لا نقف لنحتفي بل نمضي قدماً…بقلم/صلاح الدكاك

 

رسم سيد الثورة بخطاب الذكرى السادسة لثورة 21 أيلول الظافرة، الخطوط العريضة لعقد اجتماعي يتوافر على المحددات والأسس وسطوع الرؤية لأمس الثورة وحاضر الملحمة التحررية ومستقبل البلد الكريم والوازن كمصب لبطولات وتضحيات شعبنا اليوم.

لم يعد يمن 21 أيلول ضيعة من ضِيَع الوصاية الأمريكية، ولا حظيرة خلفية لنياق مشيخات البترودولار وأصابع أوامريتها الجرباء وذهنياتها الشحومية البليدة.

بالنقيض لواقع يمننا المزري بالأمس القريب في خليط شؤونه والآيل حينها بمثابرة للانزلاق في مكب ما هي عليه اليوم محافظات الجغرافيا المحتلة لولا ثورة 21 أيلول، بات يمن اليوم رقماً لا على مستوى نطاقه القُطري، وإنما تجاوز أثره عبوراً إلى محيطه الإقليمي والدولي، وأضحت صنعاء الثورة والسيادة ـ بمنأى عن المجاز والإنشاء ـ فناراً يهتدي بتجربته الثورية مستضعفو الأرض ومقهوروها، كما أضحت ـ بالفعل قبل القول ـ رافعة صلبة شاهقة لقضايا الأمة المركزية العادلة.. ولولا ثورة 21 أيلول كذلك لصارت هذه القضايا ذكرى لا تجلها ذاكرة، ولأمست أضابيرها ورقاً نشافاً في مزادات الخيانة والبيع بالجملة لما تبقى من ماء وجه الأمة وكرامتها.

كان على رؤوس مستضعفي شعبنا وبلدنا قبل أيلول عقلة إصبع يسمى رئيساً يحكم بأمر المخرج الأمريكي من سدة رئاسية أشبه بكشك مسرحي لدمى خيوط موصولة بأصابع المخرج، وكان ذلك غبناً شديداً لقدر شعبنا الكبير ولطاقات أبنائه وترابه الهائلة، وكان على سلطة عقلة الإصبع وأراجوزات الخيوط أن تفسح أفق الوثوب أمام شعبنا طوعاً أو كرها أو أن تسحقها أقدام الزحف الثوري وبركان الرفض اليمني الطامح للاستواء على سدة دوره اللائق به استناداً إلى هويته…

واليوم وقد انفسح له الأفق وظفر بقائد يستشرف له مداءات آماله وأشواقه النبيلة ببصيرة نافذة، ويحمل أوجاعه وآلامه، ويخوض معه وبه التحديات الراهنة المتمثلة في استماتة قوى الوصاية الكونية لردم أفق الخلاص الذي انفسح له بالثورة عبثاً.. اليوم وقد أضحى للشعب العظيم قائد يكافئ قدره قدراً، فإن زمن جَزْر الحضور اليماني في قوقعة المعيشي واليومي العابر يضحي مداً صوب مضامير رحبة يتمظهر في خضم تحدياتها شعبنا ككينونة إنسانية فاعلة تتصالب على أكتافها الأمة المثخنة بالوهن والخور والانكسارات واقفة بعد خنوع وعزيزة بعد هوان..

ليس بوسع عالم الاستكبار أن يكبح زخم هذا المد اليمني العالي والرحب أو يجهض جدارته التاريخية موضوعياً بالاستواء في قلب الفعل والتأثير وفقاً لناموس الله وقد تجلى فيه حكمة وإيماناً وعيناً على قرآن السماء وأخرى على مجريات الأرض، وجرى مسيرة وأنصاراً بعمقه الحضاري ونورانيته الرسالية الإيمانية.

ليست عقود سلطة الوصاية التي بلغت ذروتها انحطاطاً في العقدين الأخيرين من تاريخ سيطرتها في اليمن… ليست إلا عقود تدجين السلطة للشعب فكراً وسياسة واقتصاداً وثقافة على أنه ليس شيئاً ولا يمكنه أن يكون شيئاً بغير أمريكا إلى الحد الذي حل معه منطق التماهي في الإذعان لباطل مشروع الوصاية الأمريكية، محل منطق الرفض على قاعدة استحالة الوقوف بوجه رغبات أمريكا ذات القوة المطلقة والسطوة الكاملة على العالم.

