الصرخة من الهتاف إلى المشروع: كيف أعاد الشعار تشكيل الوعي والمواجهة
الحقيقة ـ جميل الحاج
تحلّ الذكرى السنوية لشعار الصرخة في وجه المستكبرين هذا العام في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تتسارع التحولات السياسية والعسكرية، وتتغير موازين القوى بشكل غير مسبوق.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز الشعار كأحد أبرز التعبيرات التي تجاوزت حدودها الصوتية والرمزية، لتتحول إلى مشروع متكامل ارتبط بمسار طويل من المواجهة والتغيير في اليمن والمنطقة.
لم يعد الشعار مجرد هتاف يُطلق في الجوامع والمظاهرات والمناسبات، بل أصبح إطارًا فكريًا وثقافيًا وسياسيًا يعكس رؤية متكاملة تجاه قضايا الهيمنة والاستقلال، ويعبر عن حالة متقدمة من الوعي الجمعي الذي تشكل عبر سنوات من الصراع والتحديات.
يعود ظهور شعار الصرخة الذي أطلقه شهيد القرآن حسين بدرالدين الحوثي ” رضوان الله علية” في 17 يناير 2002م، في مرحلة أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث شهد العالم العربي والإسلامي حالة من الارتباك والخضوع للضغوط الدولية.
في تلك اللحظة، برز الشعار ككسرٍ لحالة الصمت، وإعلانٍ لموقفٍ مختلف يرفض الانصياع ويؤكد ضرورة استعادة المبادرة ومواجهة المخطط الأمريكي والإسرائيلي.
لم يكن إطلاق الشعار حدثًا عابرًا، بل جاء نتيجة وعي مبكر بطبيعة التحولات الدولية، وإدراك لحجم التحديات التي تواجه الأمة، ما جعله يحمل منذ البداية أبعادًا تتجاوز اللحظة الزمنية التي وُلد فيها.
في سنواته الأولى، ظل الشعار محارباً ومحصورًا في نطاق محدد وضيق، لكنه سرعان ما بدأ يتوسع مع تصاعد الأحداث في اليمن.
ومع مرور الوقت، تحوّل إلى جزء من الخطاب العام، وأصبح حاضرًا في مختلف الفعاليات والأنشطة، سواء الرسمية أو الشعبية.
هذا التحول لم يكن عفويًا، بل جاء نتيجة ارتباط الشعار بالمشروع القرآني، الذي سعى إلى إعادة بناء الوعي على أسس دينية وفكرية، وتعزيز الاستقلالية في القرار، إلى جانب اتخاذ خطوات عملية مثل المقاطعة الاقتصادية، باعتبارها وسيلة ضغط في مواجهة قوى الهيمنة.
شهد شعار المسيرة القرآنية محطات مفصلية، خاصة في ظل المواجهات التي تعرّض لها المشروع القرآني المرتبط به.. إلا أن هذه المواجهات لم تؤدِّ إلى تراجعه، بل أسهمت في تعميق حضوره وانتشاره.
ومع كل مرحلة، كان شعار الصرخة يكتسب دلالات جديدة، ويتحول تدريجيًا إلى رمز للصمود والثبات، وقد ساعدت التحولات السياسية في اليمن على إبراز الشعار بشكل أكبر، حيث أصبح جزءًا من المشهد العام، ومكوّنًا أساسيًا في صياغة المواقف السياسية والإعلامية.
أحد أبرز التحولات التي شهدها الشعار هو انتقاله من كونه مجرد تعبير رمزي إلى أداة تأثير فعلي، فقد أصبح يحمل دلالات تتجاوز الكلمات، ليعكس حالة من التحدي والمواجهة، ويؤثر في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي.
وتشير بعض التحليلات إلى أن محاولات التقليل من شأن الشعار لم تنجح، بل على العكس، ساهمت في تعزيز حضوره، حيث أصبح يُنظر إليه كرمز يعبر عن موقف مستقل متحرر من الوصاية الخارجية، ويعكس إرادة مواجهة الضغوط الخارجية.
