الإمام زيد بن علي عليه السلام حليف القرآن والثائر في وجه الطغيان

مقدمة
في الخامس والعشرين من محرم الحرام، تستعيد الأمة الإسلامية ذكرى نهضة مباركة خطّها بدمه الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، سليل بيت النبوة، وحفيد رسول الله صلى الله عليه وآله. فقد نشأ هذا الإمام العظيم في كنف والده الإمام زين العابدين، متضلعاً من علوم أهل البيت، حتى لُقّب بـ”حليف القرآن” لطول عكوفه على تدبره وتفهم معانيه.
لم تكن نهضة الإمام زيد عليه السلام حدثاً عابراً في التاريخ، بل كانت امتداداً أصيلاً لنهضة جده الحسين عليه السلام، ومشروعاً إلهياً مستمراً قام على إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة طغيان بني أمية وانحرافهم عن جادة الدين والعدل. وقد جسّد الإمام زيد في مواقفه وأقواله وثباته حتى استشهاده، نموذجاً خالداً للثائر القرآني الذي لا يسكت أمام الظلم، ولا يركن للطغاة، ولا يفرّط بالمقدسات.
يستعرض هذا التقرير سيرة الإمام زيد عليه السلام، ومنطلقات نهضته وأهدافها، ومواقفه المشرفة، وأحداث ثورته واستشهاده، والدروس والعبر المستفادة منها، وأهمية إحياء ذكراه في مواجهة تحديات الأمة اليوم.

نسبه الشريف
هو الإمام الأعظم زيد بن الإمام السجاد عليّ (زين العابدين وإمام الساجدين) بن الإمام الحسين السبط (سيد شباب أهل الجنة) بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام.
وهو حفيد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، جدته فاطمة الزهراء بنت خاتم الأنبياء محمد (صلوات الله عليه وعلى آله).
كنيته : أبو الحسين
مولده ونشأته
ولد في المدينة النورة سنة 75هجرية، ونشأ وترعرع في كنف والده الإمام زين العابدين عليه السلام، نهل من علوم أهل البيت حتى صار أعلمهم كما يقول أخوه الإمام الباقر عليهم السلام: {لقد أوتي أخي زيدٌ علماً لدُنّياً، فاسألوه فإنه يعلم ما لا نعلم}.
نشأ (عليه السلام) في أسرة طاهرة مؤمنة، هي على أرقى درجات الإيمان، تربى تربية الايمان والتقوى، تربّى على الفضل والخير والقيم والأخلاق، فنشأ نشأةً مميزةً منذ بداية نشأته، متميزاً بتقواه، وبإيمانه، وبخشيته من الله.
كما تميز بفهمه الثاقب واستيعابه الكبير. وبارتباطه الوثيق بالقرآن الكريم، إذ عكف على القرآن يتدبره ثلاث عشرة سنة حتى سمّي (حليف القرآن)، وهذا الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم رأينا أثره في شخصية الإمام زيد عليه السلام)، في أخلاقه، في اهتماماته، في مساره العملي بكله.
واقعه الإيماني والعملي
الخشية من الله: عُرف الإمام زيد (عليه السلام) بأنه عظيم الخشية من الله، فكان حينما يقرأ بعضاً من آيات القرآن الكريم، ويتأملها أو يسمعها في بعض المقامات يغمى عليه.
كما عُرف أيضاً بهذا الأثر الإيماني في واقعه بكله، في علاقته المتميزة بالله، في أخلاقه وقيمه، في المسؤولية، ومواجهة الجائرين.
على مستوى الالتزام والتقوى يقول (عليه السلام) [والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، وما انتهكت لله محرماً منذ عرفت أن الله يعاقب عليه].
الانشداد إلى الله: (والله لو علمت أن رضاء الله عز وجل في أن أقدح ناراً بيدي حتى إذا اضطرمت رمیت بنفسي فيها، لفعلت)، هكذا كان في انشداده إلى الله، في تقواه إلى الله، في ذوبانه في طاعة الله سبحانه وتعالى.
…………………………….
