مالك الأشتر: نموذج القيادة في مدرسة الإمام علي (ع)
عبدالرحمن الحمران –
لم يكن مالك الأشتر النخعي مجرّد قائد عسكري في جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بل كان نموذجًا متكاملًا للرجل الذي جمع بين الإيمان العميق، والبصيرة السياسية، والبأس في ساحات الجهاد، والعدل في ميادين الحكم, مثّل الأشتر الضمير الحيّ لمدرسة الإمام علي عليه السلام في زمن الفتنة، وكان حضوره حيث يكون الحق، وسيفه حيث يجب أن يُرفع السيف، وكلمته حيث ينبغي أن تُقال الكلمة, لذلك لم يكن غريبًا أن يصفه الإمام بـ”عبد من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع”، وبقوله (ع): “رحم الله مالكاً، فلقد كان لي كما كنتُ لرسول الله (ص)”.
مالك الأشتر
هو مالك بن الحارث النخعي، من خاصّة أمير المؤمنين علي عليه السلام، ومن أبرز قادة جيشه في معركتي الجمل وصفّين، ومن وجوه العراق وفرسانه, أوكل إليه أمير المؤمنين عليه السلام ولاية مصر، فاستُشهد في طريقه إليها.. وهو صاحب العهد المشهور الذي كتبه له الإمام علي (ع) عندما ولاّه مصر, تُوفي سنة 39هـ.
نسبه ولقبه وموطنه
هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن سعد بن مالك بن النخع من مذحج، وهي من أشهر القبائل اليمنية العربية وأشدّها قوةً ومنعة.
لم تُعرف سنة ولادته على وجه التحديد، لكن يُرجَّح – اعتمادًا على القرائن – أنها كانت بين سنتي 25 و30 قبل الهجرة، ومن المؤكد أنه يمني المولد والمنشأ.
لُقّب بالأشتر لأن إحدى عينيه شُترت في معركة اليرموك سنة 15هـ.
كان زعيمًا في قومه ومن أعيانهم في الجاهلية، وهاجر من اليمن إلى الكوفة سنة 12 أو 13هـ.
وكان خطيبًا مفوّهًا، وشاعرًا فصيحًا، جوادًا حليمًا، فارسًا شجاعًا شديد البأس، يجمع بين اللين والعنف؛ فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق.
حضوره دفن أبي ذر
يقول ابن أبي الحديد: روى المحدّثون حديثًا يدل على فضيلة عظيمة للأشتر، وهو شهادة قاطعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانه.
فقد رُوي أن أبا ذر رضي الله عنه، لما حضرته الوفاة بالربذة، أدركه مالك الأشتر وصحبه، فقال لهم أبو ذر: “أبشروا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين”.
قال أبو ذر: وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة، والله ما كذبت ولا كُذبت.
الإبعاد إلى الشام وحمص
شكا سعيد بن العاص إلى الخليفة عثمان بعض الشخصيات، فأمر بإبعادهم إلى الشام حتى لا يفسدوا أمره في الكوفة.
وورد في كتاب سعيد بن العاص إلى عثمان أسماء المبعدين، وهم: عمرو بن زرارة، كميل بن زياد، مالك بن الحارث (الأشتر)، حرقوص بن زهير، شريح بن أوفى، يزيد بن مكنّف، زيد وصعصعة ابنا صوحان، وجندب بن زهير.
حاكم الكوفة
لما توجّه سعيد بن العاص إلى المدينة، خرج في الوقت نفسه جماعة من أهل الكوفة، فيهم الأشتر النخعي، يطالبون الخليفة بعزل سعيد، فأبى عثمان ذلك وأمره بالرجوع.
غير أن الأشتر سبق سعيدًا إلى الكوفة، وخاطب أهلها بما جرى، فبايعه عشرة آلاف على ألا يدخل سعيد الكوفة, وتصدّى الأشتر لإدارة شؤونها؛ فأقام الجمعة، وعيّن إمامًا للصلاة، وآخر لبيت المال.
وكتب الأشتر إلى عثمان: “والله ما منعْنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدّة عذابه”.
فكتب عثمان إليهم: “انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولّوه”.
فوجدوا أنه أبو موسى الأشعري فولّوه.
حصار عثمان
عندما اجتمع المعترضون على عثمان في المدينة، انسحب الأشتر، وكان على رأس أهل الكوفة، كما انسحب حكيم بن جبلة رأس البصريين, وبعد مقتل عثمان، قدم الأشتر على رأس وفد لمبايعة أمير المؤمنين علي (ع).
حروب أمير المؤمنين عليه السلام
- الجمل
كان الأشتر على ميمنة جيش أمير المؤمنين, وفي المعركة اعترضه عبد الله بن الزبير، الذي كان ممسكًا بزمام جمل عائشة, وطالت المصارعة بينهما حتى صرعه الأشتر وجثم على صدره، فصاح ابن الزبير: “اقتلوني ومالكًا * واقتلوا مالكًا معي”.
فكفّ الأشتر عنه، ثم يروي الحكاية مخاطبا عائشة:
أعائشُ لولا أنني كنتُ طاوياً ثلاثاً لألفـيتِ ابـن أخــتك هالـكا
غداةَ ينادي والرجالُ تحوزه بأضعف صوتٍ اقتلوني ومالكا
فنــجّاه منـي أكله وشـــبابه وأنّـى شـيـتـخٌ لم أكن متـماسـكا
وابن أخت عائشة هو عبد الله بن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر.