لم يقتصر تأثير الشعار على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتد إلى البعد النفسي، حيث ساهم في كسر حالة الخوف التي كانت سائدة، وأعاد تشكيل العلاقة مع مفهوم القوة.
فقد تحوّل من مجرد كلمات إلى أداة لكسر الهيبة المعنوية لقوى الهيمنة، وإعادة تعريف موازين القوة، بحيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبح للوعي والموقف دورٌ أساسي في تحديد مسار الصراع مع قوى الاستكبار العالمي.
من أبرز الأدوار التي لعبها الشعار، مساهمته في إعادة تعريف المصطلحات والمفاهيم، خاصة تلك التي استخدمت لتبرير الهيمنة والتدخلات الخارجية، فقد ساهم في كشف التناقضات في الخطاب الدولي، وإبراز ازدواجية المعايير، ما أدى إلى تراجع فاعلية بعض المصطلحات التي كانت تُستخدم لتشويه صورة الجهاد والمقاومة. وبهذا المعنى، أصبح الشعار أداة ثقافية تعيد تشكيل الوعي، وتساهم في بناء خطاب بديل أكثر استقلالية ووضوحًا.
أسهم الشعار في تحويل حالة الغضب الشعبي إلى ما يمكن وصفه بالسخط الواعي، الذي لا يقتصر على التعبير العاطفي، بل يتحول إلى مواقف عملية وقرارات مؤثرة. هذا التحول كان له دور كبير في تعزيز الفعل السياسي والميداني، حيث لم يعد الغضب مجرد رد فعل، بل أصبح جزءًا من استراتيجية مواجهة متكاملة، تعكس وعيًا بطبيعة الصراع وأبعاده.
أحد أهم النتائج التي ارتبطت بمسار الشعار هو تعزيز مفهوم وحدة الساحات، حيث لم يعد الانتماء محصورًا في الجغرافيا الضيقة، بل امتد ليشمل قضايا أوسع.
وقد ساهم هذا المفهوم في تعزيز التضامن بين الشعوب، وإعادة تعريف العلاقات بين القضايا المختلفة، بحيث أصبحت أكثر ترابطًا وتكاملًا.
هذا التحول يعكس انتقالًا من التفكير المحلي إلى رؤية أوسع تتجاوز الحدود التقليدية.
مع تطور الأحداث، لم يعد تأثير الشعار مقتصرًا على الساحة اليمنية، بل امتد إلى المستوى الإقليمي، حيث أصبح مرتبطًا بمواقف سياسية وميدانية تعكس دورًا متناميًا لليمن في القضايا الإقليمية.
هذا الامتداد يعكس تحولًا في طبيعة الدور الذي يلعبه الشعار، من مجرد تعبير محلي إلى عنصر فاعل في معادلات أوسع.
يحظى الشعار بمكانة خاصة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، حيث يُنظر إليه كرمز يعبر عن الهوية والموقف، ويرتبط بقيم الثبات والاستقلال.
وقد ساعدت هذه المكانة في ضمان استمراريته، رغم التحديات والتغيرات التي شهدتها المنطقة.
وعلى مدى أكثر من عقدين، أثبت الشعار قدرته على التكيف مع المتغيرات، مع الحفاظ على جوهره الأساسي.
ختاما وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن شعار الصرخة في وجه المستكبرين يمثل تجربة فريدة في التحول من هتاف رمزي إلى مشروع متكامل متعدد الأبعاد.
فقد نجح في إعادة تشكيل الوعي، وتعزيز الموقف، والمساهمة في صياغة واقع جديد يتسم بدرجة أعلى من الاستقلالية والقدرة على المواجهة.
وبينما تستمر التحولات الإقليمية والدولية، يبقى الشعار حاضرًا كأحد أبرز العناوين التي تعكس مسارًا مستمرًا من التحدي والتغيير، ومؤشرًا على مرحلة لم تكتمل بعد، لكنها تفتح آفاقًا واسعة لمستقبل مختلف.