هدف أمريكي خفي وراء التوجه الجديد في اليمن : المواجهة القادمة وخيارات الانتصار

كتب/العميد عبدالله بن عامر

  • تهدف واشنطن الى محاولة تثبيت الواقع الحالي لمنع تحرير المزيد من الأراضي
  • القوات المسلحة فرضت معادلات جديدة والقوة العسكرية لتحالف العدوان فشلت في تحقيق أهدافها
  • واشنطن أقرت أنها تقف خلف العدوان على بلادنا وبدأت في تفعيل البدائل بعد فشل الخيار العسكري
  • قراءة الخصوم لطبيعة المواجهة خاطئة فمن انتصر عسكرياً ليس من الصعب عليه أن ينتصر سياسياً وادارياً واعلامياً
  • سيتم مواجهة الأدوات والأساليب الامريكية الجديدة بنفس الأدوات والأساليب فالسياسة بالسياسة والاعلام بالإعلام
  • واشنطن رأت أن الاستمرار في العدوان ليس في صالحها بعد التقدم العسكري الكبير للجيش واللجان الشعبية
  • شعبنا سيخوض المعركة بمراحلها الجديدة كما خاض المعركة بمراحلها السابقة وسيكون مسانداً للقوى الوطنية للحفاظ على سيادة واستقلال البلاد

مرحلة جديدة من الصمود سيخوضها شعبنا العزيز خلال الفترة المقبلة مع تغير أدوات وأساليب السياسة الأمريكية العدوانية من الاعتماد المباشر على القوة العسكرية من خلال السعودية والامارات وبقية الأدوات وأدوات الأدوات من مرتزقة وعملاء الى الاعتماد المباشر على أساليب أخرى إعلامية وسياسية وأمنية واقتصادية مع الإبقاء على القوة العسكرية ضمن مسار خفض التصعيد وذلك لا يعني وقف العدوان بشكل نهائي أو رفع الحصار.

 

إدارة الأزمة وليس حلها:

المتعارف عليه أن الولايات المتحدة الامريكية لا تحل أزمات بل تعمل على إدارة تلك الأزمات بطريقتها الخاصة فتارة تتجه الى تفعيل خيار القوة العسكرية وعندما تفشل قد تتجه الى تفعيل مسارات أخرى ولنا في تعاملها مع أفغانستان ومع العراق ومع دول أخرى خير دليل فمن يصدق أن أزمة أفغانستان لا تزال باقية منذ إدارة الرئيس الأسبق بوش الأبن ولا يزال الاعلام يتحدث عنها كأزمة وعن المفاوضات والحلول والجهود ورحيل القوات وما إلى ذلك.

في اليمن وجدت إدارة بايدن نفسها أمام واقع لم يعد في صالح الولايات المتحدة وبالتالي فقد سارعت الى استراتيجية إدارة الأزمة وكانت إجراءاتها المفاجئة وغير المتوقعة تتمثل في تعيين مبعوث خاص ورفع الشعار الخاص بالازمة الإنسانية كمبرر وسبب لهذه الإجراءات إضافة الى التأكيد ان اليمن أولوية بالنسبة للإدارة الجديدة.

وحتى نتمكن من تفكيك هذا التوجه الأمريكي الجديد ومعرفة أهدافه الحقيقة يجب أن نتوقف عند نقطة مفادها أن الديمقراطيين الأمريكيين لهم تقييم خاص لمآلات ونتائج العدوان على اليمن وهذا التقييم يستند الى دراسة ورصد يعود الى ما قبل عامين وهذا ما يفسر سرعة الإجراءات الجديدة القائمة على موقف سبق وأن تشكل وهو الموقف الذي يقوم على أن الاستمرار في العدوان خطأ استراتيجي وقد وردت عبارة (كارثة إنسانية واستراتيجية) في خطاب بايدن الذي تطرق فيه للسياسة الخارجية الامريكية عندما أشار الى اليمن وما يجري فيه وضرورة وقف ما أسماه الحرب.

 

