أستاذ القانون العام في كلية القانون بجامعة إب -د / عبد الكريم قاسم الصنعاني يكتب عن:الصرخة في زمن الصمت

 

بعد إنهيار الإمبراطورية البريطانية انتقلت الوصاية على الدول العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية كقوة بديلة عن القوى الإستعمارية التقليدية وازداد النفوذ الأمريكي قوة وتحكما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي ، فأصبحت أمريكا هي القطب الدولي الأوحد وأصبحت أهم بائعي صكوك التأمين على الحياة للحكومات التي تبحث عن دعم لوجودها وضمان لبقائها وتحكمها على رقاب الشعوب العربية والإسلامية ، وقد تبين بجلاء أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحمي هذه الحكومات من شعوبها ، وأن كل ذلك الدعم الأمريكي أقتصر أثره على إطالة أعمارها ليس إلا ، فهي لم تستطع حمايتها من إرادة الشعوب المغلوبة ، وعندما أطلق الشهيد القائد صرخته كان يواجه صمتان حكومي وشعبي ولكل صمت أسبابه ، فالحكومات العربية بشكل عام لم يكن لها يوما قاعدة شعبية تستمد منها وبشكل حقيقي أسباب وجودها ومبررات بقائها ، ولذلك فليس أمامها إلى اللجوء إلى القوة والقهر والإستبداد كأداة للحكم ، وإما اللجوء إلى الدعم والحماية الخارجية وخاصة الأمريكية ، ومعظم الدول العربية إن لم يكن كلها لجأت إلى الأسلوبين معا ، إلا أنه لا القمع الداخلي ولا الحماية الخارجية حمت أولئك الزعماء ولا تلك الحكومات من طوفان الإرادة الشعبية ومن تحقق السنن الإلهية ، بل كانت أمريكا هي أول من تخلت عن حلفائها واتباعها مثلها تماما كمثل الشيطان ، وذلك لتبدل مصالحها أو لإنتهاء صلاحيات أولئك الحكام وعدم جدوى بقائهم ، وهذا ما أكد عليه الشهيد القائد في كثير من دروسه ومحاضراته بأن أمريكا ليست أهلا للثقة ويجب على الحكام عدم المراهنة عليها أو وضع ثقتهم فيها.

وفي ظل الوهن الرسمي والشعبي الذي كان مسيطرا إنطلقت الصرخة لتعبر عن الرفض لذلك الواقع السيئ والمهين الذي لا يليق بنا ولا ينسجم مع هويتنا العربية والإسلامية، وعندما أطلق الشهيد القائد صرخته كان يدرك تمام الإدراك أن الشعوب هي الوحيدة القادرة على إصدار الصكوك الحقيقية للحياة، لأن إرادة الشعوب وخاصة عندما تكون معتمدة على الله سبحانه وتعالى رافضة للظلم والطغيان فإنها تكون الوحيدة القادرة على صنع الحياة الكريمة، كما أنها الوحيدة القادرة على أن تكتب شهادات الوفاة للحكومات العميلة والزعامات الزائفة.

وعندما أطلق الشهيد القائد صرخته كان الشعب العربي في كل أقطاره أشبه ما يكون بالمشلول عن الحركة وعن الفعل وردة الفعل ، شعب لم يخرج إلى الشارع ليعبر عن سخطه واستيائه أو عدم رضاه وذلك لعدة أسباب ، أولها أن الحكومات لا تسمح لشعوبها بالتعبير عن رأيها ومعتقداتها بحرية حتى وإن ادعت أنها دول ديمقراطية ، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتقاد أو تعبير عن سخط تجاه السياسة الأمريكية في المنطقة ، بل إن الدول العربية تعتبر هذا الأمر جزءا من آلية نظامها ، إضافة إلى أن الضعف والهوان قد ألم بإرادة الإنسان العربي فهبطت إلى مستويات متدنية جعلته غير قادر على مخاطبة الحاكم الظالم فيما يريد وما لا يريد ، كما كان للثقافات الدينية المغلوطة وخاصة تلك التي رسخها المذهب الوهابي الذي سيطر بماله وإعلامه على جميع المذاهب السنية ، كان لذلك أثره البالغ في خضوع الشعوب العربية والإسلامية واستسلامها للحاكم الظالم المستبد ، حتى أصبحت طاعة الحاكم الظالم عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى.

وقد كان الصمت الشعبي أمام العبث الداخلي والخارجي في مقدرات الأمة وآمالها وآلامها ومصيرها هو أخطر أنواع الصمت وأشدها خطورة وأكثرها ضررا بالأمة، وهذا ما دفع الشهيد القائد إلى أن يتوجه للشعوب المقهورة لا إلى الحكام فهم لم يعد هناك أمل فيهم أو رجاء، فكان لصرخته عظيم الأثر في تغيير الواقع السيئ وإعادة الأمة إلى جادة الصواب والحق فكلما كان الصمت مطبقا أكثر كان للصرخة الأثر الأكبر.

وكما هو معلوم للجميع فإن للصرخة التي أطلقها الشهيد القائد خمس مفردات هي الله أكبر –  الموت لأمريكا – الموت لإسرائيل –  اللعنة على اليهود – النصر للإسلام ،  ويفترض في كل هذه المفردات ألا  يكون هناك خلاف بين إثنين من المسلمين حولها ، فعبارة الله أكبر لا يتحقق إيمان المرء إلا بتسليمه بهذه العبارة تسليما مطلقا لا شك فيه ولا لبس  بل يقين كامل ، ولذلك أثره في مجمل حياة المسلم والأمة ، وفي الثقة بالله عز وجل وبنصره وبفدرته اللامتناهية ، ولو كان المسلمون مؤمنون بهذه العبارة التي يرددونها كثيرا في صلواتهم وواثقين بها حق الثقة لما ركنوا إلى أعداء الله من اليهود والنصارى ، ولما لجئوا إلى أمريكا خاصة لاسترضائها وخطب ودها في كل صغيرة وكبيرة من أمورهم ، ولما هرولت الحكومات العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني ، ولو آمنوا بهذه العبارة كما ينبغي لعلموا وتيقنوا بأن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل جبروتهم وطغيانهم.

