جريدة لندنية : هكذا أدخل اليمن النظام الدولي في تحد وجودي عندما أصر على إخراج الأمة من دائرة الوجود

 

 ماذا خسروا عندما أغلق اليمن باب المندب؟

فجأة  نكتشف أن لنا أبحر وممرات يقف العالم على أبوابها.. ونكتشف أن بإمكاننا التأثير على الاقتصاد العالمي وإدخال النظام  الدولي في تحد وجودي عندما يصر على إخراجنا من دائرة الوجود.. فجأة تبرز أهمية البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب ومضيق هرمز ومضيق جبل طارق.. ولعل هذا الاكتشاف من أحد بركات طوفان الأقصى عندما استقبله رجال مؤمنون بوحدة المصير.. مضيقان عربيان يمر عبرهما أكثر من 80 بالمائة من النفط المنقول بحرا على مستوى العالم.. وهذا المنقول هو من بلاد العرب والمسلمين التي تتوحد بجغرافية عبقرية في الوسط من العالم بإرث حضاري عظيم وتجانس سكاني ليس لمثلها في العالم تتحكم بمصير البشرية و إمكانات تطورها.. ولكنها مغيبة مبنّجة مستحمرة.. حتى جاء الطوفان ليكشف عوارنا، وحجم مخطط الأعداء في إبعادنا عن أنفسنا.
تجريدنا من كل عناصر القوة:
من كان يعرف قبل الطوفان أننا نمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي، وحركة التجارة العالمية، وأنه يمكن لقوة متواضعة من أمتنا إذا تحركت متحررة من قيودهم أن تتحكم في اقتصاد العالم وتهزه بعمق.. ذلك هو الطوفان: يضيء على عناوين النفط والممرات المائية، والإنتاج المحلي الإجمالي، ونفقات العدوان.. تغيرات عميقة في طبيعة المعطيات الدولية والإقليمية، وتغيير مهمات الكيانات والسياسات..
عندما تحولت أمتنا مجرد ملفات على طاولة صانع القرار الغربي الاستعماري، يرسم سياقاتها طوابير المستشرقين المتخصصين كانت العملية متكاملة لإخراجنا من مسرح الحياة حضاريا ان لم يكن وجوديا.. فعمدوا الى هويتنا الحضارية وانتمائنا فسلطوا عليه شذاذ الافاق من نخب لائكية منقطعة الجذور ومشوهة التصور ومرتبطة بمؤسسات استعمارية للعبث في المقدس ومحاصرته وتنحيته عن مصدر التوجيه والتشريع والقيم.. وعمدوا الى ثرواتنا الطبيعية نهبا وتبخيسا ولتكون هي سبب تقدمهم المادي وصناعة السلاح الذي يعود الينا فتكا وتدميرا.. وعمدوا الى جغرافيتنا فانتزعوا منها مفاصلها بحجج انها مواقع للنشاط الدولي ولنا ان نكتشف السخافة في تلك الشعارات عندما نتخيل ان لأمريكا الحق في التمترس في الخليج العربي او بحر العرب او البحر الأحمر.. وعندما يصبح باب المندب ومضيق هرمز معبرا للسفن المعادية لأمننا القومي والمحاربة لشعوبنا..