تبخيس قدر شعبنا وقدراته على هذا النحو المذل أمام أمريكا التي جرى تصويرها كقدر لا مفر منه ولا مرد له، هو العنوان الكبير لعقود الوصاية ومشروع سلطتها الرئيس كأداة تنفيذية رهنت قوة البلد وضعفه بقربه أو بعده عن هذا الطاغوت والغول الكوني المهيمن، ليثبت شعبنا في الـ21 من أيلول وهن أمريكا أمام قوته الموصولة بقوة الله وضآلة ملكوتها القائم على انقياد الشعوب لها كرقيق أمام عظمة الوقفة اليمنية الصلبة المعتصمة بحبل الله والمؤمنة بمطلق ملكوته ووجوده.

من الثورة والإطاحة بسلطة الوصاية المحلية إلى مواجهة عدوان أرباب الوصاية الإقليميين والدوليين، ومن ساحات العمل الثوري السلمي إلى ميادين الكفاح المسلح، أطاح شعبنا بخرافة البعبع الأمريكي، وأذل جبروته الحربي والإعلامي والاقتصادي من مجازة عسير وصحراء ميدي ورمال الفازة إلى صحراء نيفادا وواشنطن مروراً بعواصم مشيخات البترودولار وكعبة السوق الكونية “أرامكو”، ومن طلقة الرفض الأولى إلى آخر عبقريات الجوصاروخية اليمنية والتصنيع الحربي التي تتكشف تباعاً عن مفاجآت صادمة وداحضة لتصور العالم عن شعب “هامشي وعالة” ومقوضة لترسانة العدوان الكوني العسكرية والاستخبارية في عقر قوتها وجبروتها.

لا ثورة شعبية بين كل الثورات المعاصرة تشبه ثورة شعبنا في 21 أيلول 2014، حسماً في حركتها في المكان والزمان وسطوع خياراتها، يؤكد سيد الثورة.

ولا قائداً بين قادة الثورات الشعبية الحديثة والمعاصرة كقائد ثورة 21 أيلول الظافرة، صدقاً والتحاماً بشعبه وتعبيراً عن آماله وآلامه وصونا لدمه وتثميناً لكرامته بالدنيا وبهرجها وحضوراً في اختلاج مخاطر وأهوال المعركة ومواكبة لشؤون مقاتلينا الثوريين في كل خندق ولشجون أسرهم في كل قرية وحارة ومدينة، ومتابعة لأدق مجريات الأحداث محلياً ودولياً وبلورة للمواقف والخيارات الصائبة منها، وأخذاً بزمام التصنيع العسكري والحربي إلى مخاضات مذهلة وبزمام الجوصاروخية إلى توازن ردع مهول من حيث أهدافه المفتوحة على أقدس مقدسات الحرم الأمريكي الكوني والمسنودة بجرأة وشجاعة وعصامية قائد لا سلطة على قراره لغير أخلاقه القرآنية ونبله الإنساني في ما يخص اختيار الوسائط النارية والأهداف الموكول لها دكها في عمق العدو بما يكفل ردع عدوانه عن شعبنا وترابنا، لا بما يرضي هوى القائد في العادة أو شغفه بمراكمة أرصدة قوة كرنفالية تخصه، فهذا غير وارد في حال سيد الثورة السيد عبدالملك الحوثي، وسنوات المواجهة تشهد عياناً بمستوى مثالي من لزوم قيم اشتباك غير ملزمة في معظم الحروب، لاسيما مع عدو بفجور التحالف الأمريكي الكوني ومستوى إمكاناته قياساً بإمكاناتنا.

