هل سيصمد الاتفاق الإيراني الأمريكي؟
هل سيصمد الاتفاق الإيراني الأمريكي؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة في الحالتين؟ ولماذا سيكون نتنياهو وكيانه الخاسر الأكبر؟ وكيف اعترف ترامب بالخديعة والهزيمة ولو متأخرا؟ اليكم الأسباب
عبد الباري عطوان:
أخيرا، وبعد مئة يوم من العدوان الذي جره نتنياهو اليه مفتوح العينيين، ادرك دونالد ترامب انه لن ينتصر في الحرب ضد ايران، وان احتمالات الهزيمة اكبر بكثير من احتمالات النصر، ولهذا قرر الاستسلام ورفع الرايات البيضاء، والبحث عن مخرج تقليصا للخسائر، وانقاذا لماء الوجه، ووجد ضالته، على يد حلفائه الباكستانيين الذين قدموا له طوق النجاة ممثلا في “مذكرة التفاهم” التي تؤدي الى وقف لإطلاق النار، ومنع حرب استنزاف إقليمية، والاعتراف مكرها بالسيادة الإيرانية العُمانية على مضيق هرمز، وتصويب سهامه الى من خدعوه، أي دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد ان بدأ يصحو من سكرته وخديعته الكبرى.
ترامب قد يوقع هذه “المذكرة” مع قادة الدولة التي خاض الحرب من اجل اسقاط نظامهم الإسلامي الحالي، واستبداله بنظام تابع عميل، وتجريد ايران من طموحاتها النووية، واكثر من 460 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب تكفي لتصنيع 10 قنابل نووية، والاهم من ذلك الاعتراف بوحدة الساحات، رضوخا للمطالب الايرانية بأن يشمل وقف اطلاق النار جميع الجبهات وعلى رأسها الجبهة اللبنانية.
تأجيل البت في القضايا الخلافية وخاصة الملف النووي الإيراني، واحالتها الى مفاوضات ستبدأ فور وقف اطلاق النار، ورفع الحصار المتدرج عن ايران ولفترة تستمر لمدة شهرين، وفك التجميد عن عشرات المليارات من أموالها، كلها تنازلات تعكس اول ثمار نجاح الإدارة الإيرانية الذكية المصحوبة بالردع العسكري السريع على أي ضربات أمريكية او إسرائيلية في مضيق هرمز او محيطه، وتجاهل كل تهديدات ترامب “الفارغة” بتدمير ايران وازالتها من الكرة الأرضية وفتح أبواب الجحيم عليها.
ايران فاوضت لأكثر من عامين مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية حول برنامجها النووي وملف التخصيب الحساس في اكثر من عاصمة ابتداء من فيينا، ومرورا بالعاصمة العُمانية مسقط، وانتهاء بجنيف، ولم تقدم تنازلا واحدا، ومن المفارقة ان رئيس وفدها المفاوض كان عباس عراقجي الذي التزم بنظرية القيادة “نعم ولكن” التي تستند الى نظرية أخرى عنوانها “نرحب وندرس” لاي مقترحات مطروحة على مائدة المفاوضات، ولهذا تمت ترقيته لقيادة الدبلوماسية الإيرانية كوزير للخارجية في النظامين السابق والحالي مكافأة.
أوراق كثيرة في يد النظام الإيراني استخدمها بذكاء في التصدي لهذا العدوان الإسرائيلي الأمريكي، من بينها الورقة النووية، والاستعداد العسكري على أرضية الاكتفاء التصنيعي الذاتي في انتاج الصواريخ، والمسيّرات المتطورة جدا، ولكن احد الأوراق الاهم أيضا، هي وحدة الساحات، ودعم فصائل المقاومة، وتوسيع دائرة الحرب الى حرب استنزافية إقليمية، واعطت جميع هذه الأوراق نتائجها في اجبار ترامب الى اللجوء للاتفاق الحالي ذليلا لإنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن.
بغض النظر عن صمود مذكرة التفاهم هذه، او عدمه، فان الخاسر الأكبر هي دولة الاحتلال الإسرائيلي، ليس لأنها لم تُستشر او تُشارك فيها، رغم انها المهندس والدافع الحقيقي لهذه الحرب، فنتنياهو الذي تعرض للتوبيخ، والوصف بالجنون، من قبل تلميذه وعبده “المتمرد” أخيرا ترامب، كان مغيبا بالكامل، ويبحث عن المعلومات في تقارير الصحف ومحطات التلفزة، والتواصل الاجتماعي.. سبحان مغير الأحوال.
وحدة الساحات التي تجسد احد أبرز الإنجازات الاستراتيجية الإيرانية، والإصرار من القيادة على وقف كامل لإطلاق النار في الساحة اللبنانية كانت أبرز طعنة في صدر دولة الاحتلال، لان اعتمادها والاعتراف بها أمريكيا في المذكرة المطروحة “يشّرع” وجود “حزب الله” كحركة مقاومة، مثلما يجرم الاحتلال الإسرائيلي وغاراته التدميرية، فقبول، او بالأحرى رضوخ، نتنياهو لهذا الاتفاق هزيمة كبرى، ورفضه له يعني المواجهة المباشرة مع أمريكا ورئيسها، واحتمال التفرد بالعدوان وحيدا مما يعني الهزيمة الوجودية الأكبر.
نتنياهو خدع ترامب، عندما جره الى هذه الحرب مثل الخروف، واقنعه بأن ايران ستنهار بمجرد قصفها بالدفعة الأولى من الصواريخ الامريكية والإسرائيلية المشتركة، ونزول عشرات الملايين من الإيرانيين الى الشوارع رقصا ترحيبا بهذا العدوان مصحوبة بمطالب بإسقاط النظام، وها هي الحرب تستمر مئة يوم، وتأتي النتائج عكسية، فالنظام الإسلامي الإيراني يزداد قوة وصلابة، تعززان الوحدتين الأرضية والشعبية، وتجسدان السيادتين النووية والاقليمية معا.
نقولها دون تردد، وبكل صراحة ووضوح: ترامب انهزم، ودولة الاحتلال الإسرائيلي تسير بسرعة على طريق الانهيار السريع، وتزداد عزلة وكراهية، ومن حليفها الأمريكي الاستراتيجي تحديدا، شعبا وحكومة، الذي سقط في مصيدة اكاذيبها، ومعلوماتها المزورة، وابتزازها لخدمة مصالحها ومخططاتها الإرهابية العنصرية على حساب مصالح أمريكا وشعبها ومكانتها كدولة عظمى تدعي زعامة العالم الحر، وقيم العدالة والديمقراطية وحقوق الانسان وأمن واستقرار العالم.
ترامب قاد أمريكا الى الهزيمة، سواء صمد هذا الاتفاق، او لم يصمد، وستتأكد هذه الهزيمة بوضوح في الانتخابات النصفية الامريكية في تشرين ثاني (نوفمبر) المقبل، ولا نستبعد ان ينتهي هو ومن خدعه، أي بنيامين نتنياهو، خلف القضبان، كعنوانين بارزين للغباء والاجرام والفشل.. والأيام بيننا.