ما سبب سكوت الإمارات في الجولة الجديدة من حرب الرياض وصنعاء؟
إن استئناف التوتر العسكري بين السعودية واليمن، بعد ثلاثة أعوام من الهدوء النسبي، لا يعني إخفاق المسار الدبلوماسي بين الرياض وصنعاء فحسب، بل يكشف كذلك عن تشكُّل ميزان جديد في علاقات القوة بين الدول الخليجية، ميزان أظهر شرخ المصالح بين حلفاء الأمس على نحو لم يسبق له مثيل.
لقد ظنت الرياض أن الاضطرابات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة قد فتحت نافذةً جديدةً لتغيير المعادلات في اليمن، فأعادت الخيار العسكري إلى صدر جدول أعمالها، متوقعةً أن تصطف دول مجلس التعاون الخليجي خلف هذه السياسة ذات النزعة الحربية. غير أن الإمارات، التي كانت في زمن غير بعيد ركناً رئيسياً في التحالف السعودي داخل اليمن، آثرت اليوم أن تنأى بنفسها عن التدخل المباشر، وأن تلقي كلفة هذه المواجهة على عاتق الرياض، مكتفيةً بإدارة التحولات من هامش الميدان لا من قلبه.
إن الصمت الإماراتي المحسوب إزاء الجولة الجديدة من حرب اليمن، أبعد ما يكون عن علامة حياد؛ فهو في جوهره انعكاس لخلافات استراتيجية عميقة مع السعودية حول المستقبل السياسي والأمني لجنوب اليمن، ذلك الملف الذي تحّول خلال الأعوام الأخيرة إلى أحد أبرز ميادين التنافس بين الحليفين السابقين.
فمسار الهدنة والمفاوضات الذي تشكّل بين السعودية وأنصار الله، وإن كان يزيد احتمال خروج الرياض من الحرب، كان في الوقت نفسه قادراً على ترسيخ نفوذ السعودية في رسم مستقبل اليمن السياسي، وعلى إضعاف موقع الإمارات في معادلات الجنوب أكثر فأكثر، وهو سيناريو لا ينسجم بحال مع مصالح أبوظبي.
من هنا، تبدو الإمارات راضيةً عن عودة الاشتباك بين الرياض وصنعاء في الظرف الراهن؛ ذلك أن تصاعد التوتر من جديد يمكن أن يعزّز موقع حلفاء أبوظبي في جنوب اليمن، ويحول دون ولادة اتفاق يمنح السعودية دورا أوسع وأثقل في مستقبل البلاد السياسي.
وقد سعت الإمارات خلال السنوات الماضية، عبر استثمارات عسكرية واقتصادية واسعة، إلى تثبيت نفوذها في جنوب اليمن. غير أن القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي اضطرت، قبل أشهر، وتحت وطأة ضغوط سياسية وميدانية مارستها السعودية، إلى تسليم أجزاء من المناطق التي كانت تسيطر عليها في محافظة حضرموت إلى الحكومة المرتبطة بالرياض. وقد مثّل هذا التراجع ضربةً موجعةً لأهم مشاريع أبوظبي الإقليمية.
وعلى هذا الأساس، لا تملك الإمارات ولا ” المجلس الانتقالي الجنوبي” حافزاً للدخول في الحرب الراهنة، ما دام حصادها الأبرز سيكون تعزيز موقع السعودية. فبنية المجلس الانتقالي، على الرغم مما يعتريها من تصدع وفقدان للشرعية، تدرك جيداً أن انغماس الرياض أكثر فأكثر في القتال مع قوات صنعاء، سيقلّص قدرتها السياسية والعسكرية والمالية على كبح المشروع الانفصالي في جنوب اليمن.
لذلك، لا ينبغي قراءة حياد القوى الجنوبية بوصفه مظهراً من مظاهر العجز أو الانكفاء، بل هو أقرب إلى نوع من “الانتظار الاستراتيجي”؛ انتظار يراهن على إنهاك القوة السعودية، وعلى تبدّل ميزان الداخل اليمني تدريجياً لمصلحة التيارات القريبة من الإمارات. وإذا طال أمد الحرب، فقد يمهّد ذلك الطريق لعودة النفوذ الإماراتي، رويداً رويداً، إلى جنوب اليمن.
تعدّ المنافسة الخفية بين الرياض وأبوظبي في ميدان الطاقة، أحد العوامل الأخرى التي تكشف بجلاء خلفيات المقاربة الإماراتية الحذرة إزاء الحرب اليمنية الجديدة. فقد تحولت علاقات البلدين في الأعوام الأخيرة، ولا سيما في إطار منظمة أوبك، من منطق التعاون إلى منطق التنافس.
وقد أظهرت الخلافات حول حصص الإنتاج، ومساعي الإمارات إلى رفع طاقتها التصديرية، أن أبوظبي لم تعد مستعدةً لتعريف مكانتها الاقتصادية والنفطية في ظل السياسات السعودية أو تحت سقفها. وعلى هذا الأساس، أعلنت الإمارات رسمياً قبل شهرين خروجها من أوبك، مؤكدةً عزمها رفع إنتاجها النفطي إلى خمسة ملايين برميل يومياً.