لماذا الكارثة الاستراتيجية؟

أدى صمود الشعب اليمني الى نتائج لم تكن متوقعه بالنسبة لدول تحالف العدوان وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تعتبر الراعية والداعمه والمراقبة والمساهمة والمشاركة ودون موقفها لم يكن السعودي قادراً على تنفيذ عدوانه فالمتغيرات على الساحة اليمنية من خلال الفعل العسكري أصاب دول العدوان بالدهشة وهي من كانت تتوقع أن تحسم المعركة خلال ثلاثة أشهر وإذا بها تغرق لسنوات وإذا بالقوات المسلحة اليمنية تتمكن من تغيير المعادلات وفرض واقع ميداني جديد لاسيما خلال العامين الأخيرين وباتت الكفة ترجح كفة الشعب اليمني الصامد في مواجهة الآلة العسكرية التابعة للعدوان إضافة الى تداعيات الحصار والقصف الذي استهدف المواطنين الأبرياء والبنية التحتية وكل ذلك جعل الموقف الأمريكي يتجه الى اعتماد آراء بعض مراكز الدراسات والتي سبق وأن كشفت أن الاستمرار في المعركة يضر بالمصالح الامريكية وأن الجيش واللجان الشعبية قادرون على تحرير المزيد من الأراضي وبالتالي فيجب الانتقال الى خيارات بديلة تضمن على الأقل الحيلولة دون تحرير المزيد من الأراضي وبالتالي حسم المعركة لصالح الشعب اليمني الصامد.

 

إنقاذ للسعودية ومحاولة تقييد الفعل العسكري:

التوجه الأمريكي الجديد يأخذ شعار الجانب الإنساني في محاولة لتحسين صورة الإدارة الجديدة ومبادئها المعلنة إضافة الى هدف يتعلق بتصفية الخلاف مع الإدارة السابقة وهذا معتاد في السياسات الامريكية فيما يتعلق بالملفات التي تتشكل إزائها عدة وجهات نظر شرط أن تكون كل تلك الآراء تضع في الاعتبار المصلحة الاستراتيجية الامريكية غير أن الهدف الخفي وراء التحرك الأمريكي الأخير هو محاولة تثبيت الخارطة العسكرية الحالية في اليمن وهذا حسب وجهة نظر الأمريكي يضمن عدم توسع القوات المسلحة في فرض حضورها من خلال تحرير المزيد من المناطق لاسيما وقد أصبحت هذه القوات على مشارف إمتلاك مفاتيح الشرق اليمني بأكمله وهنا استدعت الإدارة الامريكية خبراتها السابقة إضافة الى تقارير وصلت اليها من مراكز دراسات متخصصة وبالتالي بدأت في رسم المسار الجديد للسياسة الامريكية وهو مسار معقد وقد يكون غير واضح بالنسبة للكثير لكنه في حقيقته ليس إلا محاولة لاحتواء الموقف في اليمن من خلال انقاذ السعودية والامارات من هزيمة حقيقية بدت مؤشراتها واضحة منذ العام 2018م وبالتالي فإن ترك الحرب مفتوحة لم يعد في صالح السعودية ولا الإمارات ولم يعد الاستمرار فيها إلا مغامرة قد تؤدي الى كارثة استراتيجية وهو ما يعني خسارة اليمن من خلال تحرير القوات المسلحة لكافة الأراضي والانتصار التاريخي الذي سيكون بعد ذلك وتداعياته ونتائجه ليس على المستوى المحلي بل والإقليمي والدولي وهذا ليس مبالغة لاسيما اذا تطرقنا الى طريق الحرير الصيني وتفاعلات المشهد في المنطقة من الملف الإيراني الى محور المقاومة وحتى الحلف الخليجي الإسرائيلي فاليمن له حضور وتأثير وحسم المعركة لصالح القوى الوطنية يعني الكثير بالنسبة للخصوم والاعداء.

 

السياسة الامريكية في اليمن:

لمعرفة حقيقة السياسة الامريكية في اليمن لابد من التطرق الى مبادئ أو ثوابت السياسة الامريكية في المنطقة والقائمة على أمرين الأول ضمان أمن إسرائيل (وهنا نشير الى الاحاديث الأخيرة المتعلقة بالتهديد اليمني للكيان الإسرائيلي) والثاني ضمان استمرار امدادات الطاقة (وهنا نشير الى الاستهداف اليمني لمنشآت نفطية سعودية) ورغم قلة الاعتماد الأمريكي على نفط المنطقة الا ان الاستمرار في السيطرة على دول الخليج مهم جداً لابتزاز الصين باعتبارها اكبر دولة تستورد النفط والغاز من هذه الدول إضافة الى ارتباط ذلك بأمن الكيان الاسرئيلي.

وعندما تعجز الإدارة الامريكية الجديدة عن حسم قضية بالقوة العسكرية نظراً لتعقيدات الملفات الداخلية من انقسام وركود وغيره فإنها تلجأ الى خيارات أخرى تضمن أن تظل تدير الأزمة حتى تتمكن من حسمها لصالحها ولو أن الحسم هنا خيار بعيد المنال لأسباب مختلفة.

