أرخص أحجار الشطرنج على مائدة الاستعمار
أصيل علي البجلي
أي وعي سياسي وثقافي ذاك الذي يستقيل عن إدراك الحقيقة الماثلة، وأي بصيرة عمياء تلك التي تغمض جفنيها عن مسرح العبث ومذبح الكرامة الوطنية؟ حين يمعن الإنسان النظر في واقعنا اليمني الراهن، لا يملك إلا أن يتوقف مذهولاً ومستنكراً أمام مشهد الانحدار الأخلاقي والوطني الساقط في أبشع منعرجاته.
إنها الحكاية السوداء لمن رهنوا الأرض والعرض، وارتضوا بمحض إرادتهم أن تحولهم أيدي العدوان السعودي إلى مجرد أحجار شطرنج بالية، تُحركها أصابع الغدر بتكليف استخباراتي صريح ومباشر من الدوائر الأمريكية والصهيونية، تنفيذاً لمخططات الاستنزاف والتدمير الممنهج بحق شعب الإيمان والحكمة والصمود الأسطوري.
أليس عجيباً حقاً كيف استبدل هؤلاء المرتزقون تاريخ أمتهم وحضارتها بفتات الموائد المشبوهة، وركضوا وراء سراب الوصاية وهم يتنقلون كالعبيد بين ردهات الفنادق الفارهة وعواصم الشتات الذليل؟
لقد كشف القرآن الكريم هذه النماذج البائسة والساقطة ببيانه المعجز الحكيم حين قال جل شأنه في محكم كتابه: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ).
أليست هذه هي العمالة المطلقة والمجردة من كل شرف؟
كيف بمن يزعم زوراً وبهتاناً حرصه على وطنه أن يتحول فجأة إلى مجرد أجير صغير يقايض دماء أطفال أهله ومقدرات أمته بثمن بخس؟
إنهم لم يكتفوا بجرائم الخيانة العظمى الموثقة، بل تمادوا في غيهم ليمارسوا التصهين العلني الوقح، متقربين بطاعة عمياء إلى كيان الاحتلال وواشنطن عبر بوابة الرياض، غير آبهين بما تزرعه سياساتهم الحاقدة من خراب ودمار ومآسٍ دامية تطال كل بيت وكل شبر على تراب اليمن الطاهر.
تأملوا معي بدقة هذا السقوط المروع والمقزز: كيف يمكن لإنسان سوي أن يقبل لنفسه أن يكون أداة رخيصة تحركها أصابع الأجنبي لضرب خاصرة أمته من الخلف؟ ألا يتناقض هذا كلياً وبشكل صارخ مع قوله تعالى في آياته المحكمات: (مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً)؟ فبأي عزة موهومة يتباهى هؤلاء وهم يتمرغون بكل خنوع في وحل التبعية المهينة، وبأي وجه نحاسبهم وبأي ملامح يقفون أمام التاريخ وأمام دماء الشهداء الأبرار والأطهار المظلومين؟
إنهم باختصار شديد شحاذو ولاية رخيصون، تسولوا رضا المستعمر على حساب سيادة اليمن واستقلاله الناجز، فما عادوا يملكون من أمر أنفسهم شيئاً سوى تنفيذ الأجندات الاستعمارية في غرف العار والعمالة.
إن طبيعة ما يدور اليوم على أرض اليمن الأبي هي معركة مصيرية فاصلة بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع حر مستقل وقراني يستمد عزيمته وصلابته من قيم القرآن وثوابت الأمة وقضاياها العادلة، ومشروع استعماري متصهين خسيس يترأسه النظام السعودي بالنيابة الوضيعة عن أسياده في الغرب وكيان الاحتلال الصهيوني الغاصب، مستخدماً هذه الثلة من المرتزقة كدروع بشرية وواجهات خاوية تفتقر لأية غاية أو هدف.
فإلى متى يظل هؤلاء الغارقون في أوهام التبعية يعمهون في طغيانهم العمي؟
إن العقل اليمني الحر، والوجدان الإيماني الحي، يرفضان قطعاً وحسماً هذه الأكاذيب والمضللات، ويدركان تمام اليقين أن مآل الخيانة والمتاجرين بالوطن والكرامة ليس سوى الخسران المبين والذل الأبدي المخزي، وأن الحق اليمني سينتصر حتماً ويبقى ساطعاً كشمس الظهارة مهما تكالبت قوى البغي والاستعمار والارتزاق.