من مطار صنعاء إلى باب المندب.. اليمن ينقل المواجهة إلى قلب المصالح السعودية ويعيد رسم موازين القوة

اليمن يقلب قواعد الاشتباك.. الحصار البحري يضيق الخناق على السعودية ويهز أسواق الطاقة والتجارة العالمية
معركة كسر الحصار.. صنعاء توظف أوراق القوة البحرية وتفرض واقعاً جديداً في البحر الأحمر على السعودية

الحقيقة ـ جميل الحاج

دخلت المواجهة بين صنعاء والرياض مرحلة جديدة تتجاوز حدود الحرب العسكرية التقليدية إلى صراع يستهدف موازين القوة الاقتصادية والبحرية في المنطقة، فبعد أكثر من 11 عاماً من العدوان والحصار، تؤكد القيادة اليمنية بصنعاء أن استمرار القيود المفروضة على اليمن لن يبقى بلا ثمن، وأن معادلة “الحصار بالحصار” أصبحت عنوان المرحلة، في ظل امتلاك اليمن أدوات ردع قادرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام أن السعودية افتتحت عدوانها على اليمن في 26 مارس 2015 باستهداف مطار صنعاء الدولي، حيث دمرت عدداً من الطائرات ومعظم مرافقه منذ الساعات الأولى للعدوان.

وأضاف أن العدوان الإسرائيلي الذي استهدف العدو الإسرائيلي للمطار لاحقاً جاء، على الطريقة السعودية، من خلال استهداف البنية التحتية المدنية ومحاولة تصوير تلك الاعتداءات على أنها إنجازات عسكرية.

وتساءل عبدالسلام: كيف يمكن لأي جهة أن تفرض وجهة واحدة من وإلى مطار صنعاء الدولي ثم تدّعي أنها لا تحاصر اليمن؟ مؤكداً أن القيود المستمرة على المطار تمثل دليلاً واضحاً على استمرار الحصار.

من جانبه، شدد عضو الوفد الوطني عبدالملك العجري على أن السعودية تستطيع تجنب تبعات الحصار إذا أعلنت انسحابها من اليمن، وتحملت مسؤولية إعادة إعمار ما دمره العدوان، مؤكداً أنها تتحمل المسؤولية ما دامت تسيطر على المنافذ والثروات وتفرض الحصار.

وخلال سنوات العدوان، برز النموذج اليمني بوصفه نموذجاً في إدارة الحرب غير المتكافئة، حيث أثبت أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لحسم الصراعات، وأن الإرادة والعزم والقدرة على توظيف وتطوير الإمكانات المحدودة، يمكن أن تحول القوة المادية الهائلة إلى عبء مكلف يفشل للعدو في تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.

ورغم أن اليمن لا يصنف قوة إقليمية وفق المفاهيم التقليدية للعلاقات الدولية، فإنه فرض نفسه لاعباً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي من خلال امتلاكه قدرة ردع تجاوزت حجمه الاقتصادي، مستفيداً من موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وقد أدى هذا التلازم بين العزم والقدرة العسكرية إلى فرض معادلات جديدة انعكست على حركة الملاحة الدولية، حيث اضطرت شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، ما رفع تكاليف النقل والتأمين وأثر في سلاسل الإمداد العالمية، كما ساهم في استنزاف منظومات الدفاع المتقدمة التي استخدمت لاعتراض الهجمات اليمنية.

وتعتبر صنعاء أن استمرار الحصار على مطار صنعاء وموانئ الحديدة يمنحها حق الانتقال إلى إجراءات مقابلة تستهدف المصالح الاقتصادية السعودية، انطلاقاً من مبدأ “الحصار مقابل الحصار”، عبر الضغط على الملاحة المتجهة من وإلى الموانئ السعودية في البحر الأحمر، وفي مقدمتها موانئ جدة وجازان وينبع.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن هذه المعادلة لم تعد مجرد إعلان سياسي، بل تحولت إلى واقع ميداني، مع بدء تنفيذ مراحل متدرجة من الحظر البحري، شملت منع السفن السعودية أو المرتبطة بشركات شحن سعودية من عبور البحر الأحمر باتجاه باب المندب، مع التلويح بتوسيع الإجراءات لتشمل السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية بغض النظر عن جنسيتها.