أما السياسة الامريكية الخاصة باليمن فهي تنطلق من موقع اليمن الاستراتيجي لاسيما اطلالته البحرية وأهميته بالنسبة لخطوط الملاحة والتجارة الدولية وموقعه كذلك من منابع النفط في الخليج ناهيك عن ملف الثروة اليمنية والولايات المتحدة تولي هذا الجانب اهتمام كبير غير معلن وتتخذ في سبيل إبقاء تدخلها في اليمن ما يسمى محاربة الإرهاب وقبل ظهور هذا المصطلح كانت تستخدم مصطلح محاربة الشيوعية وكلها ذرائع ومبررات للاستمرار والبقاء ولعل الكثير يتذكر وهو يقرأ هذه الاسطر مصطلح محاربة القرصنة في خليج عدن.

ومن أجل ضمان تحقيق كل تلك الأهداف الأمريكية وعلى رأسها الهيمنة على اليمن لابد من التدخل في اليمن وفرض الوصاية عليه وهنا نتطرق الى تصريحات أدلى بها السفير الأمريكي السابق بأن الحرب على اليمن لن تتوقف إلا عند تشكيل حكومة صديقة لأمريكا في صنعاء وهو ما يعني عودة الهيمنة على اليمن غير أن ذلك الهدف لا يمكن تحقيقه بسهولة مع فشل الخيار العسكري لتحالف العدوان وبالتالي كل ما نتحدث به يؤكد أننا أمام خيارات بديلة للإدارة الامريكية تقوم على رفع الشعار الإنساني والحل السياسي ومن ثم إدارة الازمة بأدوات ضغط محلية وإعادة تشكيل خارطة التحالفات بما يضمن وجود فريقين الأول موال لواشنطن وللرياض وأبوظبي والثاني الفريق الوطني الذي أخذ على عاتقه منذ اليوم الأول مسؤولية المواجهة ضد هذا العدوان.

 

ماهية الأدوات الجديدة:

سيتم التوجه نحو خفض التصعيد العسكري وهذا لا يعني وقف العدوان ورفع الحصار بل التهدئة من أجل الدخول الأمريكي بالعنوان الجديد السلام والحل السياسي وهنا سنستمع الى مبادرات وتصريحات وسيتم تفعيل قوى ومنظمات وجهات يمنية بل وشخصيات مع الاعتماد على المكونات التقليدية من خلال تطعيمها بالمكونات الجديدة التي جرى الاعداد لها في عواصم الخارج (بدأت بالفعل مهام التسويق الدعائي للتحرك الأمريكي قبل عدة أيام ) وسيكون الاعلام والاقتصاد والنشاط المجتمعي ميداناً واسعاً للعمل والتفاعل ولا نستبعد أن يكون المجال الأمني أحد تلك الخيارات مع الاحتفاظ بالخيار العسكري للتدخل ضمن الأطر المحدودة وكل ذلك مع الحفاظ على الخارطة الحالية بما يضمن وجود قوات اجنبية في المناطق الجنوبية والشرقية والجزر وهنا سندخل في مراحل قد تستمر لسنوات من الحلول والمؤتمرات والمفاوضات والنقاشات والتناولات وسيتم إعادة رسم التحالفات بحسب ما تقتضيه كل مرحلة وبالتالي يجب ان نتكيف مع الوضع الجديد من خلال المدخل الأساسي الذي يؤكد أن الهدف الأمريكي هو إدارة الازمة وليس حلها.

وخلال هذه المراحل سنستمع الى شروط أمريكية ومبادرات تتضمن تحقيق ما عجزت عن تحقيقه الآلة العسكرية وبهدف نزع أوراق القوة من القوى الوطنية بل ومن كافة أبناء الشعب اليمني الذي فرض معادلة عسكرية استندت الى أسلحة الردع وهو ما سيتم التركيز عليه لانتزاعه من الشعب اليمني ناهيك عن الحديث عن نسب التمثيل والحضور وحكومات التوافق وما الى ذلك من المبادرات والمقترحات التي ستظهر وتختفي حسب الحاجة.

 

المواجهة السياسية والإعلامية:

بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستشهد حضوراً كبيراً للخطاب الوطني الذي يتحدث عن السيادة والاستقلال كثمرة من ثمار التضحيات اليمنية التي لا يمكن التنازل عنها ومن خلال هذه المصطلحات والمفاهيم يمكن اضعاف الخصوم التابعين لدول تحالف العدوان حيث لا يمكن لهم الحديث عن السيادة والاستقلال ورفض الوصاية والهيمنة الأجنبية لأنهم واقعون في حبال العمالة والخيانة ولا يمكن لهم حتى مجرد الهمس بأنهم مع وطن حر مستقل وبالتالي سنجد أن الشعب اليمني سيلتف حول من يعبر عن مصالحه الاستراتيجية وليس من يدغدغ عواطفه بالحديث عن الحاجة المؤقتة نتيجة العدوان وهنا تبرز العملية الإعلامية كحالة إبداعية في ترجمة السياسة العامة وتسويقها بشكل مناسب للجماهير.