حديث الرسول (صلوات الله عليه وآله) عن الإمام زيد ودلالاته
أولاً/ الحديث
الإمام زيد (عليه السلام) كان قد تحدث عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الرواية المشهورة عن حذيفة بن اليمان، وفي روايات مشهورة عن الإمام علي (عليه السلام)، وكان من أشهر ما قال عنه النبي صلوات الله عليه وعلى آله فيما روي 🙁 المقتول في الله، المصلوب من أمتي، المظلوم من أهل بيتي سمي هذا، -وأشار إلى زيد- وقال لزيد: يا زيد لقد زادك اسمك عندي حبّا؛ فأنت سميّ الحبيب من أهل بيتي).
ثانياً/ الدلالات:
1-يدل على منزلة هذا الرجل العظيم عند الله أنه من أولياء الله العظماء.
2-أنه من الأعلام الكبار في مدرسة الإسلام الكبرى.
3-أنه من الأعلام العظماء للأمة الذي سيؤسس للأمة ثورة عظيمة ومنهجاً ممتداً يعطي للحق دفعاً مستمراً إلى آخر الأمة.
4-يدل على مدى مظلومية هذا الرجل العظيم.
5-يدل على شرف المسؤولية والمهمة التي قام بها الإمام زيد (عليه السلام).
6-يدل على عظمة الموقف الذي وقفه الإمام زيد (عليه السلام).
مميزات شخصية الإمام زيد
oالإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من سلالة بيت النبوة.
oلقب في الأمة بـ “حليف القرآن” لعلاقته العميقة بالكتاب الكريم.
oمعروف بمقامه العلمي والأخلاقي، لمكانته العلمية، الأخلاقية، والروحية.
oيُجمع المسلمون بمختلف أطيافهم على توقيره وتقدير علمه وجهاده.
oعرف بالصدق والوعي والبصيرة، وكان قدوة في الإيمان والمواقف.
أهمية إحياء ذكرى استشهاده عليه السلام
“الدروس في هذه النهضة المباركة دروسٌ كثيرة، بالعودة إلى كتب التاريخ، وما كتب عن الإمام الشهيد زيد بن عليٍّ “عليهما السلام”، هناك الكثير الكثير مما يفيد هذه الأمة، وأهميتها للأمة اليوم فيما تواجهه من تحديات
بما تصنعه من وعي،
بما ترسِّخه من الاستشعار العالي للمسؤولية والقدوة،
بما تهيئ الإنسان عليه من الاستعداد للتضحية في سبيل الله “سبحانه وتعالى”، والصبر، والاستبسال، والتفاني”.
إن إحياءنا لهذه الذكرى وغيرها من المناسبات المهمة المرتبطة بديننا هو لاعتبارات متعددة، منها:
vلأنها مناسباتٌ مرتبطة بأعلامنا، برموزنا، الذين حملوا الإسلام منهجاً ومسؤولية يتحركون بها في واقع الأمة.
vلأنها تربطنا وتذكِّرنا بنهضةٍ مباركةٍ، امتدت آثارها وبركاتها إلى يوم الناس هذا.
vلأنها من أبرز الأحداث في تاريخ الأمة، ومن أهمها، (سقوط دولة بني أمية، قيام ثلاث دول للزيدية في (المغرب 172هـ، إيران 250 هـ، اليمن 280هـ).
vلأنها تمثل وحدة القضية.
vلما تحمله لنا من الدروس والعبر التي نحتاج إليها حينما نتحرك في إطار المسؤولية الدينية.
vلشحذ الهمم وإحياء مبدأ الشعور بالمسؤولية.
vللزيادة في العزم والهمة: نحن في أمسّ الحاجة إلى عزم زيد، إلى ثبات زيد، إلى تضحية زيد، إلى الهدى الذي كان عليه زيد.
vمحطةٍ تعبويةٍ وتوعويةٍ لاستلهام الدروس والعبر من هذه الحادثة، بالنظر إلى واقعنا، وما نواجهه من تحديات وأخطار.
vذكرى مهمة لإيقاظ كل الغافلين، والمقصِّرين، وكل المتنصِّلين عن المسؤولية؛ لمراجعة حساباتهم.
