صحيفة الحقيقة العدد “240”: دروس من هدي القرآن للشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه

الاعتصام بحبل الله

نحن نقرأ الآيات الكثيرة التي فيها جهاد ولكن كأن الله طلب منا أن نجاهد ثم لم يعمل شيئاً ليجعلنا بمستوى أن نجاهد، ولم يعدنا بشيء! هو وعد – كما قلنا من خلال هذه الآيات – وعد بأن ينصر، ووعد بأن يهيئ الأجواء أيضاً، ومتغيرات، متغيرات أمور، ووعد أيضاً بأن يكون العدو على هذه الحالة التي يصبح فيها غير قادر أن يمسك إلا بما هو أذى {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}.

نحن نقرأ هذه الأشياء لكن في واقعنا كأنها مسؤولية الآخرين! هذه الآيات التي نقرأها في سورة [آل عمران] هل تعنينا أو لا تعنينا؟ عندما يقول بعدها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} جاءت بعد هذه الآية: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوْتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} يبين لكم هذه الحقائق: أن الأشياء لا بد أن تتوفر لديكم لتهتدوا فتكونوا بمستوى أن تواجهوا أعداءكم، أولئك الذين يعملون جاهدين على أن يردوكم بعد إيمانكم كافرين.. إذا كنتم يهمكم هذا الأمر، ويؤلمكم ويحزنكم أن ترتدوا بعد إيمانكم كافرين فهنا الهداية {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى ما يجعلكم بمستوى مواجهتهم.

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ثم قال بعد:  {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (آل عمران106- 107)، ثم قال ماذا؟ {تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} لأنه يهمنا أمركم، لا نريد أن تُظلموا، لا نريد أن ترتدوا بعد إيمانكم كافرين، لا أريد أن تضطهدوا؛ لأنه قال: {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} نحن نستخدمها في مجال الاستدلال على جانب العدل.

{تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} الذي لا يتخلف ولا ريب فيه {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} فلذلك يهدي، يهدي هذه الفئة لتنطلق لأن لا تظلم، وهي عندما تهتدي، وتنهض بمسؤوليتها ستحقق للعالم العدل؛ لأن الله لا يريد ظلماً للعالمين جميعاً.

فعندما فرطنا ظُلمنا، وظُلم العالم كله بسبب تفريطنا؛ لأنه عندما تمكن بنو إسرائيل، وتمكنت الفئات الأخرى، ألم يسد الظلم؟ ألم يسد الفساد؟ عندما يقول لك في القرآن الكريم: أنه يريد أن يظهر دينه على الدين كله، وأنه دين للناس جميعاً، أليس يعني أن ذلك من الطبيعي أن يكون بواسطة العرب أنفسهم؟.

 

بواعث الأمل بالنصر

من مظاهر رحمة الله  أنه يهدينا؛ لأنه لا يريد ظلماً للعالمين، ثم قال بعد؛ ليفهم الناس أنه عندما يأمرهم ليكونوا بمستوى المواجهة، عندما يجعلوا من أنفسهم أمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو مجال واسع جداً. يقول: {وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أليس هذا يبعث الأمل؟ أنا عندما آمركم، عندما أهديكم، كأنه يقول لنا هكذا: أنا من بيدي ملك السموات والأرض، وبيدي الأمور كلها، أستطيع أن أصنع المتغيرات، أستطيع أن أهيئ الأجواء، أستطيع أن أجند كلما هو من جندي في ماذا؟ في تأييدكم، وفي الوقوف معكم.

{وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} ألم يذكِّرنا بالمسؤولية؟ لأن أهل الكتاب فرطوا {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}، {لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} فأنتم إذاً الأمة البديلة لبني إسرائيل، لأهل الكتاب، أخرجتم لتكونوا أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر في أوساط الناس جميعاً {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.

ما العلاقة بين أن يقول: {وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} وبين ما قبلها، وبين ما بعدها؟ أليس هذا إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يهيئ؟ لكننا أصبحنا لا ننظر إلى موضوع جهاد، أو موضوع أمر بمعروف، أو نهي عن منكر إلا باعتبارها مفردات تشريع ليس حولها أي شيء، وننسى أن التشريع من الله سبحانه وتعالى يقوم على أساس أنه رحمن رحيم، وأنه حكيم، وأنه ملك بيده السموات والأرض، ومن الطبيعي أن رحمته تقتضي أنه متى ما كلفنا بشيء وإن بدا شاقاً أمامنا فإنه يحيطه بكل الأشياء التي تجعله سهلاً، وتجعله ممكناً.

