كسر الحصار بالقوة.. القوات المسلحة اليمنية ترسم معادلة جديدة وتوجه إنذارًا حاسمًا للرياض

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

دخلت المواجهة بين اليمن والسعودية مرحلة جديدة أكثر حساسية، بعدما أعلنت القوات المسلحة اليمنية تصديها لمحاولة طيران حربي سعودي اعتراض طائرة مدنية إيرانية كانت متجهة إلى مطار صنعاء الدولي وعلى متنها أكثر من مائتي مسافر من المرضى والجرحى والعالقين.

ولم يكن البيان العسكري مجرد إعلان عن عملية دفاعية ناجحة، بل حمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة تؤكد أن الحصار المفروض على اليمن شعبا وقيادة لم يعد مقبول استمراره، وأن أي محاولة للمساس بالمجال الجوي اليمني أو عرقلة الرحلات المدنية ستقابل برد مباشر يستهدف المصالح الحيوية للسعودية في البر والبحر.

ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد الدعوات الرسمية والشعبية لكسر الحصار واستعادة السيادة الوطنية، بما يعكس انتقال المواجهة من مرحلة الدفاع عن الواقع القائم إلى مرحلة فرض معادلات جديدة على الأرض.

بيان عسكري يرسم قواعد اشتباك جديدة

أكدت القوات المسلحة اليمنية في بيانها أن تشكيلًا من الطيران الحربي السعودي اخترق، فجر الجمعة، الأجواء اليمنية في محاولة لمنع طائرة مدنية إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء الدولي، مشيرة إلى أن الطائرة كانت تقل أكثر من 200 مواطن من المرضى والجرحى والعالقين.

وأوضح البيان أن الدفاعات الجوية اليمنية تعاملت مع الاختراق عبر إطلاق عدد من صواريخ الدفاع الجوي، ما أجبر الطيران السعودي على الانسحاب ومغادرة الأجواء، لتتمكن الطائرة المدنية من مواصلة رحلتها والهبوط في مطار صنعاء.

واعتبرت القوات المسلحة أن هذه العملية تؤكد جاهزية منظومات الدفاع الجوي وقدرتها على حماية السيادة الوطنية، كما تمثل رسالة عملية بأن المجال الجوي اليمني لم يعد ساحة مفتوحة أمام الطيران المعادي.

تحذير مباشر للسعودية

لم يقتصر البيان على الإعلان عن تفاصيل العملية، بل تضمن تحذيرًا واضحًا للعدوَّ السعوديَّ المجرمَ من تكرارِ أيِّ محاولةٍ لخرقِ الأجواءِ اليمنية أو عدوانًا يستهدفُ بلدنَا فإنَّهُ سيقابلُ بردٍ شاملٍ باستهدافِ مطاراتِهِ ومصالحِهِ الحيويةِ في البرِّ والبحرِ

وأكدت القوات المسلحة أن أي تصعيد سيقابل برد شامل يستهدف المطارات والمنشآت الحيوية والمصالح الاستراتيجية السعودية في البر والبحر، مشددة على أن استمرار الحصارِ السعوديِّ الأمريكيِّ الظالمِ على اليمن لم يعد خيارًا مقبولًا، وأنها ستتخذ جميع الخطوات التي يراها مشروعة لإنهائه لإنهاءِ هذا الحصارِ.

كما أكدت أن جميع تشكيلاتها العسكرية في أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ أي توجيهات تصدرها القيادة، وأنها مستعدة لخوض مختلف الخيارات إذا استمر العدوان والحصار.

مطار صنعاء… عنوان الحصار الممتد

منذ بدء العدوان في 26 مارس 2015، تحول مطار صنعاء الدولي إلى أحد أبرز رموز الحصار المفروض على اليمن.

وفي أغسطس 2016 شدد تحالف العدوان السعودي الأمريكي إغلاق المجال الجوي اليمني، ما أدى إلى توقف الرحلات التجارية بصورة شبه كاملة، وحرم ملايين اليمنيين من السفر للعلاج أو الدراسة أو لمّ شمل أسرهم.

ولم يقتصر الحصار على حركة المسافرين، بل شمل كذلك إعاقة وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الإنسانية، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية وأدى إلى خسائر بشرية واقتصادية واسعة.

ورغم استئناف رحلات محدودة خلال فترات متقطعة، ظل المطار يتعرض للإغلاقات والاستهداف، وصولًا إلى تعرضه لأضرار كبيرة نتيجة الغارات التي طالت بنيته التحتية، في وقت يمثل فيه المطار المنفذ الجوي الرئيسي لنحو ثمانين في المائة من سكان اليمن.