………………………………………………………….
مميزات نهضة الإمام زيد
vتمثل حدثًا تاريخيًا بارزًا له تأثير ثقافي وفكري وعملي ممتد.
vنهضته امتداد للإسلام المحمدي الأصيل ونهضة جده الحسين.
vنهضته مؤثرة ومتجذرة في الأمة.
vنهضته غنية بالدروس في الوعي، التضحية، والقدوة.
vسعت لإنقاذ الأمة من الاستعباد والاضطهاد.
vحظيت باهتمام المصادر التاريخية المتعددة.
……………………………………….
أهداف ثورة الإمام زيد (عليه السلام)
oإصلاح واقع الأمة والحفاظ على دينها
(والله لوددت أن يدي ملصقة بالثريا ثم أقع حيث أقع فأتقطع قطعة قطعة وأن يصلح الله بذلك أمر أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
oمواجهة الطغيان الأموي وسياسة الإذلال
الإمام زيد (عليه السلام) حاول أن يقدم النصيحة للحاكم الأموي هشام بن عبد الملك ولكنه استكبر واحتقر الإمام زيداً؛ فخرج الإمام زيد من مجلسه وهو يقول: (والله ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا).
oالقيام بالمسؤولية
الإمام زيد (عليه السلام) تحرك من واقع استشعاره للمسؤولية أمام الله في محاولة استنقاذ أمة جده رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وكان يقول: (والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت).
oإنقاذ الأمة من الانحراف الأموي.
oإنقاذ الأمة من استعباد الطغاة وإعادة المسار الإسلامي الصحيح.
oمواجهة طغيان بني أمية بتحريف الدين وانتهاك المقدسات.
oاستهدفت تصحيح واقع الأمة، وإنقاذها من:
1- الاستعباد الأموي.
2- الانحراف العقائدي والديني.
3- فقدان العدل والقسط.
ضرورة نهضة الإمام زيد(عليه السلام):
اعتبر الإمام زيد تحركه “ضرورة دينية” لا يمكن السكوت عنها، لأن:
oالسكوت خيانة للقرآن.
oنهضته قائمة على البصيرة والجهاد.
oالتضحية ضرورة لمنع تمكين الطغاة.
……………………………………………………….
وصف الواقع الذي واجهه الإمام زيد عليه السلام
وصف الإمام زيد للواقع المنحرف في عصره “وقد عرفتم حالكم التي أنتم عليها، من الفتنة في دينكم، والبلاء في عيشكم، من سفك دمائكم، والاستئثار بفيئكم” ومن ذلك:
الإساءة للنبي محمد صلوات الله عليه وآله: سبّه في مجالسهم بحضور اليهود والمشركين، تشجيع الشعراء على هجائه، نشر روايات تشوه خُلُقه وعقله.
الاستخفاف بالقرآن الكريم: تحريف المعاني، تقليص العلاقة به إلى التلاوة فقط، رمي المصحف وتمزيقه.
استباحة المقدسات: حرق الكعبة مرتين، استباحة مكة والمدينة وقتل أهلها، حتى في الحرم، القتل على القبور في مسجد الرسول(صلوات الله عليه وآله).
الاستبداد والاستعباد: سيطرة طغاة بني أمية وتحويلهم الأمة إلى عبيد لهم، قتل مئات الآلاف وتعذيبهم بوحشية: سمل العيون، قطع الأيدي والأرجل.
الفتنة في الدين: تحريف المفاهيم، اختلاق روايات كاذبة، تمييع الدين، تعطيل الحدود، تغييب القيم القرآنية.
الفساد الاقتصادي: نهب المال العام واستغلاله لشراء الذمم، الإفقار المتعمد للأمة، الاستئثار بالفيء.
الفساد الأخلاقي: شرب الخمور، واتخاذ المعازف.
