهم المرتبط بالحرب على غزة”. لكن “حزب المحافظين” (يمين الوسط) الذي يحتفظ بأغلبية عدديّة في مجلس العموم يدعم موقف حكومة سوناك بلا تحفّظ، ويشاركه الموقف نفسه زعيم “حزب العمل”، كير ستارمز، وتياره اليميني داخل أكبر أحزاب المعارضة، ما يجعل اعتراض أيّ عدد من النواب الآخرين بلا طائل. ومن المتوقّع أن يدلي رئيس الوزراء ببيان أمام مجلس العموم، الاثنين المقبل، للتأكيد أن مشاركة القوات البريطانية (في العدوان على اليمن) كانت “قانونية ومتناسبة”.
لكن هذه الخطوة تبدو أقرب إلى مقامرة، إذ على رغم محاولات الإعلام البريطاني تصوير العدوان على اليمن كدفاع عن حرية التجارة العالمية وتصدٍّ للتأثير الإيراني في المنطقة، فإن قطاعات عريضة من البريطانيين تدرك أن بريطانيا تسهم في تأجيج صراع إقليمي دفاعاً عن المصالح الإسرائيلية، وأنها بذلك توفّر غطاء استراتيجياً لحرب الإبادة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين، وأن مصالح بريطانيا قد تغدو أهدافاً لأعمال انتقامية.
وعلى الجانب الآخر من الكوكب، أكد نائب رئيس وزراء أستراليا ووزير الدفاع، ريتشارد مارليس، مشاركة بلاده في العدوان الأميركي – البريطاني على اليمن، إلى جانب كل من البحرين وهولندا وكندا. وقال، في حديث إلى وسائل إعلام محلّية، إن ضباطاً من الجيش الأسترالي كانوا في غرفة العمليات التي أدارت الهجمات، واصفاً تلك المشاركة بالأمر الأساسي لمصلحة بلاده العليا.

 

الاخبار اللبنانية

قد يعجبك ايضا