كسر الحصار عمليًا

نجاح الطائرة المدنية الإيرانية في الوصول إلى مطار صنعاء، رغم محاولة منعها، حمل دلالات تتجاوز البعد الإنساني.

فالحدث، وفق ما عكسه البيان العسكري، يمثل خطوة عملية في اتجاه كسر الحصار المفروض على المطار، ورسالة بأن فرض العزلة والحصار الجوي على اليمن لم يعد أمرًا يمكن استمراره بالآليات السابقة.

كما أعلنت القوات المسلحة استمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران مهما كانت النتائج والتداعيات، مؤكدة أن هذه الرحلات ستتواصل في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف معاناة المرضى والعالقين وإنهاء الحصار المفروض على الشعب اليمني.

وفي هذا السياق، ثمنت القوات المسلحة موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبرة أن مبادرتها في نقل المرضى والعالقين والوفد الرسمي والشعبي المشارك في مراسم تشييع السيد علي خامنئي تمثل خطوة مهمة في كسر الحصار المفروض على مطار صنعاء.

رسائل إلى الداخل والخارج

يحمل البيان العسكري مجموعة من الرسائل المتزامنة، سواء إلى الداخل اليمني أو إلى الأطراف الإقليمية والدولية.

فعلى الصعيد الداخلي، جددت القوات المسلحة دعوتها إلى مواصلة النفير العام ورفع مستوى الجهوزية القتالية، مؤكدة أن الشعب اليمني بمختلف مكوناته يقف خلف خيارات القيادة في مواجهة العدوان والحصار.

أما خارجيًا، فقد أرادت صنعاء التأكيد أن أي محاولة لإعادة فرض معادلة السيطرة الجوية ستواجه برد عسكري مباشر، وأن مرحلة الاكتفاء بإدانة الحصار أو المطالبة برفعه قد تجاوزتها التطورات الميدانية.

مرحلة جديدة في مسار المواجهة

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع دعوة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي إلى استكمال مسار انتزاع السيادة وكسر الحصار، وهي الدعوة التي شهدت تفاعلًا واسعًا من المؤسسات الرسمية والقبائل اليمنية، التي أعلنت تفويضها للقيادة واستعدادها للمشاركة في أي خيارات تتطلبها المرحلة.

ويعكس هذا التفاعل حالة تعبئة وطنية تتجاوز الإطار العسكري، لتشمل مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والقبلية، بما يشير إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر شمولًا.

أبعاد استراتيجية للتطورات الأخيرة

تكشف التطورات الأخيرة عن ثلاثة أبعاد رئيسية.

ـ عسكريًا: تؤكد العملية امتلاك القوات المسلحة اليمنية القدرة على حماية المجال الجوي والتعامل مع أي محاولات لاختراقه.

ـ سياسيًا:  تعزز هذه التطورات خطاب السيادة الوطنية ورفض استمرار الوصاية الخارجية على القرار اليمني، خصوصًا فيما يتعلق بحركة الملاحة الجوية.

ـ اجتماعيًا: فتبرز حالة الالتفاف الشعبي والقبلي حول خيار إنهاء الحصار، بما يمنح القيادة غطاءً واسعًا في أي خطوات مقبلة.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن المواجهة تدخل مرحلة جديدة تقوم على فرض معادلات ميدانية وسياسية مختلفة عن السنوات الماضية، في ظل استمرار التأكيد على أن إنهاء الحصار أصبح هدفًا لا يقبل التأجيل.

محطة جديدة في مسار المواجهة

لا يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره حادثة عسكرية عابرة، بل يمثل محطة جديدة في مسار المواجهة الممتد منذ عام 2015، حيث انتقلت القيادة اليمنية من التركيز على الدفاع إلى السعي لفرض معادلات جديدة في مواجهة الحصار.

ويعكس البيان العسكري هذا التحول بوضوح، إذ جمع بين الإعلان عن نجاح عملية ميدانية، والتحذير من أي تصعيد مستقبلي، والتأكيد على استمرار التحركات الرامية إلى كسر الحصار واستعادة السيادة الكاملة على الأجواء اليمنية.

وفي ظل استمرار التعبئة الشعبية والرسمية، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي والعسكري، بما يجعل قضية مطار صنعاء والحصار المفروض عليه إحدى أبرز ساحات الصراع خلال المرحلة القادمة.

قد يعجبك ايضا