“سنضرب موانئ حساسة للعدو الصهيوني إذا تورط في ارتكاب حماقة ضد شعبنا في قادم الأيام”، يقول سيد الثورة في خطاب سابق، غير آبه لحسابات دبلوماسية، ولا محتكم لبراغماتية سياسية تكبل أفق خيارات القادة التقليديين غالباً في مواجهة مماثلة لجهة استرضاء طرف دولي ما أو تزلفاً لعدو كالكيان الصهيوني بعدم الإشارة إليه في سياق الاشتباك نظير تحييده ولو صورياً بما يجعل السعودية وحيدة ومواتية لضرباتنا.

إنه اشتباك كامل مع مشروع تتنوع أدواته وراياته المخاتلة محلياً وإقليمياً حول حقيقة جوهرية ثابتة هي وجود الكيان الصهيوني وأمريكا في قلب هذا العدوان كمشروع ومدير تنفيذي لأدوات ناهضة به على مصاف مجمل عملياته الحربية عسكرية وغير عسكرية.

هذه الشمولية المفصِّلة بعناية وحذق وعفوية لكل شأن من شؤون اللحظة الراهنة من صراع نحن حجر زاوية فيه بأبعادها المتقاطعة محلياً وإقليمياً ودولياً… هذه الشمولية المتوافرة على مجمل مجريات الصراع ومسارحه في خطاب سيد الثورة بذكرى العام السادس للميلاد الثوري اليمني، تؤلف خطوطاً عريضة لعقد اجتماعي ذي آفاق متعددة يمنية تعي هواجس الشارع المحلي وحاجته للنهوض من عثرات الوصاية والتسلط الفردي والمناطقي والفئوي إلى تناسج البنية الاجتماعية اليمنية بما يجعلها منيعة ومؤهلة لأن تنهض بجسامة الدور المنوط بها كرقم رسالي فارق من حيث هويته ومن حيث تاريخ حضوره وراهن إمكاناته لبعث جديد وازن وفاعل… كما وانفساحها على آفاق عربية وإسلامية وإنسانية تحضر فيها القضايا والأحداث كسياق متماسك لا يمكن اتخاذ مواقف متناقضة منها بفصل المحلي عن محيط الصراع الواسع، أو العربي عن الإسلامي، والإسلامي عن الأممي، بل هي أكثر من ذلك شمولية مفتوحة حتى على شؤون بيئة الكوكب التي يبرهن سيد الثورة أن النشاط الرأسمالي الأمريكي هو المتهم الأول في الفساد والاختلالات والكوارث التي تضرب استقرار كائناتها وأحيائها وتوازن مكوناتها الناظمة لمثاليتها كبيئة صالحة للحياة.

هكذا يجسد سيد الثورة المنهجية القرآنية في أفقها الرسالي الحفي بعيال الله وشؤون عيال الله بمنأى عن مفارز اللون والجنس والقومية، وبالأرض كمسرح للاستعمار والاستخلاف بمنأى عن الغرق في حيز مكاني بعينه قفزاً على حقيقة أن “الأرض وضعها للأنام” و”أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين”.

هذا أفق خطاب سيد الثورة في ذكراها السادسة، وهو خطاب يلزم كل ذي اختصاص بدور بدءاً من الشعب والحكومة في الداخل وصولاً إلى أبناء الأمة والإنسانية جمعاء، ولا يغفل عن أن يضع العدو في صورة خيبة مآلاته وخسران رهاناته بجلاء، والمخلفين في حقيقة فوات شرف إسهامهم في جهود المواجهة تحت أي مسوغات يتزلفون بها خنوعهم، ويُخدّر بها المفرطون وجع الشعور بالتقصير، ويواري خلفها المرتابون حقيقة مآربهم غير النبيلة من مناهضة العدوان قولاً دون عمل ولساناً دون يقين قلبي، ومداهنة لا امتثالاً لموجبات الدين والوطنية والأخلاق والإنسانية لخوض المواجهة بكل مستطاع.

هكذا تكلم سيد الثورة فأبلغ وأجلى وأقام الحجة لا احتفاءً بذكرى ثورة، بل ترجمة ثورية عملية صادقة ومنظورة لا تجثو عند منعطف لتباهي بحطام مكاسبه قدر ما تستحث الطاقات للمضي إلى ما هو أرقى وأبقى وأنجع وأنفع باتساع المضامير المذللة بأمر الله لعباده الصالحين المتقين.

قد يعجبك ايضا