وبعد المعركة اشترى الأشتر جملاً بسبعمائة درهم، وبعث به إلى السيدة عائشة تعويضًا عن بعيرها، لكنها رفضت استلامه.
- صفّين
كان مالك الأشتر من أبرز قادة جيش أمير المؤمنين عليه السلام، وقد شارك بدورٍ حاسم في معركة صفّين. ولمّا بدت أمارات القهر والغَلَبة، ووضحت دلائل النصر والظفر، وأشرف الأشتر على معسكر معاوية ليقتحمه، عدل أهل الشام عن القراع إلى الخداع، فرفعوا المصاحف طلبًا لإيقاف القتال، وكان ذلك بمشورة عمرو بن العاص، عقب ليلة الهرير المشهورة.
وقد انطلت هذه الخديعة على طائفةٍ كبيرة من جيش الإمام عليه السلام، قُدِّر عددهم بنحو عشرين ألفًا، فأحاطوا بمقرّ الإمام مطالبين بإرجاع الأشتر والقبول بالتحكيم.
فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، فصاح فيهم محتجًّا: “يا أهل الذلّ والوهن! أحين علَوتم القوم، وظنّوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وقد — والله — تركوا ما أمر الله به فيها، وتركوا سُنّة من أُنزلت عليه. فلا تجيبوهم، وأمهلوني فُواقًا، فإني قد أحسستُ بالفتح”.
غير أنّهم أبَوا وقالوا: لا نمهلك.
وكان مالك الأشتر من أشدّ المعارضين للتحكيم، لما أدركه من كونه التفافًا على النصر وخديعةً سياسية أُريد بها إنقاذ معسكر الشام من الهزيمة.
سفره إلى مصر واستشهاده
لمّا ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مالكَ الأشتر على مصر، كتب إلى أهلها كتابًا يُعرّفهم فيه بمكانته ويبيّن ثقته به، فقال: “أمّا بعد، فقد بعثتُ إليكم عبدًا من عباد الله، لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع، أشدَّ على الفجّار من حريق النار… فإنّه سيفٌ من سيوف الله، لا كليلُ الظُّبة، ولا نابي الضريبة, فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنّه لا يُقدم ولا يُحجم، ولا يؤخّر ولا يقدّم إلا عن أمري, وقد آثرتُكم به على نفسي؛ لنصيحته لكم، وشدّة شكيمته على عدوّكم”.
وحين بلغ معاوية خبر تولية الأشتر على مصر، عن طريق جواسيسه، أدرك خطورة الموقف إذا ما وصل الأشتر إلى تلك الولاية التي كان يطمح للسيطرة عليها, فبعث إلى رجلٍ من عمّال الخراج في القلزم ممّن يثق به، وقال له: إن كفيتني الأشتر وقضيت عليه، رفعتُ عنك الخراج ما حييت, وأمره أن يحتال في قتله بما استطاع.
فتظاهر الرجل بمودّة أمير المؤمنين (ع)، وأبدى ولاءه للأشتر، وقرّبه إليه، حتى قدّم له طعامًا، ثم سقاه شربةً من عسلٍ قد دسّ فيها سمًّا, فلمّا شربها، قضى نحبه شهيدًا.
ويذكر ابن أبي الحديد أنّ الأشتر توفّي سنة تسعٍ وثلاثين للهجرة، وهو في طريقه إلى مصر واليًا عنها لعلي (ع)، وكانت وفاته اغتيالًا سياسيًا مدبّرًا.
وقال علقمة بن قيس النخعي: ما زال عليٌّ عليه السلام يتلهّف ويتأسّف عليه، حتى ظننّا أنّ المصاب به أعظم عنده منّا — أي من بني نخع — وقد كان ذلك ظاهرًا في وجهه أيّامًا.
ولمّا بلغ معاوية نبأ وفاة مالك الأشتر، قام في الناس خطيبًا وقال: “أمّا بعد، فإنّ لعليّ بن أبي طالب يدين يمينين، قُطعت إحداهما يوم صفّين __ يعني عمّار بن ياسر __ وقُطعت الأخرى اليوم __ يعني مالك الأشتر”.
ولا تزال قبّته الشريفة قائمة إلى اليوم في منطقة قلزم القديمة، المعروفة حاليًا بمنطقة المرج، إحدى ضواحي القاهرة الكبرى، ومزاره معروف يتوافد إليه الزائرون.
وقد جاءت نهايته شهادةً على أنّ الرجال الكبار لا يُغتالون لضعفهم، بل لخطر حضورهم، وأنّ الخصوم حين يعجزون عن مواجهتهم في الميدان، يلجؤون إلى السمّ بدل السيف، وإلى الخديعة بدل القراع, وهكذا ارتقى الأشتر شهيدًا قبل أن تطأ قدماه أرض ولايته، ليبقى اسمه شاهدًا على كلفة الوفاء في زمن الانحراف.
إن سيرة مالك الأشتر ليست ذكرى تاريخية فحسب، بل درسٌ دائم في الثبات، ونموذجٌ للقيادة التي تُبنى بالقيم وتخلّدها المواقف.