ولم يكن خروج الإمارات من أوبك سوى محاولة للتحرر من القيود التي تفرضها سياسات الإنتاج التي ترغب بها السعودية، واكتساب هامش أوسع من حرية الحركة في تحديد مستويات إنتاج النفط وعرضه وتصديره، فضلاً عن توجيه ضربة إلى مكانة أوبك ودور الرياض القيادي داخلها. وفي مثل هذه الظروف، فإن أي عامل قادر على تقييد قدرة السعودية على المناورة في سوق الطاقة يمكن، من منظور الإمارات، أن يتحول إلى فرصة سانحة.
من أبرز هواجس أبوظبي، سعي السعودية إلى التحول إلى القطب الاقتصادي الأول في المنطقة، واستقطاب الرساميل والشركات الدولية الكبرى. فبعد اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة، شهدت الإمارات خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية، وانتقال أنشطة بعض الشركات إلى أسواق شرقية ومراكز أخرى أكثر أمناً، وهو ما وجّه ضربةً إلى مكانة أبوظبي بوصفها أهم مركز اقتصادي في الخليج الفارسي.
إن جذب الاستثمارات الأجنبية، واحتضان الشركات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا، يشكلان أحد المحاور الأساسية في برنامج “رؤية 2030” الذي يقوده محمد بن سلمان لتحويل السعودية إلى قطب اقتصادي إقليمي. واليوم، يمكن للتطورات الأمنية المحفوفة بالمخاطر في الخليج الفارسي، وما يرافقها من خروج الرساميل من الإمارات، أن تمنح الرياض فرصةً لتعزيز مسار استقطاب الاستثمار والتحول إلى مركز اقتصادي وازن في الشرق الأوسط، مستندةً إلى ما تتمتع به من استقرار نسبي.
غير أن عودة السعودية إلى الميدان اليمني المكلف، وانغماسها في أزمة استنزافية مفتوحة على المجهول، قد يفرزان تداعيات تتجاوز النطاق العسكري. فتصاعد انعدام الأمن وتفاقم الاضطراب لا يضعان المصداقية الأمنية للرياض تحت الضغط فحسب، بل يربكان كذلك مسار جذب الاستثمارات الأجنبية وتنفيذ المشاريع الطموحة لرؤية 2030.
وفوق ذلك، لا يمكن تحليل الموقف الإماراتي من تطورات اليمن بمعزل عن المنافسة المستترة والخلافات الاستراتيجية بين أبوظبي والرياض. فبعد إغلاق مضيق هرمز وتقييد مسارات التصدير في المنطقة، تمكنت السعودية، عبر خط أنابيب الشرق – الغرب وموانئ البحر الأحمر، من الحفاظ على جزء من صادراتها النفطية، البالغة خمسة ملايين برميل يومياً، إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. وقد منحتها هذه الميزة، في ظل خروج بعض المنافسين من السوق أو تراجع قدراتهم التصديرية، موقعاً أقوى في الأسواق الشرقية، ولا سيما الهند وسائر الاقتصادات الآسيوية. غير أن حصار باب المندب بات اليوم يضع هذه الأفضلية الجيوسياسية أمام تحدٍّ بالغ الحساسية.
وعليه، فإن تقييد القدرة التصديرية للرياض عبر البحر الأحمر يمثّل، بالنسبة إلى الإمارات، حاجزاً أمام اتساع النفوذ الاقتصادي والنفطي لمنافسها الرئيسي. ومن هذا المنظور، لا تبدو التطورات الجديدة في اليمن مجرد أزمة أمنية عابرة، بل جزءاً من منافسة أوسع بين المشيختين على تحديد من يتبوأ الموقع الأعلى في مستقبل الخليج الفارسي.
وفي المحصلة، لا يصحّ النظر إلى الصمت الإماراتي إزاء تطورات اليمن بوصفه علامةً على اللامبالاة أو التراجع، بل هو جزء من حساب استراتيجي تفضّل أبوظبي بموجبه أن تجني ثمار استنزاف المواجهة بين السعودية وأنصار الله من غير أن تدفع أثماناً عسكريةً مباشرةً.
وقد يفضي استمرار هذا الوضع إلى إغراق أبرز منافس إقليمي للإمارات في تحديات أمنية واقتصادية متشابكة. وفي نهاية المطاف، إذا واصل ميزان القوة ميله في هذا الاتجاه، فقد تكون الإمارات هي الرابح الخفي في الجولة الجديدة من حرب اليمن؛ رابح لا يدير مسار الأحداث هذه المرة من قلب ساحة القتال، بل من هامشها، حيث تصاغ المكاسب بهدوء وتدار التحولات على إيقاع المصالح.
الوقت التحليلي