………………
العناوين والأسس التربوية والفكرية لنهضة الإمام زيد عليه السلام
1.التمحور حول القرآن: دعوته كانت إلى العودة الصادقة للقرآن: “كيف أسكت وقد خُولف كتاب الله، وتُحوكم إلى الجبت والطاغوت”.
2.البصيرة والوعي: يطالب بالأمة أن تفقه دينها، وأن تعي واقعها وأعداءها. “عباد الله البصيرة البصيرة”.
3.إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “اعلموا أن فريضة الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أُقيمت له، استقامت الفرائض بأسرها، هينها وشديدها”.
4.رفض الذل والسكوت: “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت”.
5.التحرر من الذل والخوف: اعتبر الخوف والركون للطغيان سببًا في إذلال الأمة، “ما كره قومٌ قط حرّ السيوف إلا ذلوا”.
6.الاهتمام بأمر الأمة والتضحية: “لوددت أن يدي ملصقة بالثريا، فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة، وأن الله يصلح بي أمر أمة محمد”.
7.الثبات رغم التخاذل: حتى لو لم يخرج معه إلا ابنه. “لو لم يخرج معي إلا ابني يحيى لقاتلتهم”.
……………………………………
مواقف الإمام زيد.. نماذج للقدوة
كل موقف من مواقفه المشرفة يدل دلالة واضحة على مدى ثقته بالله سبحانه وتعالى وإجلاله له، وارتباطه به، واحتقاره للطغاة والمتجبرين المنحرفين عن منهج الله سبحانه وتعالى)، ومن أبرز تلك المواقف ما يلي:
جرأته في مواجهة الطاغوت
((اتق الله يا هشام)): كلمة حق في وجه سلطان جائر انطلقت من فم الإمام زيد بن علي (عليه السلام) لتصك مسامع طاغية بني أمية هشام بن عبد الملك الذي قال: (والله لو قال لي أحد اتق الله لضربت عنقه)، ولكن الإمام زيداً (عليه السلام) أطلقها في وجه هشام، كما أطلق جده الحسين “هيهات منا الذلة” في وجه يزيد، ولم يخف ولم يرهب، ولم يتهرب من تقديم النصح له، فرد عليه عدو الله غاضباً مستكبراً: “أو مثلك يأمر مثلي بتقوى الله؟”. فقال (عليه السلام): (إنه ما من أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله، ولا دون أن يوصي بتقوى الله).
غضبه لرسول الله صلوات الله عليه وآله
ما إن دخل الإمام زيد عليه السلام) مجلس هشام بن عبد الملك، إذ بيهودي يسب ويشتم رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وفي حضرة من يطلق على نفسه أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، ولم يستنكره أحد فغضب الإمام زيد (عليه السلام) لله ولرسوله غضبا شديداً، ونهر ذلك اليهودي قائلاً: والله لئن مكنني الله منك لأختطفن روحك) وعندها تحرك غضب هشام، فرد على الإمام زيد قائلاً: مه يا زيد لا تؤد جليسنا” فخرج الإمام زيد من مجلس هشام وهو يقول: والله ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا).
شجاعته وثباته
الإمام زيد (عليه السلام) تحرك بثبات وحين رأى تخاذل أهل الكوفة من جديد كما تخاذلوا مع جده الحسين (عليه السلام) قال لأحد القادة الأبطال المجاهدين معه “نصر بن خزيمة” قال له الإمام زيد (عليه السلام): (أتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية) ففعلوا معه ما فعلوا مع جده الحسين (عليه السلام) ولكن ذلك لم يثنه ولم يرده ولم يجعله يتراجع إلى الوراء قيد أنملة بل ثبت على موقفه وثبت على مبدئه وهو الذي قال : (والله لو لم يخرج إلا أنا وابني يحيى لخرجت)؛ لم يتراجع حتى لو لم يكن معه إلا ابنه يحيى بن زيد (عليهما السلام) وخاض ملحمته الكبرى ومعركته الشهيرة في مواجهة المجرمين والطغاة بكل وحشيتهم بكل جبروتهم بكل طغيانهم.
