من القرآن إلى الميدان: الجهاد الشامل كخيار مصيري لبناء الأمة وصون هويتها
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في زمنٍ تتكالب فيه قوى الهيمنة والاستكبار على الأمة الإسلامية، وتتعاظم فيه مشاريع الاستهداف السياسي والثقافي والاقتصادي والعسكري، يبرز الجهاد في المفهوم القرآني كضرورة وجودية وليس مجرد خيار مرحلي.
فالجهاد، وفق الرؤية القرآنية، يمثل الوسيلة الأساسية لحماية الأمة من الاستباحة، وصيانة هويتها من الذوبان، ورفعها من واقع الاستضعاف إلى موقع القوة والعزة.
ومن هذا المنطلق، جاء المشروع القرآني للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي ” رضوان اله عليه” باعتباره مشروعًا نهضويًا متكاملًا لإعادة بناء الأمة على أساس القرآن الكريم، واستنهاضها لتكون فاعلة في مواجهة أعدائها، مدركة لطبيعة صراع الأمة مع اليهود والنصارى (أمريكا وإسرائيل)، ومؤهلة لخوضه في مختلف الميادين.
لقد انطلق شهيد القرآن من فهم عميق للقرآن باعتباره كتاب هداية وحركة، لا كتاب تلاوة مجردة، فربط بين الواقع والأحداث وبين السنن الإلهية، وقدم للأمة رؤية واضحة تقوم على أن ما تعانيه من ذل واستضعاف ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة للابتعاد عن منهج الله، والتفريط بمسؤولية المواجهة.
ومن هنا كان يؤكد أن الأمة الإسلامية مستهدفة بشكل شامل؛ في دينها، وثقافتها، واقتصادها، وأمنها، وأخلاقها، وأن أعداءها لا يسعون فقط لاحتلال الأرض، بل لفصلها عن مصدر قوتها الحقيقي: القرآن الكريم.
في المشروع القرآني، لا يُختزل الجهاد في المواجهة العسكرية وحدها، بل هو مفهوم شامل يتسع لكل أشكال العمل في سبيل الله لإقامة الحق ودفع الباطل.
فالكلمة جهاد، والقلم جهاد، والتوعية جهاد، والإعداد الاقتصادي جهاد، كما أن حمل السلاح في مواجهة المعتدي يمثل ذروة هذا الجهاد حين تفرضه الضرورة.
وقد شدد شهيد القرآن على أن الأمة لا يمكن أن تنتصر إذا نظرت إلى الجهاد نظرة مجتزأة، فتركز على جانب وتهمل آخر، لأن الصراع مع الأعداء متعدد الوسائل، يشمل الحرب النفسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية، إلى جانب الحرب العسكرية.
هذا الفهم الواسع يجعل من الجهاد مشروع بناء شامل للأمة، يهدف إلى إعداد الإنسان المؤمن الواعي، القادر على المواجهة في كل المجالات.
فالأمة التي تريد التحرر لا بد أن تبني اقتصادها، وتطور زراعتها، وتصنع سلاحها، وتحمي وعيها، وتحصن ثقافتها، وتربي أبناءها على الإيمان والبصيرة.
ولذلك كان الشهيد القائد يرى أن الإعداد القرآني هو الأساس الذي يهيئ الأمة لخوض معركة التحرر، وأن القرآن لا يصنع فقط مقاتلًا في الميدان، بل يصنع أمة قوية متماسكة تعرف عدوها وتفهم مسؤوليتها.
لقد كشف المشروع القرآني طبيعة المؤامرة الكبرى التي تستهدف الأمة، والمتمثلة في المشروع الأمريكي الصهيوني الساعي للسيطرة على الشعوب ونهب الثروات وتفكيك الهوية.