وفي جعبة القوى الوطنية الكثير من الأوراق كالحلول السياسية الشاملة التي سبق وان طرحت فيمكن إعادة تفعيلها إضافة الى الاستفراد بالحديث عن مفهوم المصلحة الوطنية مع التفعيل التدريجي للتاريخ واستدعاء أحداثه لتأكيد حقيقة التوجهات وكشف الأطماع والاجندة الأجنبية وكل هذا ضمن عملية صراع سياسي اعلامي ستحقق فيها القوى الوطنية نجاحاً آخر يضاف الى النجاح العسكري الذي تحقق وبالتالي فلا يمكن للأمريكي وأدواته ان يراهن على البدائل من خلال الاستناد الى افتراضيات استنتجتها تقارير من يسمون أنفسهم خبراء أو ناشطون وتقوم تلك الافتراضيات أن وقف العدوان أو خفض التصعيد مع الدعوة لعملية سياسية سيؤدي الى انحسار وفشل القوى الوطنية فأنصار الله كما يقولون يمكن اضعافهم من خلال وقف الحرب وليس العكس لاسيما بعد ان اثبتت السنوات الماضية أنهم اصبحوا أكثر قوة رغم الجهد العسكري المبذول ضدهم والذي شاركت فيه 17 دولة مختلفة وهذا ليس مبالغة بل موثق بمؤتمرات صحفية لتحالف العدوان.

ومن هنا يمكن القول أن من نجح في الحرب سينجح في السلام ومؤشرات ذلك واضحة من خلال أداء الوفد الوطني وكذلك مبادرات للتسوية والسلام كان آخرها مبادرة الرئيس المشاط ناهيك عن الأداء الدبلوماسي الجيد رغم الحصار الدولي في هذا المجال.

نستطيع القول أن أولئك يدخلون مرحلة جديدة من المواجهة بعد ان رسموا مساراتها غير أنهم لم يقرؤوا جيداً إمكانيات الطرف الآخر لأن المراحل السابقة تؤكد أن من يستهين أو يقلل من قدرات خصمه العسكرية والحربية لا يمكن أن يحقق أية انتصار مهما كانت قوة خصمه وحجم الفارق بينها وبين قوته وبالمثل فإن من يقلل من إمكانيات خصمه السياسية والإعلامية والجماهيرية والدبلوماسية والتحشيدية لن ينجح أبداً في تحقيق أهدافه وبالتالي فإننا أمام معركة يخطئ العدو في تقدير موازين القوى فيها سواء كانت هذه المعركة عسكرية ام سياسية وما يؤكد وجهة نظرنا أن العدو استند في بداية عدوانه الى القوة الامريكية ونجده اليوم يخوض هذه المعركة بالاستناد ايضاً الى نفس القوة ولو كانت واشنطن موفقة في اليمن لنجحت بقوتها العسكرية قبل أن تلجأ الى البدائل الأخرى لكن من يستوعب الدروس ومن يدرك أن اليمن يخوض حرباً مصيرية لا هزيمة فيها ولا استسلام بل النصر الكامل والشامل.

 

اعتراف أمريكي:

في الأخير فإن اعلان بايدن وقف الدعم لتحالف العدوان إقرار صريح بأن واشنطن من وقفت وتقف خلف هذا العدوان إضافة الى أنه اعتراف أمريكي بالمتغيرات على الساحة اليمنية والتي لا يمكن لأي جهة أو أي شخص تجاهلها وما الإسراع الأمريكي في التحرك ليس إلا استجابة لهذه المتغيرات التي تتناقض كلية مع المصالح الامريكية ولاستعادة هذه المصالح أو حفظ ما تبقى منها يجب الخوض في تجربة إدارة الأزمة وإيقاف تمدد أنصار الله لاسيما وهناك مؤشرات تؤكد على تغير في المزاج الشعبي في المناطق المحتلة وهو ما سيساعد على تحرير تلك المناطق خلال فترة وجيزة.

إدارة بايدن رأت أن الاستمرار في العدوان كارثي بالنسبة لمصالح أمريكا وأن العدوان واستمراره يؤدي الى المزيد من القوة اليمنية ومن الصبر والابتكار والمواجهة ومن قوة الإرادة وإدارة القوة وفق المفهوم اليمني الذي تشكل خلال ست سنوات من المواجهة التاريخية المصيرية والحتمية وهي المواجهة التي ستظل مستمرة سواء مواجهة العدوان العسكري والاقتصادي او حتى السياسي والأمني والاجتماعي والثقافي والإعلامي.

قد يعجبك ايضا