…. ……
ثورة الإمام زيد عليه السلام
التخطيط للمعركة
بهذه المبادئ والمنطلقات، وبدافع المسؤولية تحرك الإمام زيد (عليه السلام) وصولاً إلى خروجه ثائراً، وكان قد واعدَ أصحابه والمستجيبين له من المسلمين، على أن يكون موعد الثورة في أول شهر صفر ١٢٢هـ، ولكن نتيجة العمل الاستخباراتي الأموي اكتشفت خطة الإمام زيد (عليه السلام) أفشى بها البعض، وأدرك بنو أمية أن ظهوره قريب، وأنه موجود في الكوفة. وبالتالي: بحثوا عنهم وكانوا قريبين من اكتشاف مكانه، فاضطر إلى تعجيل الخروج (في ليلة الأربعاء٢٢ محرم).
فخرج في الكوفة، ونادى بشعاراته المعروفة “يا منصور أمت” (وهذا كان شعار جده رسول الله، صلوات الله عليه وعلى آله، في غزوة بدر).
بداية المعركة وقلة الناصر
في صبيحة (يوم الأربعاء) كان قد وافاه على طول تلك الليلة ممن كان قد بايعه، (٢١٨ رجلاً) فقط، بينما في -بعض الأخبار- أن الذين كانوا قد بايعوه من الكوفة وحدها ما يقارب (١٥٠٠٠ رجل).
الكوفة كربلاء تتجدد
ولاحظ الإمام زيد (عليه السلام) حالة التخاذل الكبيرة في واقع الأمة، وقلة المستجيبين، ومحدودية الإمكانيات، وقلة الأنصار، فقال لأحد أنصاره الأوفياء (نصر بن خزيمة): (يا نصر. أتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية- فيفعلوا معه ما فعلوا مع الحسين من تخاذل قال:- “جعلت فداك أما أنا فوالله لأضربن بسيفي بين يديك حتى أموت”.
رايات الجهاد ترفع
وحينما خفقت الراية على رأسه قال (عليه السلام) متوجهاً إلى الله تعالى: (اللهم لك خرجت، وإياك أردت، ورضوانك طلبت، ولعدوك نصبت، فانتصر لنفسك ولدينك ولكتابك ولنبيك ولأهل بيت نبيك ولأوليائك من المؤمنين، اللهم هذا الجهد مني وأنت المستعان). ثم قال (عليه السلام):- (الحمد لله الذي أكمل لي ديني، والله ما يسرني أني لقيت جدي محمدا يوم القيامة، ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنهَ عن منكر، والله ما أبالي إذا قمت بكتاب الله وسنة نبيه، أنه تؤجّج لي نارٌ، ثم قذفت نفسي فيها ثم صرت إلى رحمة الله).
بدء المعركة.. ثبات واستبسال
تحرك الإمام زيد (عليه السلام) بالفئة القليلة من المؤمنين الصادقين الذين تحركوا معه، تحرك ببطولة وفداء كبيرٍ للإسلام واستبسال قل نظيره.
بتلك القلة القليلة واجه (١٢٠٠٠ مقاتل من الجيش الأموي) وهزمهم من سكّة إلى سكّة، ومن شارعٍ إلى شارع، وتقدّم ليدخل إلى داخل الكوفة.
نتيجة اليوم الأول
وقتل في اليوم الأول من الجيش المعادي (أكثر من ٢٠٠٠ قتيل) وتقدم الإمام زيد (عليه السلام) وهو يقاتل بتلك الفئة المؤمنة، القليلة، الصادقة، الصابرة، الثابتة أشد قتال حتى تمكن من الوصول إلى مسجد الكوفة.
قصة أصحاب المسجد
في مسجد الكوفة كان قد جُمع أهل الكوفة وحوصروا فيه، وأغلقت عليهم الأبواب، ولكن يبدو أن ذلك أعجبهم، فهم غير راغبين في الجهاد، ويبحثون عن الأعذار.