كل شيء مستباح في أمتنا ومحكوم لمصالح كبار الأشرار الرأسماليين المتحكمين في واقع البشرية من خلال الشركات العملاقة والبنك المركزي الأمريكي وصندوق النقد الدولي وسواه من المؤسسات التابعة التي تخضع لمنظومة رأسمالية تصنع الحروب والآفات والمقاتل في البشرية لمزيد من التحكم وصناعة عالم على مزاجها ورؤيتها الأيديولوجية.
فلا اسلام بقي لنا فلقد صنعوا لنا اسلامات عديدة ليس فقط داعش وجماعات الإرهاب بل وحتى جماعات الاعتدال او الإسلام المعدل والمعلب وربطوا الإسلام بمقاود التأبيد بعيدا عن أي حركة ذاتية من لدن أفكاره ومنهجه.. وعاد الإسلام غريبا لا يكاد يستقر على قدمين، ولا عروبة بقيت لنا بعد ان اخترقوها بقيم التفسخ والميوعة والاستئناس مع العدو تحت سطوة الخديعة واوهام حماية الكيانات السياسية القائمة فكيف يمكن تفسير شكوت العرب عن مظلمة تلحق بخوانهم في فلسطين تهددهم بالإبادة ولا يستجيب ملايين العرب لاستنخائهم.. ولم يعد لنا من ثرواتنا الا الأسماء ففي بلاد العرب والمسلمين التي حباها الله بكل الثروات الأساسية تعيش شعوبنا العوز والفقر والجوع والمرض والجهل والتخلف المدني غير المبرر..
انها عملية مركبة من التخطيط التي لا تتوقف عند مستوى معين بل تمس كل مكوناتنا الذاتية من دين ولغة وامكاناتنا المادية لتجردينا من أي مؤهل للمستقبل وكان وجود الكيان الصهيوني في اقدس بلاد العرب وأكثرها بركة اخطر تحدي يتم من خلاله مراقبة الجسد العربي المخدر وفي كل مرة يحاول هذا الجسد النهوض من اجل فلسطين او اجل الحرية والاستقلال والسيادة والوحدة يتم ضربه بصاعق كهربائي رهيب كما تم مع العراق وليبيا.. ومن هنا يتم النظر الى ارتدادات فعل طوفان الأقصى.. الى أي المواقع تمكن من الوصول وعلى أي مستوى؟
الاقتصاد العالمي وباب المندب:
الاقتصاد الأمريكي والغربي والصهيوني ليس فقط في مواجهة أزمات إنما تحديات عميقة من شأنها نسف اسسه وإلقاء حجارة ضخمة في طريق مسيره.. لم تكن حركة التجارة الدولية مستعدة لهذا الانقلاب الكبير

وهناك من سينتعش ويرفع عنه حصار لم يكن ليرفع لولا الطوفان كما يحصل مع النفط الفنزويلي والنفط الإيراني.. انها التحولات والتأثيرات العميقة في اقتصاد العالم .