فنحن إذاً – كما قلت سابقاً – إذا ما رجعنا إلى كتاب الله الكريم، وهذا ما أريده منا جميعاً في هذه الجلسة، وهو ما كنت أريد أن يكون هو موضوع هذه الجلسة هو: أن يكون هناك عودة صادقة من جانبنا إلى القرآن الكريم، نتأمله جيداً، ونتدبر آياته، نتدبر آياته، نتأملها، ونقرأ الأحداث من خلالها، ونقرأها ونحن نحمل الأحداث لنعرضها على القرآن الكريم، من أجل أن نهتدي بالقرآن الكريم، وسنعرف في الأخير، نعرف وضعنا الذي نحن فيه، ذلك الوضع الذي نجعله أمراً طبيعياً بالنسبة للدنيا نقول: [هذا حال الدنيا]! ليست هذه حال الدنيا، هذا هو حال المقصرين، هذا هو حال المفرطين، هذا هو حال العاصين.

 

الذلة في الدنيا لا تولد الرفعة في الأخرة

+الله سبحانه وتعالى وعد بأن يقف مع من ينصره، وينصر دينه، وعود بأنه يهيئ الأجواء، وعود بأنه سيضرب العدو قبل أن تضربه أنت: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى} هدايات واسعة جداً في القرآن الكريم تؤهل الناس بالشكل الذي ترى كل شيء أمامك يسيراً، بالشكل الذي يرى الناس أن كل مستحيل يسير لو نعود إلى القرآن الكريم.

لكننا ننسى آيات الله، ونتعلم علوماً، وننشغل بقواعد تؤثر على فطرتنا، وتبعدنا عن الإهتداء بالقرآن الكريم! فهل يتوقع الناس، هل نتوقع بعد هذا الخزي، بعد هذه الذلة، بعد هذه الضعة، بعد هذه المعيشة الضنكا، أوليس الناس في معيشة ضنكا؟ هل نتوقع نعيم مقيم, ودرجات العالية؟! نستعرض هذه الحالة على القرآن الكريم، كلنا نجد أنه يربط بين العزة هنا وبين العزة في الآخرة، بين الكرامة هنا وبين الكرامة في الآخرة، بين العلو على أساس دينه هنا وبين العلو في الآخرة، ويربط بين الشقاء والذلة والخزي هنا وبين الذلة والخزي في الآخرة.

لكننا نحن نقول بالمقلوب: [هذا حال الدنيا، وأهل الحق يكونون هكذا، والدنيا هكذا]! ما كلنا نقول هذه؟ وأطيبنا هو من يحمِّل الدنيا هذه الوضعية السيئة، أكثرنا تقوى هو من يتجه ليحمِّل الدنيا المسؤولية! هو يحمِّل الله المسؤولية أنه طبع الدنيا على هذا النحو!.

نرجع إلى القرآن الكريم، هل فعلاً هذه حقيقة، أنه طبع الدنيا على هذا النحو، أم أنه قال: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} ألم يتحدث بأن الدنيا، كل ما يحدث فيها مما هو ليس طبيعي: فساد، منكر، إذلال، خزي، هو من عمل الناس، من عمل المجرمين ضد الآخرين، ومن عمل المؤمنين هم بتقصيرهم، في تقصيرهم، تقصير يؤدي إلى هذه الحالة: {لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

فنحن عندما نكون طلاب علم يجب أن نهتم اهتماماً كبيراً بالقرآن الكريم، وننظر إليه نظرة من تهمه هذه الأوضاع التي نعيش فيها، وأن نعرض هذه المشاعر التي لدينا مشاعر مغلوطة [بأن هذا حال الدنيا]، مما قد يوحي للبعض، أو قد يكون ممن يرى نفسه مؤمناً، يوحي له بأنه [أيام معدودة، نصبر عليها، ثم في الآخرة – إن شاء الله – ننتقل إلى العزة والكرامة والرفعة والنعيم المقيم في الجنة]! كلنا نظن هذا جميعا، وكلنا نقول هذه جميعاً!.

وعندما يتأمل الإنسان القرآن الكريم بشكل حقيقي يرى أن هذه ليست حقيقة: أنك تكون في الدنيا تعيش حالة خزي، وذلة، وتنتظر في الآخرة رفعة، وعلواً، ونعيماً مقيماً. ثم هل ما يصيب المؤمنين وهم في حال المواجهة، هل هو يعد من الخزي، والذلة؟ لا يعد أبداً؛ لأنك عندما تنطلق في ميدان المواجهة في سبيل الله، وضد أعداء الله، تعيش حالة من الارتياح فيما أنت عليه، وما يصيبك من عناء، ما يصيبك من تعب ليس معدوداً في قائمة الذلة، وليس معدوداً في قائمة الخزي في القرآن الكريم أبداً، معدودة كلها أعمال صالحة، تعد كلها أعمال صالحة، ويكون من هو منطلق في هذا الميدان في سبيل الله، ومن أجل الله يعدها كلها أعمال صالحة، لا يشعر أنها خزي، ولا يشعر أنها ذلة.

 

 

قد يعجبك ايضا