وحينما وصل الإمام زيد (عليه السلام) إلى مسجد الكوفة قام (نصر بن خزيمة) وجعل ينادي المحصورين في المسجد وهو يفتح لهم الأبواب ويقول لهم:- “اخرجوا يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى خير الدنيا والآخرة؛ فإنكم لستم في واحدٍ منهما”.
وبعد أن فتحت لهم الأبواب لم يخرجوا، لقد رغبوا في أن يحبسوا أنفسهم حتى بعدما فتحت لهم الأبواب، لكن الإمام (عليه السلام) واصل مشواره الجهادي.
الشهادة
واستمرت المعركة في يومي (الأربعاء والخميس) بكل استبسالٍ وتفانٍ مع قلة الناصر، وقلة العدة، وفي آخر نهار (الخميس) حسب بعض الروايات أصيب الإمام زيد (عليه السلام) بسهم بجبينه، وفور إصابته قال (عليه السلام):- الشهادة الشهادة الحمد لله الذي رزقنيها).
وارتقى شهيدا في الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام ١٢٢هـ.
في تلك اللحظات التي عاش فيها الشهادة وفراق هذه الحياة كان يعيش الشعور الذي عاشه قبله جده الإمام علي (عليه السلام) حينما قال: ((فزت ورب الكعبة)) مطمئنا على الطريق الذي هو فيه.
الجثمان الشريف نبش وقطع وصلب وحرق
بعد استشهاد الإمام زيد (عليه السلام) دفن جثمانه الطاهر بشكل سري، ولكن اكتشف الأمر، وعرف الأعداء مكان دفنه، فاستخرجوا الجثمان الطاهر ثم قطعوا رأسه الشريف؛ ليطوفوا به في بلدان العالم الإسلامي، وتعاملوا بكل وحشية، الوحشية التي تجسد فيها سوءما عليه الظالمون والمفسدون والطغاة.
ثم صلبوا الجسد الشريف منزوعاً عنه الثياب والملابس، وبقي مصلوباً (لأربع سنوات).
بعد ذلك قاموا بإحراقه بالنار، كانوا يغتاظون، كانوا يرون أثر زيد في الأمة باقياً مستمراً.
بالرغم من قتله،
بالرغم من قطع رأسه،
بالرغم من إرسال رأسه ليطاف به في الآفاق،
لكن أثره كان باقياً فكان ذلك يغيظهم.
أنزلوه بعد (أربع سنوات) من الصلب، وقاموا بإحراقه، ثم بسحقه، ثم ذروا جزءاً منه في “نهر الفرات”. وجزءاً جعلوه في مهب الريح لكي يضيع ”
رحمة الله عليه وسلامه، يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم لقاء الله في موقف الفصل.
……….
دروس من ثورة الإمام زيد (عليه السلام):
مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم مبادئ الإسلام
الإمام زيد (عليه السلام) تحرك لإحياء مبدأ من أهم مبادئ الإسلام، مبدأ حيوي في واقع حياة الأمة، هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا المبدأ المهم العظيم في الإسلام والحيوي الذي يترتب عليه تصحيح واقع الأمة من الداخل، وإصلاح واقعها من الداخل، وتطهير ساحتها الداخلية من هيمنة المفسدين، والجائرين، والظالمين، والعابثين، والطغاة.
الدين بدون إقامة العدل يبقى ناقصا
وحين وقف الإمام زيد (عليه السلام) في ساحة الجهاد وقد خفقت فوق رأسه الرايات قال (عليه السلام): (الحمد لله الذي أكمل لي ديني، لقد كنت استحي من جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) أن أرِدَ عليه يوم القيامة، ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنهَ عن منكر).
هذه النظرة القرآنية هي الصحيحة والسليمة إلى حقيقة الدين.. أن الدين بدون إقامة العدل بدون الوقوف في وجه الظلم؛ يبقى ناقصاً، الإيمان يبقى ناقصاً، غير مكتمل؛ لأن إقامة العدل هدف أساسي لرسالات الله بكلها، كل رسالات الله كان من أهم أهدافها إنقاذ البشر وتخليصهم من استعباد الطواغيت وإنقاذهم من سطوة الظالمين، وطغيان الطغاة، وفساد المفسدين.
