مقتطفات من المحاضرة الرمضانية الخامس عشرة للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 16 رمضان 1444هـ

– بالرغم من أنه -الشيطان- كان في أجواء من عبادة لله سبحانه وتعالى وفي أجواء مؤثرة على المستوى الإيماني في رفقة الملائكة في السماء وأمضى في ذلك الحال آلاف السنين، في أجواء العبادة والذكر والتقرب لله تعالى.. مع ذلك الوضع الذي هو فيه عندما نشأت في نفسه حالة انحراف، فبدلاً من أن يعظم الله في نفسه، بدأت تعظم فيه نفسه، ويشعر بالغرور، فوصل إلى حالة خطيرة جداً، عندما أتى للاختبار العملي، كشفه.

– إبليس خسر عبادته ومقامه وخسر كل شيء، خسر مستقبله عند الله سبحانه وتعالى، وأيضاً ساءت نفسه أكثر وأكثر، بعض الذنوب خطيرة جداً، إذا حصلت لدى الإنسان تضرب نفسيته ضربة قاضية وتغير نفسيته تغيراً كبيراً، فيتحول تحولاً تاماً من واقع إيماني إلى واقع مختلف.

– والتكبر من تلك الذنوب التي لها الأثر السيء جداً على نفسية الإنسان.. ولذلك يقول سبحانه تعالى {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }.

– ما يتفرع عن التكبر من المفاسد الرهيبة مثل الصد عن سبيل الله والظلم لعباد الله، والظلم هو من أبرز نتائج التكبر، الطغاة الظالمون هم متكبرون، وبشاعة ظلمهم ناتج عن مستوى تكبرهم، كلما كانوا أكثر تكبراً كانوا أكثر ظلماً.

– رسل من عند الله يأتون إليهم لهدايتهم وإصلاحهم والتوجه بهم نحو الله سبحانه وتعالى والخير في الدنيا والآخرة، بكل ما يمتاز به رسل الله من الخير والرحمة والإنسانية والجاذبية في سلوكهم وأعمالهم والكمال الإنساني المذهل، ليس فيهم ما ينفر منهم أو المعارضة لهم، لا في أنفسهم ولا في رسالتهم التي يأتون بها من الله.

– نتيجة لاستكبارهم،{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ }  يتفرع عن جريمة التكبر، التكذيب بآيات الله والمعارضة للحق والقتل حتى لرسل الله وأنبيائه.

– تمتد سيئة التكبر، ويمتد ذلك الذنب الكبير والخطير جداً إلى واقع الضعفاء الذين يرتبطون بالمستكبرين، وفي نفسه ضعيف من حيث الإمكانات والنفوذ والتأثير في واقعه، لكنه يحمل مشاعر التكبر، ولذلك يرتبط بالمستكبرين، ويميل نحوهم وينجذب نحوهم، أو أن نقطة الضعف أثرت عليه إلى درجة أن يميل لصفهم حتى وهو يحمل الضعف.

– عندما تحدث القرآن الكريم عن فرعون وهامان والأمم الماضية، تحدث عن الاستكبار {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } وهكذا {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} تبرز حالة وعنوان الكبر في موقفهم.

– ويبرز هذا العنوان أيضاً في حالة عذابهم، في يوم القيامة يقول الله تعالى {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} القيامة والمتغيرات التي تأتي فيها من أهم ما فيها أنها خافضة، خافضة للمستكبرين في هذه الدنيا، الذين تكبروا تجاه آيات الله، صدوا عن سبيل الله.. في يوم القيامة تخفضهم تلك المتغيرات الرهيبة لا وزن لهم، يحشرون وهم في حالة الضعف والاستسلام والذل والهوان والتندم والتحسر، تنتهي حالتهم تلك التي كانت في الدنيا.

– يبرز عنوان الاستكبار، وحال الذين انبهروا للمستكبرين في الدينا {فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} فيبرز هذا العنوان في حال أهل النار بين المستكبرين والضعفاء.

– ولذلك عندما نتأمل أن هذا العنوان حاضر على مستوى الماضي وهو أيضا على مستوى الحاضر حاضر جداً، كيانات الطاغوت والسعي للانحراف بالناس عن المبادئ والقيم الإلهية، هي كيانات مستكبرة في حاضرنا، الدور الذي تتحرك فيه أمريكا والصهاينة قوى الطاغوت هي جبهة استكبار.

– إذا تأملنا في عصرنا وواقعنا من الذي يتولى بشكل أساسي السعي بالناس عن الانحراف عن هدى الله ومكارم الأخلاق وعن القيم الإنسانية الراقية؟ هي تلك الكيانات المستكبرة، من الذي يباشر الظلم والقتل والنهب ثروات الشعوب؟ هي تلك الكيانات المستكبرة الظالمة.

