عودة أزمة الكهرباء جنوباً: السعودية تنقذ حلفاءها… بدعم «موضعي»
أعادت أزمة الكهرباء الخانقة في عدن مشاهد الانهيار الخدمي إلى الواجهة، وسط اتهامات للسعودية بالعجز عن معالجة الملف جذرياً، فيما يكشف التباين مع مناطق صنعاء عمق الإخفاقات في إدارة قطاع الطاقة جنوباً.
تكشف المشاهد المصوَّرة التي انتشرت على نطاق واسع من مدينة عدن، حجم الكارثة الإنسانية التي فرضتها أزمة الكهرباء، خلال الأيام الأخيرة. إذ أظهرت عائلات بأكملها وهي تغادر منازلها بحثاً عن أيّ مكان يتوافر فيه تكييف أو حتى قدر من البرودة، وذلك بعد أن تحوّلت المنازل إلى أفران. ولم تتوقّف تداعيات الأزمة عند حدود المعاناة اليومية، بل امتدّت إلى الجانب الصحي، حيث جرى تداول أنباء عن تسجيل حالات وفاة وإغماء بسبب موجة الحرّ الشديدة، الأمر الذي زاد من المخاوف بشأن سلامة الأطفال والمرضى وكبار السنّ. ودفع هذا الواقع بالمملكة السعودية التي انفجرت الأزمة في وجهها بعد سيطرتها على المدينة، إلى توقيع اتفاقية عاجلة – بقيمة 150 مليون دولار – لتوريد مشتقات نفطية، كافية لتشغيل محطّات توليد الكهرباء.
ويأتي هذا في وقت يبرز فيه تباين لافت في واقع خدمة الكهرباء بين المحافظات الجنوبية الخاضعة للحكومة الموالية للرياض في عدن، والمحافظات التي تديرها حكومة صنعاء. فرغم سنوات الحرب والحصار والضربات العسكرية على المناطق الشمالية، والتي تخلّلها استهداف لمنشآت الكهرباء وشبكاتها، فإن التيار الكهربائي بات متوفراً على مدار الساعة في معظم مدن الشمال، وذلك عبر نموذج يعتمد على الشراكة بين القطاعَين العام والخاص، إلى جانب توسع الاستثمارات المحلّية في قطاع الطاقة، ولا سيما الشمسية.
وتتجلّى هذه المفارقة بصورة أوضح عند المقارنة بين عدن والحديدة المتشابهتَين من حيث المناخ وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة خلال فصل الصيف. ففي الوقت الذي يعيش فيه سكان عدن تحت وطأة انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، مع ما يرافق ذلك من معاناة إنسانية وصحية، تشهد الحديدة استقراراً في خدمة الكهرباء انعكس على الحركة الاقتصادية والسياحية فيها. إذ تستقبل المحافظة أعداداً كبيرة من الزوار خلال موسم الصيف، وتمتلئ فنادقها ومنتجعاتها وبيوت الإيجار التي تحتضنها بالوافدين من مختلف المحافظات، في حين أصبحت منظومات الطاقة الشمسية في الأرياف خياراً واسع الانتشار تعتمد عليه آلاف الأسر، الأمر الذي خفّف من الاعتماد على الشبكات التقليدية.
يُسجَّل تباين لافت في واقع خدمة الكهرباء بين المحافظات الجنوبية وتلك التي تديرها حكومة صنعاء
ويطرح ذلك التفاوت تساؤلات متزايدة حول أسباب استمرار الانهيار في المحافظات الجنوبية، رغم الدعم السياسي والاقتصادي الذي تحظى به حكومة عدن. وفي هذا الإطار، تتزايد الأصوات التي تحمّل السعودية المسؤولية عن استمرار الأزمة، بعدما سبق أن تعهّدت بتقديم مِنح نفطية لدعم تشغيل محطات الكهرباء والتخفيف من معاناة السكان. ويعزّز الاتهامَ المتقدّم، أن الرياض أصبحت الطرف المهيمن في المحافظات الجنوبية، بعد محاصرة الحضور الإماراتي فيها.
وفي خضمّ هذه المعاناة، طمأن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في تصريح إلى صحيفة «عكاظ»، إلى أن الحكومة تضع ملفّ الكهرباء في صدارة أولوياتها، وتعمل على تنفيذ حلول مستدامة تشمل مشاريع استراتيجية لتوليد الطاقة وتطوير شبكات النقل والتوزيع ومحطات التحويل، إلى جانب إجراءات إسعافية لتوفير الوقود للمحطات القائمة. كما أشار إلى أن الأزمة ليست وليدة اليوم، وإنما هي نتاج سنوات من التراكمات التي فاقمتها الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للقطاع.
غير أن هذه التصريحات تتطابق مع الخطاب الذي تبنّاه جميع رؤساء حكومة «الشرعية» منذ عام 2015. ففي كلّ مرحلة، كانت تلك الحكومات تتحدّث عن أولوية ملف الكهرباء، وتعلن خططاً لإصلاح القطاع وتنفيذ مشاريع استراتيجية، مع إرجاع أسباب التدهور إلى الحرب، ونقص التمويل، وارتفاع الطلب على الطاقة، وتضرّر البنية التحتية. لكن الواقع على الأرض ظلّ مختلفاً، حيث استمرّت ساعات الانقطاع في الارتفاع، وتكررّت الأزمات مع حلول كلّ فصل صيف. ويرى بعض المراقبين أن استمرار التدهور الخدمي، وفي مقدّمته أزمة الكهرباء، لا يمكن فصله عن طبيعة الحسابات السياسية والإقليمية التي تحكم المشهد في المحافظات الجنوبية؛ إذ يذهب هؤلاء إلى أن بعض الأطراف الخارجية، وعلى رأسها السعودية، قد لا تجد مصلحة في إنهاء الأزمات بصورة جذرية، باعتبار أن بقاء هذه الملفّات مفتوحة يمنحها أدوات إضافية للتأثير في القرار المحلّي، ويعزّز الاعتماد المستمرّ عليها في إدارة الشؤون الاقتصادية والخدمية والأمنية.
وفي هذا السياق بالضبط، يأتي التوقيع بين السعودية وحكومة عدن، أول من أمس، على اتفاقية لتوريد مشتقات نفطية، من شأنها تأجيل المشكلة وليس حلّها، باعتبار أن الحلّ يتطلّب إعادة هيكلة شاملة للقطاع وتنظيفه من الفساد السياسي. وبحسب الاتفاقية التي وقعها وزير الكهرباء والطاقة في حكومة عدن، عدنان الكاف، والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، السفير محمد آل جابر، سيتيح دعم المشتقات النفطية تغذية أكثر من 70 محطّة لتوليد الكهرباء في مُختلف المحافظات اليمنية، وهو ما سينعكس تعزيزاً لاستقرار خدمات الكهرباء، ودعماً للقطاعات الحيوية والخدمية المرتبطة بالطاقة الكهربائية. كما تمّ توقيع اتفاقية بين شركة النفط اليمنية «بترومسيلة»، ووزارة الكهرباء والطاقة، والبرنامج السعودي، من شأنها المساهمة في استدامة أعمال «بترومسيلة» كشركة حكومية.
لقمان عبد الله الخميس 11 حزيران 2026