عدن والمحافظات المحتلة تحت وطأة الانهيار: عصيان مدني وغضب شعبي يكشفان عمق أزمة الخدمات والانفلات الأمني
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
دخلت الاحتجاجات الشعبية في مدينة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، مع اتساع رقعة الغضب الشعبي نتيجة الانهيار المستمر للخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، وتفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، الأمر الذي دفع المحتجين إلى تبني خطوات تصعيدية شملت العصيان المدني وإغلاق الطرقات الرئيسية وتعطيل الأنشطة التجارية، في مشهد يعكس حجم الاحتقان الشعبي المتزايد وحالة السخط تجاه أداء السلطات التابعة للاحتلال.
ولم تعد الأزمة التي تعيشها عدن المحتلة مجرد مشكلة خدمية عابرة مرتبطة بانقطاع التيار الكهربائي أو تدهور بعض الخدمات العامة، بل تحولت إلى أزمة مركبة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية وإنسانية، كشفت عن تحديات عميقة تواجه المؤسسات المعنية في إدارة الملفات الحيوية، في ظل تصاعد الاتهامات بالفشل الإداري لحكومة المرتزقة التابعة للاحتلال، وغياب الحلول المستدامة، واستمرار معاناة المواطنين الذين باتوا يدفعون الثمن الأكبر لهذه الاختلالات المتراكمة.
شهدت مدينة عدن حالة من العصيان المدني الجزئي، تزامناً مع خروج احتجاجات شعبية غاضبة احتجاجاً على الانهيار المتواصل لمنظومة الكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية. وامتدت موجة الاحتجاجات إلى مدينة سيئون، حاضرة وادي وصحراء حضرموت، حيث سادت حالة من الشلل الجزئي في عدد من المرافق والأسواق.
وأكدت مصادر محلية أن المحتجين عمدوا إلى إغلاق عدد من الشوارع الرئيسية وإحراق إطارات السيارات، ما أدى إلى تعطيل حركة السير في مناطق متعددة. كما استجابت الأسواق والمحال التجارية لدعوات العصيان المدني، وأغلقت أبوابها تضامناً مع المطالب الشعبية المطالبة بتحسين الخدمات الأساسية ووقف التدهور الاقتصادي المتسارع.
لم يتوقف الغضب الشعبي عند حدود عدن المحتلة، بل امتد ليشمل محافظة حضرموت المحتلة، فقد شهدت مدينة المكلا احتجاجات غاضبة على تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء، أقدم فيها المواطنون على قطع خطوط السير الرئيسية في عدد من المناطق.
وندد المتظاهرون بتدهور خدمة الكهرباء وانقطاع التيار لفترات طويلة، ما فاقم معاناتهم وسط ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، محملين قوات الاحتلال وحكومة الفنادق مسؤولية تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء في ظل الصيف الخانق الذي يحول حياة المواطنين إلى جحيم.
وتعكس هذه التحركات الشعبية حجم الاستياء المتنامي في أوساط المواطنين الذين يواجهون منذ سنوات ظروفاً معيشية قاسية، ازدادت حدتها مع الانهيار المستمر للعملة المحلية التابعة للمرتزقة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
تزامناً مع اتساع رقعة الاحتجاجات، برزت اتهامات باستخدام القوة لتفريق المتظاهرين، الأمر الذي أثار ردود فعل حقوقية واسعة.
ودعت منظمتا “هيومن رايتس ووتش” و”سام للحقوق والحريات” إلى إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في حوادث إطلاق النار التي طالت محتجين خلال الفعاليات الاحتجاجية، محذرتين من خطورة تصاعد الانتهاكات ضد المتظاهرين السلميين.
وأشارت تقارير محلية إلى وفاة شاب متأثراً بإصابته بطلق ناري خلال احتجاجات مدينة سيئون.
كما أفادت تقارير بإصابة مواطن برصاصة في الرأس خلال احتجاجات شهدتها مديرية دار سعد بمدينة عدن، في أحداث زادت من حالة الغضب الشعبي تجاه أساليب التعامل مع المتظاهرين.
ويُدرك أحرار عدن والمحافظات المحتلة أن الخلاص من جحيم الأزمات الخدمية والمعيشية، ورحيل المحتل وأدواته العبثية واستعادة السيادة الوطنية، مجرد وقت ليس إلا؛ إذ إن حالة الاحتقان المتصاعدة والغليان الشعبي، تؤكد أن صبر المواطن قد نفد، وأن عروش الفساد والارتهان أوهن من أن تقف أمام طوفان الغضب القادم.
وفي ظل الأزمة الخدمية والمعيشية المتفاقمة، شهدت مدينة عدن جريمة دموية جديدة تكشف حجم الانفلات الأمني والانهيار الأخلاقي والسياسي داخل المحافظات الجنوبية والشرقية الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان والاحتلال السعودي الإماراتي، اهتزت مدينة عدن على وقع عملية اغتيال طالت أطباء سوريين يعملون في اليمن منذ سنوات طويلة.
وأثارت هذه الحادثة موجة واسعة من الحزن والاستنكار، خاصة أنها استهدفت كوادر طبية خدمت المجتمع اليمني لسنوات، كما أعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية وانتشار السلاح والمظاهر المسلحة في عدد من المناطق.
هذه الحادثة الأليمة تكشف للرأي العام المحلي والدولي، أن مدينة عدن والمحافظات المحتلة باتت طاردة لكل مظاهر الحياة والكفاءة، وأن الخلاص الحقيقي لحماية الإنسان اليمني والوافد، يكمن في تطهير هذه المناطق من دنس الاحتلال، وإنهاء سلطة المليشيات المسلحة الإجرامية، وإسكات أبواق الفتنة والتحريض، واستعادة دولة النظام والقانون التي تبسط أمنها بحس وطني وديني مسؤول فوق كل شبر من أرض الوطن.
