إخفاقات إسرائيلية متراكمة.. المقاومة اللبنانية تُفشل التوغلات البرية وتُربك العدو في رميم
تميّز مشهد يوم أمس بتفوّق عملياتي واضح للمقاومة الإسلامية التي فرضت إيقاعها الميداني بامتياز، إذ جمعت بين التصدي البري الاستباقي للتوغلات وضربات العمق التكتيكي وتفعيل منظومة الدفاع الجوي. وفي حين استمرت إخفاقات العدو في محاور زوطر الشرقية وحداثا وبيوت السياد، فاجأ بعد ظهر اليوم حدثٌ بالغ الأثر قلبَ الحسابات الإسرائيلية رأساً على عقب.
كشف الكيان المؤقت بعد الظهر عن عملية تسلّل ناجحة نفّذها مقاتل وصل إلى سلسلة جبال رامين الاستراتيجية في منطقة الجليل الأعلى داخل شمال فلسطين المحتلة، وهي سلسلة تُشرف مباشرة على الحدود اللبنانية وعلى مستوطنات حساسة تمتد من مسكاف عام والمطلة حتى كريات شمونة وتل حاي وغيرها. وما أضفى على الحادثة ثقلاً مضاعفاً أن المنطقة مُصنَّفة عسكرية مغلقة بالكامل منذ أكتوبر 2023، فيما أكد العدو أن المقاتل تمكّن من الاشتباك مع وحدات خاصة بعد اختراق الترتيبات الدفاعية والوصول إلى نقطة متقدمة خلف السياج الأمني. وعلى الرغم من أن أحداً لم يتبنَّ العملية رسمياً حتى الآن، فإن معظم الحجج التي يبني عليها العدو مسوّغات إقامة “المنطقة العازلة” جنوب الليطاني قد تبخّرت في لحظة واحدة.
رافق عملية التسلل ارتباكٌ حادّ لأكثر من ثلاث ساعات في الجهات العسكرية والمدنية المسؤولة عن الجبهة الداخلية، وسط فوضى معلوماتية واسعة عكستها الصحف العبرية وحسابات المستوطنين على وسائل التواصل الاجتماعي. واضطر مجلس الجليل الأعلى إلى إغلاق عدد من المستوطنات وقطع الطرقات والاستعانة بوحدة الكوماندوز البحري “شييطت 13″، في مشهد يكشف حجم الرعب وفقدان الثقة بالتشكيلات البرية الميدانية.
ركّزت المقاومة جهدها العملياتي على مسارين متكاملين. الأول تعزيز حائط الصد الدفاعي في زوطر الشرقية ويحمر الشقيف وحداثا، وإحباط محاولة تقدم مدرعة ليلية في القطاع الغربي بين البياضة وبيوت السياد، ما أجبر القوة على الانسحاب الكامل. والثاني توظيف كثيف ومتواصل للطائرات الانقضاضية، ولا سيما طراز “أبابيل”، لاستهداف الآليات المحصّنة كالنميرا في زوطر الشرقية والخيام، ومراكز القيادة في الناقورة، وآليات الاتصالات في تلة الصلعة والقنطرة. ومثّل تفعيل الدفاع الجوي في إقليم التفاح لاعتراض مسيّرة هرمز 450 دليلاً إضافياً على أن المقاومة باتت تعمل في طبقات متعددة ومتكاملة.
أظهرت المقاومة خلال هذا اليوم مرونة عالية وانتقالاً سلساً بين الدفاع والهجوم التعرضي، مستفيدةً من استطلاع دقيق مكّنها من رصد آليات الاتصالات وتجمعات الجنود داخل المباني. وأثبتت بذلك قدرتها على العمل تحت الغطاء الجوي المعادي واستثمار نقاط العمى الاستخباراتي لدى العدو.
على الجانب الآخر، واصل العدو إخفاقاته البرية المتراكمة؛ إذ فشل مجدداً في محاولة التوغل من البياضة باتجاه مزرعة بيوت السياد، وتعثّرت محاولاته في محور القنطرة باتجاه الغندورية، فضلاً عن فشله في فتح مسارَي توغل شرق زوطر الشرقية باتجاه طريق عام زوطر–ميفدون. وحاول العدو التعويض عن هذه الإخفاقات بتصعيد حملته الجوية والمدفعية بصورة هستيرية وعشوائية طالت العمق الجنوبي في النبطية وصور والنبطية وقرى الخط الثاني، وهو ما يعكس في حقيقته حالة عمى استخباراتي في الخطوط الأمامية لا قوةً في الخطوط الخلفية.
تراكمت فاتورة الاستنزاف البشري لتبلغ نحو خمسين إصابة في صفوف ضباط وجنود جيش العدو خلال أربعة أيام، وهو رقم لافت يعكس الضغط المتصاعد الذي تمارسه المقاومة على قدرته البشرية والتشغيلية. وقد أفصح إعلام العدو وجنرالاته عن حالة تخبّط واضحة؛ إذ تساءل المراسل العسكري لإذاعة جيش العدو بمرارة كيف يمكن إقناع المستوطنين بفعالية “المنطقة الأمنية” التي وُعدوا بها إذا عجزت عن منع تسلّل مقاتل واحد، مشيراً إلى أن الحادثة استدعت إشراف رئيس الأركان شخصياً على التحقيق. في حين أكد المحلل العسكري دورون كدوش أن المؤسسة الأمنية في “صدمة تامة”، مستغرباً كيف وقع التسلل في منطقة مكشوفة بصرياً لمئات الأمتار.
يُعدّ يوم التاسع من حزيران علامةً فارقة في كسر الاندفاعة البرية الإسرائيلية؛ فالمقاومة لم تكتفِ بالصمود وإحباط التوغلات، بل تفوّقت استخباراتياً وعملياتياً بفضل صواريخها الموجهة وطائراتها الانقضاضية التي حصدت آليات العدو في تجمعاته. أما التخبط الإسرائيلي في أعقاب عملية رميم فيثبت أن العملية البرية باتت عبئاً عسكرياً يُنتج نتائج عكسية: إصابات مرتفعة، وتهجير مضاد للمستوطنين، وفشل في تحقيق الردع. والتقدير أن العدو سيصعّد من قصفه الجوي للمدن اللبنانية محاولاً التعويض عن عجزه البري المتراكم.