وفي هذا الإطار، نفذت القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية استهدفت السفينتين النفطيتين السعوديتين “ENCELIA” و**”LAYLA”** بعد مخالفتهما قرار الحظر البحري، باستخدام صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة، مؤكدة تحقيق إصابات مباشرة أجبرت كذلك نحو عشر سفن أخرى على التراجع والعودة.

وجددت القوات المسلحة تأكيدها استمرار العمليات البحرية حتى فرض معادلة “الحصار بالحصار”، محذرة من أن أي تصعيد جديد ضد اليمن سيقابل بعمليات أوسع في العمق السعودي.

وفي السياق ذاته، أوضح مستشار المجلس السياسي الأعلى محمد طاهر أنعم أن الحصار البحري سيتوسع تدريجياً من جيزان إلى جدة وينبع، مؤكداً أن أي مفاوضات أو وساطات مستقبلية ستكون تحت تأثير العمليات العسكرية، وأن القدرات الصاروخية والاستخباراتية اليمنية شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الماضية.

كما أكد عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله حزام الأسد أن الخطوات المقبلة ستكون أكثر حسماً، وقد تمتد إلى تعطيل تدفق النفط السعودي بالكامل إذا استمرت الرياض في التصعيد.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن الإجراءات اليمنية بدأت تنعكس على حركة الملاحة، حيث أعادت القوات اليمنية عشر سفن سعودية من باب المندب، بينما أكدت مصادر بحرية أن السفن التجارية باتت تلتزم بالتعليمات الصادرة عن القوات البحرية اليمنية، مع تشغيل أنظمة التعريف الخاصة بها لضمان استمرار العبور.

وأظهرت بيانات مواقع تتبع الملاحة غياب كامل للسفن المتجهة من وإلى الموانئ السعودية عبر باب المندب، كما اضطرت ناقلات نفط وسفن تجارية إلى تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر، في حين أكدت تقارير دولية استمرار تراجع حركة الشحن المرتبطة بالموانئ السعودية.

وامتدت تداعيات هذه التطورات إلى أسواق الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات، بينما أفادت تقارير اقتصادية بانخفاض شهية المستثمرين تجاه النفط السعودي بسبب المخاطر المرتبطة بالنقل البحري، في وقت حذرت فيه شركات متخصصة في تحليل بيانات الشحن من انتقال بؤرة المخاطر إلى البحر الأحمر، باعتباره ممراً رئيسياً لصادرات النفط السعودية والتجارة بين آسيا وأوروبا.

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة كندية أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة البحرية السعودية، مستندة إلى التجربة السابقة في البحر الأحمر، مشيرة إلى أن مضيق باب المندب يمثل ممراً حيوياً يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، وأن أي اضطراب فيه ستكون له تداعيات واسعة على حركة التجارة والطاقة.

وتخلص المعطيات إلى أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها الملاحة البحرية والطاقة والتجارة أدوات رئيسية في الصراع، وأن صنعاء باتت تربط بشكل مباشر بين استمرار الحصار على اليمن واستمرار الضغط على المصالح السعودية في البحر الأحمر.

وبذلك، تؤكد صنعاء أن إنهاء الحصار وفتح مطار صنعاء الدولي وجميع المنافذ دون قيود يمثل الطريق الوحيد لتجنب مزيد من التصعيد، في حين تشير التطورات العسكرية والاقتصادية إلى أن معادلة “الحصار بالحصار” أصبحت أحد أبرز عناوين المرحلة، وأن البحر الأحمر تحول إلى ساحة رئيسية لإعادة رسم موازين الردع في المنطقة.

قد يعجبك ايضا