وفي صورة تختزل حجم المأساة، يظهر مئات المواطنين في مدينة عدن المحتلة مفترشين الأرصفة والطرقات ليلاً، هاربين من منازلهم التي غدت أشبه بأفران الخبز. يفترش العدنيون الأرض بحثاً عن نسمة هواء باردة تخفف عنهم جحيم الصيف العدني، في مشهد يختصر خيبة أمل عميقة بحكومة الفنادق المرتهنة للخارج، التي تجاهلت معاناة الناس، رغم إدراكها أن عدن مدينة يلفها البحر برطوبته الخانقة، وأن تركها بلا كهرباء هو وصمة عار.
تعيش مدينة عدن المحتلة فصلاً مأساوياً جديداً من أزمتها الخدمية، إذ تحولت الأرصفة إلى غرف نوم، والمستشفيات إلى ساحات موت، فيما يواصل الأهالي اعتصامهم المفتوح مطالبين بوضع حد لمعاناتهم المستمرة. الأزمة لم تعد ظرفية، بل أصبحت كارثة هيكلية تهدد بانفجار شعبي واسع يمتد إلى بقية المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة.
وفي ظل الانقطاع المتواصل للكهرباء وجد أهالي عدن أنفسهم مجبرين على افتراش شوارع المدينة هرباً من جحيم المنازل التي تحولت إلى أفران خانقة، معلنين اعتصام غضب مفتوحاً ضد حكومة الفنادق وقوات الاحتلال السعودي، في مشهد يعكس حجم الانهيار الخدمي والمعيشي الذي يهدد حياة السكان.
وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة لنقل معاناة المواطنين، حيث تداول ناشطون مقاطع فيديو وصوراً توثق الأوضاع الصعبة التي يعيشها السكان، وسط مناشدات متكررة بضرورة إيجاد حلول عاجلة للأزمة.
إن هذه المعاناة نتاج تراكمي لفساد الخونة والعملاء، وارتباطهم بتنفيذ مخططات الغزاة المحتلين، ونتيجة لأوضاع معيشية قاسية يُعاني منها المواطنون جراء الانهيار المستمر لقيمة العملة الوطنية، والارتفاع الجنوني في الأسعار، وتداعيات أكثر من عقد من الحرب المستعرة، التي استنزفت مقومات الحياة ومدخرات وإمكانات الصمود هناك، خدمة للعدو الأجنبي.
على مدى السنوات الماضية، لم تعد أزمة الكهرباء في عدن مرتبطة بمواسم الصيف فقط، بل تحولت إلى أزمة هيكلية مستمرة على مدار العام.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ساعات الانقطاع الكهربائي سجلت مستويات مرتفعة خلال الأعوام الأخيرة، في وقت تعاني فيه محطات التوليد من مشكلات متعددة، تشمل نقص الوقود، والأعطال الفنية، وعدم كفاية القدرة الإنتاجية لمواكبة الطلب المتزايد على الطاقة.
كما أثارت التحديات التي واجهتها بعض المحطات الرئيسية تساؤلات حول مدى كفاءة البنية التحتية الحالية، وقدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وأشارت تقارير رقابية وإعلامية إلى وجود ملاحظات تتعلق بعقود الطاقة المشتراة، وآليات التعاقد الخاصة بتوفير الوقود وتشغيل المحطات، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن كفاءة الإنفاق وفعالية الإجراءات المتخذة لتحسين الخدمة.
كما سلطت تقارير استقصائية الضوء على اختلالات إدارية ومالية مرتبطة ببعض المشاريع والعقود، الأمر الذي عزز المطالب بإجراء مراجعات شاملة ونشر نتائج التحقيقات للرأي العام، لضمان الشفافية والمساءلة.
وتعيش عدن والمحافظات المحتلة اليوم على فوهة بركان من السخط الشعبي العارم جراء الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي شبه المعدوم في ظل أجواء صيفية لاهبة تلتهم أجساد المواطنين، وسط تصاعد حدة الانتقادات والاتهامات الشعبية والمحلية لحكومة الزنداني بالفشل الذريع والفساد في إدارة ملف الخدمات الأساسية، مما يضع عدن والمحافظات المحتلة أمام سيناريوهات مفتوحة على العصيان المدني الشامل واقتلاع ما تبقى من حضور متهالك لمؤسسات التحالف.
ختاماً: تكشف التطورات الأخيرة في عدن والمحافظات الجنوبية عن حجم التحديات المركبة التي تواجه السكان، في ظل تداخل الأزمات الخدمية والاقتصادية والأمنية في ظل الاحتلال.
وتؤكد الشواهد الميدانية أن المعاناة الخدمية والمعيشية التي تشهدها المحافظات المحتلة ليست وليدة اللحظة، بل تأتي نتاجاً مباشراً للسياسات الإجرامية والممنهجة التي يُمارسها الاحتلال السعودي والإماراتي في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة.
وسط إصرار تحالف الاحتلال وأدواته من المرتزقة على إبقاء أبناء المحافظات المحتلة تحت وطأة الأزمات المتلاحقة من انقطاع الكهرباء والمياه وانهيار العملة المحلية، ما يمثل عقاباً ممنهجاً بحق المواطنين الذين باتوا يبحثون عن مقومات الحياة الأساسية وصرف أنظارهم عن قضاياهم المصيرية في مقاومة الوجود الأجنبي.