عاشوراء والوجدان اليمني من التغييب إلى استعادة الوعي
شاهر أحمد عمير
تحل علينا ذكرى عاشوراء، حاملةً معها عبق كربلاء المضمَّخ بالدم الطاهر، ومجددةً في الأُمَّــة روح الثورة على الطغيان والجبابرة.
إن كربلاء لم تكن يومًا مُجَـرّد واحة جغرافية في صحراء العراق، غدت منذ اليوم العاشر من المحرم لعام 61 للهجرة منعطفًا كونيًّا ومدرسة إنسانية شاملة، لا تُقاس حوادثها بمقاييس الزمن العابر، وإنما بمنعطفات الوعي الإنساني ومسارات الحق والباطل؛ فمع الحسين عليه السلام تغدو كُـلّ هزيمة عسكرية مادية انتصارا مبدئيًّا خالدًا، وبدون نهجه يتشح كُـلّ انتصار مادي بوشاح الهزيمة الأخلاقية
ولعل القراءة التحليلية للمشهد الثقافي والتاريخي في اليمن تكشف بوضوح عن حجم الجناية المنهجية التي تعرض لها الوجدان اليمني في العقود الماضية، وكيف استعادت هذه الأُمَّــة هُويتها الحسينية بفضل العودة إلى النهج القرآني القويم.
إن تاريخيًّا، لم يكن اليمن غريبًا عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ فقد كان الحاضنةَ الأَسَاسيةَ والمعقلَ التاريخي الذي تماهى مع مظلومية عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
لقد امتزجت الهُويةُ اليمنيةُ بقيم العدالة والحرية التي جسدها الإمام علي والإمام الحسين صلوات الله عليهما، وتجلى ذلك عبر القرون في أدب اليمانيين، وقصائدهم، وزواملهم، ومجالسهم العلمية التي كانت تفيض برثاء الحسين واستلهام ثورته.
ولكن، شأنها شأن الكثير من حواضر العالم الإسلامي، تعرضت الساحة اليمنية في العقود الأخيرة لعملية تجريف فكري وسياسي متعمد من قبل الأنظمة الحاكمة السابقة، التي سارت في ركاب الثقافة الوافدة.
لقد تعمدت الأنظمة السابقة، بتوجيه ودعم من الفكر المتشدّد، إقصاء تاريخ آل البيت وتغييب المحطات التاريخية المفصلية كعاشوراء ويوم الغدير والمولد النبوي الشريف من المناهج الدراسية والخطاب الإعلامي الرسمي.
وكان هذا التغييب مبرّرا بذرائع واهية؛ تارة باسم “إخماد الفتنة”، وتارة بوصم إحياء هذه المناسبات بأنه “بدعة أَو مبالغة تخرج بصاحبها عن الملة”.
هذا التحالف بين السلطة السياسية والفكر الوافد هدف إلى تحقيق غايتين خطيرتين: أولهما تسطيح الوعي الجمعي بعزل الأُمَّــة عن مصادر عزتها وتصوير ثورة الإمام الحسين كخلاف سياسي دنيوي، وثانيهما تطويع الشعوب وضمان استقرار الأنظمة على حساب كرامة الشعوب عبر تغييب ثقافة “الخروج على الظلم”.
بفضل الله سبحانه وتعالى، ومع بزوع فجر المسيرة القرآنية، انزاح ذلك الضباب الكثيف الذي ران على البصائر لسنوات طوال.
لقد أعادت المسيرة القرآنية ربط الأُمَّــة بمصادر هدايتها الحقيقية، وأعادت تقديم الإمام الحسين عليه السلام؛ باعتبَاره مشروعًا قرآنيًّا متحَرّكا ومنهجًا حيًّا.
من خلال هذا الوعي الجديد، عرف اليمنيون تفاصيل تلك الحلقة المفقودة في تاريخهم؛ فأدركوا عظمتها وأبعادها، وباتت كربلاء اليوم تُقرأ في اليمن؛ باعتبَارها مدرسة للأحرار، يتعلم منها المجتمع كيف يتمسك بقضاياه السامية ومقدساته، وكيف تكون الشهادة في سبيل الله امتدادًا وزيادة في أعمار المستشهدين، حتى غدا “عبد الله الرضيع” في وعي الأُمَّــة مدرسة تُعلم الرجال ثبات الموقف.
إن الدرس الأبدي لعاشوراء هو أن الحسين عليه السلام اعتمد على قوة المنطق، بينما اعتمد عدوه على منطق القوة؛ ولما سقطت القوة المادية الزائلة لعدوه، انتصر منطق الحسين وثبتت رايته الممزقة التي لم تنكس يومًا، وبقيت أشلاؤه الطاهرة رمزًا لعزة الإيمان في أعظم تجلياتها.
إن إحياء اليمنيين اليوم لذكرى عاشوراء، والولاية، والمولد النبوي الشريف، هو إعلان صريح عن فشل مشروع التدجين، وتأكيد على أن اليمن قد سلك النهج القويم الذي لا يقبل الارتهان أَو الركوع.
ستبقى كربلاء مدى الدهر عنوانًا لحضارة إسلامية شاملة، وستظل المدرسة الحسينية في اليمن هي المعين الذي يتشرب منه أبناء هذا الوطن قيم العزة والكرامة والصمود في وجه الطغاة.
إن دماء الحسين التي سالت في كربلاء ما زالت تجري في عروق كُـلّ حر يرفض الظلم، وإن قصة عاشوراء لم تكتمل فصولها بعد، لأنها تتجدد في كُـلّ ساحة يُرفع فيها لواء الحق ضد الباطل، ليبقى الشعار خالدًا في وعينا: كُـلّ يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء.