من صنعاء إلى غزة.. تشابه سعودي ـ إسرائيلي سياسات متقاربة وأهداف مشتركة في استهداف المدنيين والبنية التحتية
الحقيقة ـ جميل الحاج
أظهرت وقائع العدوان والحصار المفروض على الشعب اليمني منذ عام 2015، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وجود أوجه تشابه واسعة في طبيعة السياسات العسكرية والاقتصادية والإنسانية التي رافقت العدوانين، سواء من حيث استهداف المدنيين، أو تدمير البنية التحتية، أو فرض القيود على دخول السلع والخدمات الأساسية، وهو ما جعل العديد من الجهات والباحثين يقارنون بين التجربتين باعتبارهما نموذجين للحصار طويل الأمد وما يرافقه من آثار إنسانية واقتصادية واسعة.
يبرز من خلال مسار العدوانين أن العمليات العسكرية لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل امتدت لتشمل المنشآت المدنية، بما فيها المساكن والمستشفيات والمدارس والموانئ والمطارات وشبكات المياه والكهرباء، الأمر الذي أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، إضافة إلى إحداث دمار واسع في البنية التحتية الأساسية.
ويرى مراقبون أن استهداف هذه المرافق انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، وفاقم من الأزمة الإنسانية، وأثر على قدرة المجتمعات المحلية على الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والغذاء والمياه.
ومن أبرز أوجه التشابه أن العدوانين حظيا بدعم سياسي وعسكري من عدد من الدول الحليفة لـ “تل أبيب” والرياض وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا ودول مجلس التعاون ماعدا سلطنة عمان، بالإضافة الى تركيا والاردن ومصر والمغرب ودول اخرى بدعم العدوان السعودية الأمريكي في العدوان على الشعب اليمني، وهو ما اعتبره الشعب اليمني وأبناء الشعب الفلسطيني عاملاً أسهم في استمرار العمليات العسكرية وإطالة أمد النزاع.
إلى جانب ذلك تخاذل الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي في إدانة العدوانين وعدم القيام بمسؤولياتهما القانونية تجاه الشعبين اليمني والفلسطيني وغض الطرف عن الجرائم السعودية والإسرائيلية التي ترتكب بحقهما. أي بمعنى آخر المساواة بين الضحية والجلاد أو الوقوف الى جانب الجلاد ضد الضحية في أكثر الأحيان، وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها.
ومن أبرز أوجه التشابه بين الحالتين اليمنية والفلسطينية استمرار فرض قيود على حركة الأفراد والبضائع.
ففي اليمن يفرض النظام السعودي حصار بري وبحري وجوي وقيود على ادخال السلع والمتطلبات الأساسية للشعب اليمني منذ ما يقارب 11 عاما، وهو نفس الحصار والعدوان الذي يفرضه العدو الإسرائيلي على سكان غزة، ومنع دخول المواد الغذائية للفلسطينيين في غزة رغم توقيع اتفاق وقف أطلاق النار بضمانات أمريكية وعربية وإسلامية.. أن استمر فرض القيود على الموانئ والمطارات وعمليات الاستيراد خلال سنوات العدوان وارتفاع وتيرة فرض القيوم على دخول المواد الغذائية حتي خلال سنوات التهدئة، الأمر الذي انعكس على توفر الغذاء والدواء والوقود ورفع تكاليف المعيشة بصورة كبيرة، وتسبب في خنق المواطن اليمني زيادة معاناته.
وفي غزة، أدى الحصار وإغلاق المعابر إلى نقص حاد في المواد الغذائية والأدوية والوقود، وتفاقمت الأزمة الإنسانية وانتشار المجاعة وارتفاع معدلات الوفاة بسبب الجوع مع استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، إلى جانب إغلاق المنافذ أمام المرضي والجرحى الفلسطينيين التي تحتاج إلى العلاج في الخارج.
وتناول السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ في عدد من خطاباته أوجه التشابه بين الحصار المفروض على اليمن والحصار الإسرائيلي على قطاع غزة.
وأشار إلى أن القيود المفروضة على السفن التجارية وإجراءات التفتيش المطولة تؤدي إلى تأخير وصول البضائع لأشهر، الأمر الذي يرفع تكاليفها بصورة كبيرة قبل وصولها إلى الأسواق اليمنية، مؤكداً أن الهدف من هذه الإجراءات هو زيادة معاناة المواطنين ورفع أسعار احتياجاتهم الأساسية.
كما أكد أن القيود المفروضة على المطارات والسفر للعلاج تسببت في حرمان آلاف المرضى من الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً للحقوق الإنسانية الأساسية، وتشابه ما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة من حرمان من العلاج والسفر وإدخال المستلزمات الطبية.
وأكد السيد القائد أنه لا يملك لأى أحد في الدنيا، سواء كان يمنياً أو سعودياً، أو أمريكياً أو إسرائيلياً، من كل سكان الأرض. بأي صفة كان، أو أمم متحدة أو مجلس أمن، أو أي جهة في الدنيا لا تملك الحق في أن تسقط على شعبنا اليمني حقوقه في ثروته النفطية، في السفر للعلاج، في التنقل، التنقل للغرض التجاري، للأغراض التي مشروعة في كل الدنيا، لا يملك أحد أن يسقط على شعبنا اليمني هذه الحقوق، هذه حقوق ثابتة.
وشدد السيد القائد على أن حقوق الشعوب في العلاج والتنقل والاستفادة من ثرواتها الوطنية هي حقوق إنسانية ثابتة لا يجوز لأي دولة أو جهة دولية مصادرتها أو تعطيلها.
ووفقاً لتقرير أصدره مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية اليوم الـ 27 يوليو الجاري، بلغت حصيلة الضحايا المدنيين في اليمن 61,010 بين شهيد وجريح، بينهم 24,728 شهيداً و36,282 جريحاً، بينهم آلاف الأطفال والنساء.
وأشار التقرير إلى وفاة نحو 120 ألف مريض نتيجة تعذر سفرهم للعلاج بسبب استمرار الحصار وإغلاق المطارات، فيما يحتاج أكثر من 1.2 مليون مريض إلى العلاج خارج البلاد.
كما سجل وفاة أكثر من 46 ألف امرأة بسبب سوء التغذية ومضاعفات الحصار، إلى جانب معاناة نحو 1.8 مليون امرأة من سوء التغذية الحاد.
وفي الجانب الاقتصادي، تجاوزت خسائر القطاع الزراعي 147 مليار دولار، فيما بلغت خسائر قطاع النفط والغاز أكثر من 123 مليار دولار، إضافة إلى خسائر التجارة الخارجية التي تجاوزت 64.7 مليار دولار.
أما على مستوى البنية التحتية، فقد وثق التقرير تدمير أكثر من 623 ألف منزل، و476 منشأة صحية، و1497 مدرسة، و16 مطاراً، و17 ميناءً، و491 منشأة كهربائية، و3605 منشآت للمياه.
وفي المقابل، تشير الإحصائيات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة مع مرور 1000 يوم على العدوان الإسرائيلي إلى أن القطاع يشهد دماراً واسعاً شمل مختلف القطاعات الحيوية.
ووفقاً للبيانات المنشورة، فإن أكثر من 2.4 مليون فلسطيني يتعرضون لظروف إنسانية قاسية، مع تدمير ما يزيد على 90% من القطاع، وسيطرة القوات الإسرائيلية على نحو 80% من مساحته.
كما تشير الإحصاءات إلى وصول عدد الشهداء إلى 73,066 شهيداً، إضافة إلى 9,500 مفقود، وأكثر من 173 ألف جريح، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء.
وتحدث التقرير عن تدمير واسع للمساكن والمنشآت الصحية والتعليمية والدينية والبنية التحتية، حيث تضررت مئات آلاف الوحدات السكنية، ودمرت مئات المدارس والمستشفيات، إضافة إلى شبكات المياه والكهرباء والطرق.
وقدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة في مختلف القطاعات بنحو 80 مليار دولار، شملت قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والزراعة والتجارة والطاقة والنقل والخدمات.
كما أشار التقرير إلى استمرار سياسة الحصار وإغلاق المعابر، ومنع دخول مئات آلاف شاحنات المساعدات الإنسانية والوقود، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أوضاع الغذاء والصحة، وارتفاع معدلات سوء التغذية، وحرمان آلاف المرضى من السفر لتلقي العلاج.
وتعكس الوقائع والإحصاءات الواردة في التقارير المتعلقة باليمن وقطاع غزة وجود أوجه تشابه كبيرة في الآثار الإنسانية والاقتصادية للحصار والعمليات العسكرية، من حيث استهداف البنية التحتية المدنية، وتعطيل الخدمات الأساسية، وفرض القيود على دخول السلع والدواء، وما ترتب على ذلك من خسائر بشرية واقتصادية واسعة.