وفي هذا السياق، كان شهيد القرآن واضحًا في توصيفه للعدو، معتبرًا أن الصراع ليس معركة حدودية أو سياسية مؤقتة، بل صراع وجودي بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرر الإيماني. ومن هنا جاءت “الصرخة في وجه المستكبرين” كموقف قرآني يهدف إلى كسر حاجز الخوف، وفضح العدو، وتحصين الأمة نفسيًا وثقافيًا ضد محاولات التدجين والاستسلام.
وقد مثّل هذا الشعار خطوة أولى في مسار الجهاد؛ لأنه نقل الأمة من حالة الصمت والانهزام النفسي إلى حالة الموقف الواضح، مؤكدًا أن التحرر يبدأ من الوعي، وأن أخطر ما يواجه الأمة هو الاستسلام الداخلي قبل الاحتلال الخارجي.
فحين تُهزم الأمة نفسيًا، تصبح كل أدوات العدو أكثر فاعلية، أما حين تستعيد وعيها وهويتها، فإنها تبدأ أولى خطوات التحرر الحقيقي.
وفي هذا الإطار، أكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ أن المشروع القرآني ليس مجرد نظرية فكرية، بل مشروع عملي أثبت حضوره في الواقع، من خلال المواقف الداعمة لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
فالجهاد هنا ليس شعارًا، بل مسؤولية دينية وأخلاقية وعملية تفرض على الأمة أن تتحرك وفق إمكاناتها لمواجهة الظلم والطغيان، وأن تدرك أن خيار التخاذل لا يوفر لها الحماية، بل يزيدها ضعفًا واستباحة.
ويؤكد المشروع القرآني أن الجهاد هو السبيل الوحيد لاستعادة العزة، لأن الأمم لا تُصان بالاستسلام، ولا تحفظ كرامتها بالارتهان للأعداء.
فالاعتماد على القوى المستكبرة لم يجلب للأمة إلا مزيدًا من الهيمنة، بينما يمنحها الجهاد – بمفهومه الشامل – القدرة على صناعة استقلالها وحماية قرارها.
ومن هنا يصبح الجهاد ليس فقط ضرورة دفاعية، بل ضرورة حضارية لبناء الأمة واستعادة دورها الرسالي.
كما يربط المشروع القرآني بين الجهاد والأخلاق، فالمجاهد الحقيقي ليس مجرد حامل سلاح، بل نموذج في الصدق، والإخاء، والحكمة، والانضباط، وتحمل المسؤولية.
فالجهاد في سبيل الله يهدف إلى إقامة العدل، وإصلاح الأرض، ونصرة المستضعفين، وليس إلى العدوان أو الفوضى.
ولذلك فإن الأمة المجاهدة مطالبة بأن تقدم نفسها كنموذج حضاري راقٍ، يجسد قيم الإسلام في الواقع.
إن أهمية الجهاد في هذا المشروع تنبع من كونه استجابة عملية لأمر الله في مواجهة الظلم والطغيان، وتحقيقًا لوظيفة الأمة كشاهدة على الناس.
فحين تتخلى الأمة عن مسؤولية الجهاد، فإنها تفتح المجال لأعدائها ليعبثوا بمصيرها، أما حين تتحرك وفق المنهج القرآني، فإنها تستعيد موقعها الطبيعي كأمة عزة وكرامة.
وخلاصة القول، إن المشروع القرآني قدّم الجهاد باعتباره خيار الأمة الوجودي لحماية نفسها، ورفع الاستضعاف عنها، واستعادة عزتها، وإنه مشروع يعيد صياغة وعي الأمة على أساس القرآن، ويربطها بمسؤوليتها في مواجهة التحديات، ويجعل من الجهاد وسيلة شاملة للبناء والتحرير.
وفي عالم تتزايد فيه أدوات الهيمنة، يبقى الجهاد القرآني – كما طرحه الشهيد القائد وواصل ترسيخه السيد القائد – الطريق الأوضح نحو الحرية، والسيادة، وصيانة الهوية، وتحقيق وعد الله للمؤمنين بالاستخلاف والتمكين.