– من الذي يسعى لضرب عفة الشعوب ونشر الفساد الأخلاقي بشكل غير مسبوق؟ هي تلك الكيانات المستكبرة، أتوا بعنوان “المثلية” ويدعمون هذا العنوان حتى يكون شيئاً عادياً.

– أكبر المفاسد والمظالم، حالة الطغيان، أكبر الجرائم والانحرافات تأتي من تلك الكيانات المستكبرة في عصرنا، وهكذا في العصور الماضية تبرز كيانات مجرمة فيؤدون ذلك الدور السيء لمحاربة هدى الله.

– على مستوى الساحة الإيمانية يجب الحذر والانتباه من التكبر.. الإنسان الذي ينشأ في قيم إيمانية في مجتمع مؤمن، عليه أن يحذر من التكبر، فالتكبر يضرب الإيمان ضربة قاضية.. كما كان إبليس الذي كان في بيئة إيمانية.

– عندما يبدأ الغرور يتسلل إلى مشاعره ونفسه وتنمو بذرته في أعماق نفسه، فكلما عمل شيئاً مميزاً تكبر عنده نفسه ويصغر أمامه تعظيم الله هي تسبب للإنسان الانحراف، حتى وقد استمر في العمل لمراحل طويلة، يمكن أن ينحرف بعد ذلك انحرافاً تاماً، تصبح عائقاً كبيراً لتقبل الهدى، الإنسان إذا ما تسلل إليه حالة الغرور، لم يعد يتقبل الهدى، يصبح عنده موقف ممن يذكره.

– حالة التكبر إذا طرأت في واقع الإنسان وهو ينتمي للساحة الإيمانية تؤثر على علاقته الأخوية الإيمانية بالآخرين.

– يقول أمير المؤمنين عليه السلام عن العجب “العجب وحشة” يبدأ الإنسان يشعر بالحواجز بينه وبين الآخرين، ويبدأ بالإعجاب بنفسه، ويتمحور حول نفسه.. ثم يصبح المعيار عنده في علاقته معهم مدى إرضائهم لغروره ثم تضرب إخلاصك لله وروحيتك الإيمانية، تغير نظرتك تجاه الأعمال.. فلا تعطي أي أهمية للأعمال التي ليس لها سمعة أو شهرة أو أهمية.

– حالة الإنسان المؤمن في علاقته مع الآخرين هي حالة التواضع “رحماء بينهم”.

– ثم هي تؤثر على واقع الإنسان، حالة الإنسان المؤمن إذا تربى تربية إيمانية، يتربى على الخضوع لله تعالى، يحرص دائماً على أن يكون له مكانة عند الله، يسعى إلى التكريم الإلهي.. ولهذا يركز القرآن في مساحة واسعة يقول تعالى                      { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ }.

– مظاهر التكريم كبيرة عند الله تعالى وراقية جداً.. بينما حالة التكبر حالة سيئة جداً، ومعروف ما حصل لإبليس أصبح مذموماً ذليلاً ولا يحضى بأي احترام من الملائكة.

– البديل عن التكبر هي عزة الإيمان، عزة الإيمان يبنى عليها سلوك نقي، سليم من شوائب الظلم والطغيان، المؤمن كما قال تعالى {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} تبرز عزتهم في مدى ثباتهم على الحق وعلى نهج الله تعالى وقيمهم الراقية والأصيلة واحترامهم للناس واهتمامهم بأمر الناس والمستضعفين.

– يقول الله سبحانه وتعالى {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} عزة الإيمان لن تدفع بك إلى العناد أمام حق، أو رفض حق، أو ممارسة ظلم أو طغيان.

– لذلك التوجه الصحيح هو العبودية له وطاعة الله، وأنت بذلك تكرم وتعتز وتشرف، يمنحك الله الود في عباده، يمنحك الله عزة الإيمان.

– لكن كلما اتجه الإنسان يريد أن يفرض لنفسه بين الناس عن طريق ممارسة التكبر هيمنة مساحة معينة أهمية في النفوس، كلما مقتوه وصغر في نفوسهم.. تختلف الحالة اختلافاً كاملاً.

– الإنسان بذنب التكبر يمكن أن يلعنه الله ويطرده من رحمته ويغضب عليه.. ذنب التكبر من أخطر الذنوب وأسوئها.. إذا اتجه الإنسان في ساحة الإنسان عليه أن يحترس ويتنبه من حالة الإعجاب بالنفس التي تتولد عنها حالة التكبر.

– الإنسان إذا كان في منصب أو سلطة أو له مكانه في أوساط الناس عليه أن يكون حذراً جداً، لأنه من أكثر الناس عرضة للتكبر، حتى لا يتحول إلى مغرور والعياذ بالله.

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا