هجمة إسرائيلية مرتدّة في القرن الأفريقي: إثيوبيا مدخلاً لاستعادة الهيمنة
في ظلّ تصاعد التهديدات في البحر الأحمر، تتقاطع تحرّكات «أنصار الله» مع مشاريع إقليمية تقودها إسرائيل وإثيوبيا لإعادة رسم موازين النفوذ في القرن الأفريقي، وسط صراع متنامٍ على الممرات البحرية الاستراتيجية.
أعلنت حركة «أنصار الله» اليمنية، الإثنين الماضي، فرض حصار على السفن الإسرائيلية العابرة للبحر الأحمر، في خطوة رأى فيها مراقبون مؤشراً إلى احتمال اتّساع رقعة المواجهة المرتبطة بالحرب على إيران. وجاء ذلك في وقت يُسجَّل فيه سعي إسرائيلي حثيث إلى بناء نظام إقليمي فرعي يقوده الكيان، بالاشتراك مع دول من داخل القرن الأفريقي من مثل إثيوبيا وجنوب السودان، وأخرى من خارجه في مقدّمها الإمارات.
وتبرز إثيوبيا، بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد وحزب «الازدهار»- بعد الانتخابات التي جرت مطلع الشهر الجاري -، باعتبارها أحد أبرز المستفيدين المحتملين من المشروع المذكور؛ إذ تسعى عبر الدفع به بقوة إلى تحقيق مكاسب إقليمية استراتيجية غير مسبوقة منذ استقلال إريتريا عام 1993، في مقدّمها الحصول على منفذ بحري سيادي، يُرجَّح أن يكون عبر إقليم «أرض الصومال» الانفصالي.
تهديدات «أنصار الله»: ما الجديد؟
قُرئ إعلان «أنصار الله» فرض حظر شامل على مرور السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، ولا سيما في حوضه الجنوبي، في سياق التجاذبات الإيرانية- الأميركية الأخيرة حول شروط تسوية الحرب. وفيما اقتصر القرار على السفن الإسرائيلية دون غيرها، بدا أن «أنصار الله» اختارت، هذه المرة، صيغة أقلّ كلفة على دول حوض البحر الأحمر، وخصوصاً السعودية التي أعادت توجيه 70% من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع المطلّ على الساحل الشرقي لهذا البحر الهام للغاية في حركة التجارة العالمية.
مع ذلك، أوحت تصريحات لمسؤولين في الحركة بأن القرار الحالي ليس سوى خطوة أولى، قد تتبعها إجراءات أشدّ في حال توسّعت الحرب على إيران أو لبنان، من بينها منع مرور السفن المتجهة إلى إسرائيل عبر مضيق باب المندب، بما يعني عملياً فرض نمط جديد من الحصار البحري على الكيان. وفي حال انتقلت الإجراءات إلى هذه المرحلة بالفعل، فهي من شأنها أن توجّه ضربة مباشرة إلى الجهود الإسرائيلية الرامية إلى ترسيخ حضور عسكري وأمني متقدّم في القرن الأفريقي. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة إذا ما شمل التصعيد مستقبلاً حركة الملاحة بين «أرض الصومال» وإسرائيل، بعدما يسّر الإقليم الانفصالي، منذ نهاية العام الماضي، تشغيل تل أبيب قاعدة عسكرية على أرضه، ضمن عملياتها العسكرية ضدّ طهران.
الاندفاعة الإثيوبية نحو البحر الأحمر
ترى إثيوبيا أن لها حقاً تاريخياً في الحصول على منفذ سيادي على البحر الأحمر لا يخضع لرقابة أو إشراف الدولة التي يقع هذا المنفذ ضمن أراضيها، سواء كانت الصومال أو إريتريا أو جيبوتي. وإذ تتعارض رؤية أديس أبابا مع نظيرتها المصرية التي تمنح الأولوية للدول المشاطئة لـ«الأحمر»، فهي لا تزال تواجه عقبات ليست يسيرة، من بينها إمساك «أنصار الله» بالإطلالة اليمنية على هذا البحر، وقدرتها الكبرى على التأثير في أمنه.
سعي إسرائيلي حثيث إلى بناء نظام إقليمي فرعي يقوده الكيان، بالاشتراك مع دول من القرن الأفريقي
ورغم اللغة الدبلوماسية الهادئة التي تعتمدها أديس أبابا حيال ملفّ الوصول إلى البحر الأحمر في هذه المرحلة الانتقالية- التي تمهّد لولاية جديدة لآبي أحمد -، وفق ما اتضّح أخيراً خلال زيارة وفد إثيوبي رفيع المستوى إلى واشنطن، تعكس الوقائع على الأرض نهجاً أكثر اندفاعاً. إذ تتحدث تقارير حديثة عن ضغوط إثيوبية غير مسبوقة على جنوب السودان، لدفعه إلى رفع مستوى التوتر مع مصر في أكثر من ملف، من بينها «اتفاقية عنتيبي»، التي دعت جوبا القاهرة والخرطوم إلى التوقيع عليها اتساقاً مع مطلب إثيوبيا الحثيث في هذا الإطار.
وإلى جانب ما تقدّم، يسجَّل توتر بين القاهرة وجوبا على خلفية مشروع «ممرّ باجاك» للطرق السريعة، الذي نجحت أديس أبابا في تأمين تمويل خارجي له من أطراف ثالثة – في حين طلب جنوب السودان من مصر إغلاق محطة تدريب ودعم لوجستي (أمني وعسكري) كانت تديرها في مدينة باجاك قرب حدوده مع إثيوبيا -. وإذ تنسجم هذه الخطوة مع تصوّرات بناء نظام إقليمي فرعي في القرن الأفريقي، تقوده إثيوبيا بدعم إماراتي وإسرائيلي، فإنه لا يمكن فصلها عن الهدف الاستراتيجي المتمثل في تأمين منفذ دائم على البحر الأحمر.
في موازاة ذلك، تتجه العلاقة بين آبي أحمد والرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، نحو مزيد من التوتر، بعدما انهار التحالف الذي جمع الطرفَين خلال حرب تيغراي. واكتسبت زيارة أفورقي إلى القاهرة، بين السابع والتاسع من حزيران الجاري، أهمية خاصة؛ إذ حضرت مسألة المساعي الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر في صلب المباحثات مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ممّا أظهر حجم القلق الإقليمي المتنامي من المشروع الإثيوبي.
أرض الصومال وقبلة الحياة الإسرائيلية
تتبنّى قيادة «أرض الصومال» الرواية الإسرائيلية والغربية التي تقدّم الوجود الإسرائيلي في خليج عدن باعتباره جزءاً من جهود مكافحة القرصنة والإرهاب وتأمين الملاحة البحرية. غير أن هذه الرواية تتجاهل الأبعاد الجيوسياسية الأوسع لهذا الحضور، وما يثيره من مخاوف لدى دول القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر حيال تحوّل المنطقة إلى ساحة نفوذ أمني وعسكري جديد، تتداخل فيها المصالح الإسرائيلية والإقليمية والدولية.
ويأتي هذا فيما تزداد علاقة هرجيسا بتل أبيب متانة على خلفية عاملَين متوازيَين: أولهما، تصاعد التهديدات اليمنية المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن، وثانيهما تراجع الرهانات التي عقدتها قيادة الإقليم على إمكان الحصول على دعم أميركي يفتح الباب أمام الاعتراف بـ«أرض الصومال» ككيان مستقل. وكان حمل تقرير رفعته وزارة الخارجية الأميركية إلى الكونغرس، في حزيران الجاري، مؤشرات واضحة إلى تمسّك واشنطن بموقفها التقليدي القائم على الاعتراف بوحدة أراضي جمهورية الصومال الفدرالية. وإذ يتقاطع هذا الموقف مع مواقف قوى إقليمية فاعلة، في مقدّمها تركيا ومصر والسعودية، التي ترفض أيّ مسار يؤدي إلى تكريس انفصال الإقليم، يبدو أن واشنطن سعت، من خلال تجديده، إلى تبديد مخاوف حلفائها الإقليميين من أيّ تغيير محتمل في مقاربتها لهذا الملف.
وفي الوقت نفسه، لم يُخفِ التقرير الأميركي الأهمية الجيوستراتيجية التي تمثّلها «أرض الصومال» بالنسبة إلى الولايات المتحدة، سواء لجهة موقعها المشرف على باب المندب وخليج عدن، أو لجهة ما تحتويه من موارد ومعادن استراتيجية. إلا أنه شدّد، في المقابل، على أن أيّ انخراط أميركي في الإقليم يظلّ محكوماً بالعلاقة مع الحكومة الفدرالية في مقديشو، ما يضع سقفاً واضحاً للتطلّعات السياسية لقيادة هرجيسا.
وإلى تراجع آفاق الاعتراف الأميركي بالإقليم كـ«دولة مستقلة»، وفقدانه ظهيره العربي بشكل تامّ مع عدم ضمان أن تؤدي علاقاته بإثيوبيا والإمارات إلى استقراره على المدى البعيد، تضاف حقيقة كونه منكشفاً أمام تهديدات «أنصار الله»، وهو ما ستترتّب عليه آثار مباشرة على حركة التجارة المتجهة من الإقليم إلى البحر الأحمر (والتي ستصنَّف مباشرة على أنها على صلة بإسرائيل). لكن تظلّ الصلة الأوثق لـ«أرض الصومال» حتى الآن بحليفه الإسرائيلي، وتعهّد الإقليم بتأدية دور تخادمي كامل، وبلا شروط تذكر، لدعم التغلغل الصهيوني في الصومال والقرن الأفريقي