وهنا لابد من القاء بعض الضوء على الأهمية الجيواستراتيجية للبحر الأحمر فهو بحيرة عربية بامتياز على شطآنه تقع فلسطين ومصر والسودان وجيبوتي والصومال واليمن والسعودية والأردن وهو أهم طرق الملاحة في العالم لربطه بين قارات ثلاث افريقيا واورباء واسيا، وتمثل قناة السويس في شماله شريانا ملاحيا ذا أهمية استراتيجية دولية. حيث توفر الوقت والتكلفة.. الا ان ذلك أهميتها ترتبط بشكل كبير بباب المندب فلقد صرح الرئيس المصري ان الأوضاع الحالية في باب المندب خفض دخل قناة السويس الى النصف.
باب المندب في موقع استراتيجي في جنوب جزيرة العرب عرضه في أضيق عرضه 18 ميلا بحريا  ما يجعل حركة الناقلات أكثر صعوبة لذلك تقتصر على قناتين للشاحنات الواردة والصادرة تقسيمهما جزيرة “بريم” ولقد كان للمضيق أهمية عسكرية كبرى في حرب 1973 حيث أغلقت البحرية اليمنية والمصرية باب المندب أمام السفن الامريكية والصهيونية 6 اشهر متتالية.. وحسب معلومات الطاقة الامريكية هو ممر تعبره السفن بأكثر من 12 بالمائة من الامداد العالمي من البترول و 8 بالمائة من الغاز المسال وكذلك 40 بالمائة من حجم التجارة بين اسيا وأروبا..
تلقت شركات النقل البحري ضربة موجعة في البحر الأحمر نتيجة تدخل اليمنيين في إيقاف الامداد البحري للكيان الصهيوني طالما ان هناك عدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ثم تطور المواجهة لتشمل السفن والمدمرات الامريكية والبريطانية التي تدخلت دفاعا عن السفن المتوجهة الى الكيان الصهيوني.. ولقد كان الرد الأمريكي كافيا للكشف عن النية الامريكية المبيتة لعدم إيقاف العدوان الصهيوني على قطاع غزة..
وكان للموقف العملي اليمني الدور الواضح على تحويل ميناء ايلات الى اشباح فارغ من أي حراك فلقد اندفعت شركات النقل إلى الابتعاد عن المرور من باب المندب وتحويل مساراتها، ما ضاعف بثلاثة أضعاف مدة وصولها إلى الموانئ الفلسطينية المحتلة. وهكذا أصبحت السفينة التي تحتاج أسبوعا في العادة للوصول الى موانئ فلسطين المحتلة تحتاج الى اكثر من 3 أسابيع.
ولقد دفع الوضع الأمني بشركات التأمين إلى فرض رسوم إضافية على الحاويات، ووصلت الرسوم إلى نحو 65 في المائة من قيمة السفينة، تماشيا مع تكاليف الرحلة ومدة الوصول، التي تضاعفت بالإضافة إلى مخاطر الحرب بالإضافة إلى مضاعفة العمل في الميناء بسبب الوضع الراهن خاصة فيما يتعلق بالتنسيق.. ومن جانبها، قالت هيئة الضرائب الصهيونية إنها تعوض السفن التي تعرضت لأضرار الحرب بنسبة 100%.
وعلى الصعيد الدولي اتجهت كثير من شركات الملاحة الى تغيير مسارها كان اخرها شركة “بي بي ” البريطانية التي أوقفت شحناتها عبر البحر الأحمر الامر الذي يثير القلق حول الامدادات النفطية العالمية والامر نفسه أقدمت عليه كبريات شركات الملاحة العالمية على شاكلة شركة شحن الحاويات الفرنسية “سي ام ايه سي”.. وفي هذا المناخ ارتفعت تكلفة الشحن الى أسيا الى 182 بالمائة فلقد ارتفع تأمين السفن من 30 ألف دولار الى 83 ألف دولار يوميا..
يهتز سوق النفط والغاز في مناخ من الاضطراب والفوضى الناتج عن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي الأمر الذي دفع الى تراجع الطلب فلقد بلغ النفط في سنة 2022 مبلغ 100 دولار للبرميل بسبب الازمة الأوكرانية الا انه انخفض في سنة 2022 حيث بلغ 80 دولار للبرميل.. وهو يرتفع في ظل التأخر القائم الان نتيجة القلق بشأن الامدادات وتأخرها وبسبب توجه الروس لتخفيض الإنتاج مجددا.. وهكذا تصبح الأخطاء الجيوسياسية مصدرا لدفع ارتفاع سعر النفط.. الامر الذي دفع الامريكان الى رفع العقوبات عن النفط الفنزويلي بحيث ستضخ فنزويلا  مليون برميل يوميا.. وهذا يعني عدم الاستقرار الذي سينشأ عنه بعد قليل من الوقت تدني سعر النفط في مقابل تراجع الطلب في واقع الازمات الاقتصادية التي تعاقبت بفعل الكورونا وأزمة أوكرانيا وتأتي ازمة باب المندب لتربك المشهد كله كما قالت “كريستا ليناجورجيفا” المديرة العامة لصندوق النقد الدولي: “ان الحرب في غزة وتوسعها أضرت باقتصاديات الشرق الأوسط وشمال افريقيا” وقد أشارت بوضوح الى ” ان طول الحرب سيحمل تبعات سلبية تشمل الاقتصاد العالمي”.
بدائل باب المندب:
باب المندب هو بوابة العبور الى موانئ عديدة تشاطي سواحل البحر الأحمر وبإغلاقه أمام السفن الصهيونية او الذاهبة الى الكيان الصهيوني وكذلك امام السفن الامريكية والبريطانية  من شأنه التأثير بشكل مباشر على حركة التجارة مع المتشاطئين عليه يتم شلل كبير لبعض من أنواع التجارة مع الإقليم او التجارة الدولية العابرة من قناة السويس..
ولهذا فان الشركات الكبرى تفكر كما الدول إقليميا وعالميا ببدائل عن باب المندب أي ببدائل عن قناة السويس..