وأما عبارة الموت لأمريكا والتي يستتبعها كنتيجة حتمية الموت لإسرائيل، فها هي أمريكا بكل جبروتها وطغيانها والتي خطب كل الحكام ودها وتسابقوا للإحتماء بها ، ها هي ضعيفة واهنة بل هي تحتضر بمشيئة الله وقوته وإن طالت مدة الإحتضار ، فالمسألة لم تعد إلا مسألة وقت ليس إلا ، فها هي عاجزة إقتصاديا فهي الدولة المدينة الأولى للصين ونسبة البطالة فيها الأعلى عالميا ، كما ظهر عجزها واضحا في مواجهة وباء كورونا ، وبدا نظامها الصحي الأكثر ضعفا بين جميع البلدان التي ظهر فيها الوباء ،وستظهر الآثار الإقتصادية المدمرة لهذا الوباء لاحقا على هذه الدولة التي سعت في الأرض فسادا وتخريبا ، كما أنها أصبحت ضعيفة عسكريا ، بل هي في الأصل أضعف مما تم الترويج له خلال العقود الستة الماضية ، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تدخل حربا إلا وخسرتها ، خسرت أولا في فيتنام وخسرت في العراق وافغانستان ، كما خسرت في الصومال ، وخسرت في اليمن مع كل أذيالها وأدواتها القذرة في المنطقة ، وها هي بكل عنجهية زعمائها ليس لها دور مؤثر في سوريا رغم الأهمية البالغة للصراع في سوريا على الكيان الصهيوني وعلى دور أمريكا في حماية هذا الكيان ، كما تقف أمريكا مكتوفة الأيدي عاجزة عن التدخل في ليبيا ، كما ذهبت كل مساعيها التخريبية ضد فنزويلا أدراج الرياح ، ولم تستطع النيل من جمهورية إيران الإسلامية في إسقاط نظامها بل بدأ السحر ينقلب على الساحر ، كما خسرت فوق كل ذلك وهو الأهم إحترام العالم ، وظهر وجهها القبيح جليا واضحا للجميع بديمقراطيتها الزائفة وشعارات حقوق الإنسان الخادعة المتهاوية ، وكل ذلك ظهر جليا فيما يحدث في أمريكا حاليا والمظاهرات التي تجتاح جميع ولاياتها لتظهر سخط المواطن الأمريكي ذاته على هذا النظام الفاسد ، بل أمتد السخط ضد هذه الدولة وعنصريتها إلى دول عديدة في أنحاء العالم وكلها تظهر أن كل ما روج له كذبا وادعاء طوال العقود الماضية بفعل الآلة الإعلامية الضخمة عن أمريكا والحلم الأمريكي بات مكشوفا عاريا لا قيمة له ولا اعتبار ، وهذا يدل على صحة ما ذهب إليه الشهيد القائد وثقته الراسخة وإيمانه العميق بالله وبأن وعد الله آت لا محالة ، وما كان اختياره لعبارة الموت لأمريكا إلا نابع من إدراكه لخطورتها وأنها مصدر كل الشرور ومنبع كل فساد في هذا العالم ، وأن تحديدها كعدو ما هد إلا توجيه للبوصلة في الاتجاه الصحيح ، وأنه بهزيمتها ينهار الباطل كله وبقطع رأس الشر تبتر الأطراف كلها بما في ذلك إسرائيل.

وأما عبارة اللعنة على اليهود فهؤلاء كما قال الشهيد القائد قد لعنهم الله سبحانه وتعالى ولعنهم أنبياؤهم، فلم تتحرج أنت من لعنهم، وما الذي يجعلك أيها المسلم من أية طائفة كنت أو مذهب تستنكر مثل هذه العبارة، فهي من المسلمات الناتجة عن إيمانك بالقرآن وبكل ما جاء فيه.

أما النصر للإسلام فهذا وعد الله للمؤمنين الصادقين ، وهو وعد سيتحقق عاجلا أم آجلا ، وما عدم تحققه إلى ألآن إلا بسبب تخاذلنا نحن المسلمين عن الأخذ بأسباب النصر وعندما تتحقق شروط هذا النصر في أنفسنا سيتحقق الوعد الإلهي ، فنحن أمة حباها الله بدين عظيم ، وجعلنا الله أمة وسطا لنكون شهداء على الناس ، وجعل من مهامنا الرئيسية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيصال رسالته الخاتمة للعالم بأسره ، لدينا دين عظيم مصدره الله سبحانه وتعالى متى ما وثقنا به واعتصمنا بحبله واتبعنا تعاليمه فالنصر آت لا محاله، وبين أيدينا كتاب عظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حدد لنا الله فيه أعداءنا وبين لنا نفسياتهم ومشاعرهم تجاهنا حتى لا ننخدع ولا نغتر بأقوالهم ، كما بين لنا طرق مواجهتهم والإستعداد لهم وتكفل متى ما صدقنا في جهادنا وأخلصنا تكفل بنصرنا وإنا كنا أقل عتادا وعدة.

الله أكبر

الموت لأمريكا

الموت لإسرائيل

اللعنة على اليهود

النصر للإسلام.

د / عبد الكريم قاسم الصنعاني، أستاذ م القانون العام، كلية القانون، جامعة إب

قد يعجبك ايضا