مدرسة الطغيان واحدة في كل مكان وزمان
إن الواقع اليوم بكل ما فيه من تحديات وما نواجه فيه من طغيان وجبروت الظالمين ليؤكد أن مدرسة الطغيان واحدة وخريجوها على شاكلة واحدة في كل عصر وفي كل زمن مواقفهم متشابهة ممارساتهم متشابهة مواقفهم متشابهة ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: {أَتَوَاصَوْا بل هُمْ قَوْمُ طَاغُونَ}، والطغيان إنتاجه إنتاج واحد متشابه في الممارسة والسلوك والمواقف والأعمال.
الخوف يكبل الأمة ويفرض حالة الإذلال
الإمام زيد (عليه السلام) كان يدرك خطورة الخوف، وأثره السيئ في تجميد الأمة، وفي تكبيلها، وفي فرض حالة الإذلال عليها، فقال هذه الكلمة: (ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا).
نتائج الخوف
نتيجة الخوف، نتيجة الإذعان لحالة الفزع والجزع من بطش الظالمين وجبروتهم هي الذلة:
-تفرض على الأمة حالة الذل والهوان والاستسلام والعجز.
-وإذا ذلت الأمة كان لديها القابلية أن تذعن لكل ما يعمله الطغاة؛ فلا تقف في وجههم، ولا ضد طغيانهم لو عملوا ما عملوا، (من أحب البقاء، استدثر الذل إلى الفناء).
ومن الدروس التي نستفيدها من نهضة الإمام زيد عليه السلام أنّ:
1-نهضته صنعت وعيًا استمر بعده حتى تفككت دولة بني أمية.
2-نهضته ليست مجرد حدث تاريخي، بل مشروع إلهي مستمر.
3-نهضته درس عملي للأمة في كل عصر، وخاصة اليوم، في ظل طغاة العصر، والتهديدات الشاملة للدين والقيم.
4-نهضته أنجبت نهضة يحيى بن زيد، وأثرت في ثورات خراسان.
5-ضرب نموذجًا في الثبات والاستبسال حتى استشهاده.
6-إن الإمام زيدًا (عليه السلام) قدّم نموذجًا للثائر القرآني، الذي:
لا يسكت أمام الظلم.
لا يركن للطغاة.
لا يفرّط بالمقدسات.
ويقدّم حياته في سبيل إنقاذ الأمة، لا لنفسه. «
…………………………………………….
ماذا يعني انتماؤنا للإمام زيد (عليه السلام)؟
الانتماء إلى الإمام زيد (عليه السلام) انتماء قائم على أساس العلامة الفارقة لتأصيل الجانب الجهادي والثوري، وإلا فالانتماء الثقافي والفكري هو انتماء إلى الثقلين (القرآن وأعلام الهدى من العترة).
الانتماء إلى الإمام زيد (عليه السلام) علامة فارقة لتأصيل حالة الجهاد والثورة، والقيام بالمسؤولية على أساس أنه يمثل الأصالة الحقيقية للخط الصحيح الخط المقترن بالقرآن الكريم داخل أهل البيت عليهم السلام.
وبالتالي فإنَّ الانتماء إليه
انتماء عملي.
انتماء فعلي.
انتماء ثوري.
انتماء جهادي.
لأنه كان رمزاً يدلل على حقيقة الخط الممتد الأصيل: خط القرآن الكريم، وخط أهل البيت عليهم السلام، على خطى جده الحسين (عليه السلام).
……………………………………..
كيف نستفيد من ثورة الإمام زيد في واقعنا اليوم؟
نتعلم من ثورة الإمام الأعظم زيد بن علي (عليه السلام)، ومن جهاده، ومن استشهاده، الكثير من الدروس في الجهاد، في التحرك العملي، في الثبات، في التضحية، في الإخلاص، ومن ذلك:
üالتحرك من منطلق الثقة بالله وفق الرؤية القرآنية وهذا ما أكده الإمام زيد (عليه السلام) بقوله، والفعل، وبدمه، وروحه.
üالوعي والبصيرة بالمبادئ التي ننطلق منها، والأهداف التي نقاتل من أجلها، وهذا ما نادى به الإمام زيد عليه السلام) بقوله: (البصيرة، البصيرة ثم القتال)؛ لأن أول ما تحتاج إليه الأمة هو البصيرة والوعي، حتى لا تضل ولا تُخادع، ولا يؤثر فيها مساعي المضلين والمجرمين.
üالوعي بخطورة الضلال والمضلين، والميل إليهم كما قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسْكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم من دون الله مِنْ أَوْلِيَاءِ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}.
üالثبات على الحق مهما كانت هيبة الطاغوت لقد علمنا الإمام زيد بن علي (عليه السلام) كيف نثبت في وجه الطاغوت، مهما امتلك من إمكانات، ومهما استخدم من وسائل وأساليب، وارتكب من جرائم وتجاوزات، فلا شيء يردعه سوى المواجهة.
üإظهار القوة والصلابة في وجه العدو، سواء:
1-القوة المعنوية التي يصنعها الإيمان الواعي، فيما تعنيه من عزة وشجاعة وصلابة على الموقف في الحق.
2-القوة المادية التي تمثل رادعا قوياً في ميدان المواجهة، كامتلاك السلاح واكتساب الخبرة، وصقل المهارات القتالية.
üمن أحب الحياة عاش ذليلا: لقد علمنا الإمام زيد (عليه السلام) أن الحرية والعزة تمهر بالدماء، وأن السلام المستجدى من العدو يعني الذل كما هو واضح في قوله “والله ما كره قوم قطُّ حرَّ السيوف إلا ذلّوا.”
……………..
ختاما
من وحي هذه الذكرى، ومن واقع المواجهة والتصدي لطواغيت العصر أمريكا وإسرائيل، ومن وحي الروح الثورية التي نستلهمها من جهاد أعلام الهدى من آل بيت النبوة، نؤكد:
-أننا كشعب يمني، ببصيرتنا بإيماننا، بجهادنا، بهويتنا الإيمانية، نقول لكل أصحاب الخيارات الأخرى: خيارات الاستسلام، والخنوع، والخضوع للأعداء، وخيارات الولاء للأعداء، والانضمام في صفهم، نقول لهم: “لا يمكن أن نسكت، والله ما يدعنا كتاب الله أن نسكت! كيف نسكت وأمتنا تستباح؟!” كيف نسكت وشعوب أمتنا تظلم، من فلسطين، إلى اليمن، إلى لبنان، إلى سوريا، إلى العراق، إلى البحرين… إلى مختلف شعوب أمتنا الإسلامية؟! كيف نسكت وشعبنا يعتدى عليه، ويقتل أبناؤه، وتحتل أرضه، ويستباح عرضه، ويحاصر ويجوَّع؟! لا يجوز أن نسكت، لا يدعنا كتاب الله أن نسكت.
-أننا نعيش العزة، ونجسِّد الحرية موقفاً صادقاً، وموقفاً حراً، وموقفاً قوياً، وأن هذه الروح الثورية، وهذا التحرك الصادق، هو الذي سيصل بنا إلى النتيجة الحتمية التي وعدنا الله بها، وهي: النصر {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
-أننا حاضرون للتكامل مع كل أحرار أمتنا في كل قضايا أمتنا الكبرى، وسنضمن لبلدنا أن يكون حراً مستقلاً، لا يخضع لأي احتلال ولا لأي وصاية من أي عدوٍ خارجي.
-أننا شعب حر، كريم، وسنواصل مشوارنا في التصدي للعدوان على بلدنا، وفي نصرة أمتنا في قضاياها الكبرى، لا نتراجع أبداً؛ لأننا اتخذنا قرارنا ببصيرة، وعلى بصيرة.
وأن الخزي والذل والهوان والعار على المستسلمين، واليائسين، والخانعين، والمتنصِّلين عن المسؤولية، والعزة للمؤمنين، والعاقبة للمتقين.

قد يعجبك ايضا