حيث يتم التفكير والعمل بسلوك طريق رأس الرجاء الصالح 3500 ميل بحري، وما يترتب على ذلك من تكاليف عالية
وهناك محاولات من الدول للبحث عن بدائل لقناة السويس فيما تروج روسيا لبحر الشمال بديلا عن قناة السويس، وهو ممر تجاري يمتد على طول الساحل السيبيري.. ولكنه يظل ممرا هامشيا وثانويا لا يمكنه ان يكون بديلا عن قناة السويس.
كما أن ايران تبحث عن بديل عبر ميناء تشابهار والذي يمثل حلقة وصل مع الهند ويكون بديل لنقل البضائع الى اوربا عبر ايران خلال 20 يوم مع تكاليف منخفضة نسبيا.. لكنه عمليا يصطدم بتحديات لوجستية وسياسية معقدة.. كما أنه لا يمكن ان يكون بديلا عن قناة السويس وما يمر عبرها من سفن نفط وغاز.
كما أن الاتراك يفكرون ببديل عبر ممر نقل يمتد من ميناء الفاو العراقي في البصرة الى ميناء مرسين التركي وهو يربط الشرق بالغرب وهو محتمل ان يكون بديلا استراتيجيا عن قناة السويس.. لكنه غير عملي حتى اللحظة وغير مضمون ومرتبط بشروط سياسية وامنية معقدة تجعل منه خيالا اقرب منه الى الواقع الامر الذي يجعل باب المندب وقناة السويس الخيار الأفضل رغم الخسارات التي منيت بها مصر جراء الأوضاع الحالية.
ولكن كل هذه البدائل في دائرة الأماني لهذه الدول ثم انها لا تحمل نوعية الحمولات التي تستوعبها قناة السويس التي تظل ممرا استراتيجيا لا يمكن الاستغناء عنه وهو عبارة عن شريان أساسي في ربط الشرق بالغرب.. لذلك سيبقى ممر باب المندب حاضرا بأهمية استراتيجية خاصة متقدمة.
ولم تتأخر الهند عن العمل الدؤوب مع الكيان الصهيوني في التخطيط لممر مائي يبدأ من ايلات وينتهي بالبحر المتوسط في جوار غزة وهذا هو الأكثر خطورة في تهديده لقناة السويس.. ولكن هذا العمل سيجد تهديدا مستمرا لانه مرتبط بباب المندب ثم انه يقع في دائرة المواجهات الأمنية في المنطقة الامر الذي يجعل التفكير به مغامرة على كف عفريت.. ليعود الاعتماد مجددا على الوضع الأمني في باب المندب.
كلمة أخيرة:
هل يمكن تفعيل أوراق القوة بأيدينا؟ هذا السؤال الذي طرحته محاولة اليمن في التحكم بباب المندب اي باب البحر الأحمر وكذلك بحر العرب.. وحققت القوات العسكرية اليمنية وجودا فاعلا في منع السفن المتوجه للكيان الصهيوني بل والرد على المدمرات الامريكية والبريطانية في البحر.. واستطاع اليمن ان يحدث الاستثناء والاختراق في الوضع العربي المتراخي والمترهل، وكما كان صمود الشعب الفلسطيني وروعة مقاومته درسا كبيرا للعرب بنخبهم الثقافية والسياسية بل ولجيوشهم ان لا تخافوا من الكيان الصهيوني فهذا محض خدعة كبيرة.. بالضبط جاء الفعل اليمني ليقول للدول العربية الكبيرة وجيوشها واسلحتها انه بإمكاننا ان ندافع عن شرفنا ومقدساتنا ونرد الطغيان فهذا هو البلد العربي المهدود والمنهك يوقف الإدارة الامريكية والبريطانية على رجل واحدة..
ان انخراط اليمن في المواجهات في الدفاع عن قطاع غزة يجسد اصرة الدم والدين والشرف والحرية والكرامة ولهذا سيسجل التاريخ لليمن انها تقدمت يوم تردد كثيرون وخان كثيرون والله غالب على أمره.

 

 

المصدر : رأي اليوم اللندنية:صالح عوض

قد يعجبك ايضا