هرمز يفرض معادلته.. قمة الناتو في أنقرة أمام قوة الردع الإيرانية
تزامن انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة مع تصاعد لافت في المشهدين السياسي والعسكري في المنطقة، في ظل تنامي مؤشرات الردع الإيراني. وفي هذا السياق، نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر أمريكية أن بحرية الحرس الثوري الإيراني استهدفت سفنًا في مضيق هرمز، في خطوة تعكس، وفق هذا الطرح، قدرة طهران على فرض معادلاتها الأمنية في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، بالتزامن مع المشاورات التي يجريها قادة الحلف بشأن تطورات المنطقة.
جاء الرد الأمريكي عبر القيادة المركزية (سنتكوم) بسلسلة غارات وصفتها واشنطن بأنها “انتقامية”، عقب الأحداث التي شهدها مضيق هرمز، ملوّحة بتصعيد جديد ضد إيران بذريعة حماية الملاحة التجارية، في وقت تؤكد فيه طهران أن أمن المضيق شأن سيادي لا يجوز إخضاعه للهيمنة الأجنبية.
وفي سياق متصل، أعلنت بريطانيا وفرنسا استعدادهما لنشر بعثة عسكرية متعددة الجنسيات تحت عنوان “حماية حرية الملاحة”، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة جديدة لتوسيع الحضور العسكري الغربي في الخليج. وجاء الإعلان في بيان مشترك للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، تزامناً مع ترحيب باريس بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، التي عُدّت فرصة لتخفيف التوتر إذا ما التزمت الأطراف باحترام المصالح الإقليمية.
وكشف ماكرون عن تحريك قطع بحرية فرنسية تضم كاسحتي ألغام وفرقاطتين، فيما تحدث وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو عن مبادرات داخل حلف شمال الأطلسي لإرسال كاسحات ألغام إضافية إلى المنطقة، مؤكداً أن هذه التحركات تُقدَّم على أنها دفاعية، رغم ما تثيره من مخاوف بشأن عسكرة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
كما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده للمشاركة في أي عملية محتملة لإزالة الألغام في مضيق هرمز.
في المقابل، جددت إيران موقفها الرافض لأي وجود عسكري أمريكي أو أطلسي في المضيق، مؤكدة عبر مقر “خاتم الأنبياء” أن إدارة أمن هرمز مسؤولية الدول المطلة عليه، وأن أي محاولة لفرض وصاية خارجية تمثل انتهاكاً للسيادة الإقليمية. وشدد البيان على أن أي اعتداء أمريكي سيُواجه برد حاسم، مؤكداً أن أمن الملاحة لا يتحقق إلا من خلال التنسيق مع إيران والدول المشاطئة، وليس عبر فرض قوات أجنبية.
وأضاف البيان أن طهران تعتبر المسارات التي تحددها وفق مقتضيات الأمن والسلامة البحرية الإطار الأكثر ضماناً لعبور السفن، رافضة أي ترتيبات أحادية تتجاوز الواقع الجغرافي والقانوني للمضيق.
يرى محللون أن التطورات الأخيرة تفتح الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: تصعيد عسكري محدود
يقوم على نجاح الولايات المتحدة في حشد قوة بحرية مشتركة تحت مظلة “الناتو” لمرافقة السفن داخل المضيق، وهو ما قد يرفع احتمالات الاحتكاك المباشر مع القوات الإيرانية ويزيد من مخاطر اتساع دائرة المواجهة.
السيناريو الثاني: استمرار سياسة الردع الإيرانية
ويُعد الأكثر ترجيحاً، إذ تواصل إيران استخدام أوراق قوتها العسكرية والبحرية لترسيخ معادلة ردع تمنع فرض أمر واقع جديد في مضيق هرمز، مع الحفاظ على أدوات الضغط الاستراتيجية التي تدفع الأطراف الغربية نحو تسريع المسار الدبلوماسي والاعتراف بالمصالح الإيرانية المشروعة، دون تقديم تنازلات تمس سيادتها.
السيناريو الثالث: العودة إلى التهدئة
ويفترض تراجع حدة التوتر وعودة جميع الأطراف إلى ضبط النفس واستكمال المفاوضات، إلا أن هذا الاحتمال يبقى محدوداً ما دامت التحركات العسكرية الغربية مستمرة في محيط المضيق.
وفي تقييمه للمشهد، أشار الخبير في الدراسات الأمنية بمعهد الدوحة مهند سلوم إلى أن الدول الأوروبية تمتلك الإمكانات العسكرية اللازمة لنشر قوة بحرية في الخليج إذا توفرت الإرادة السياسية، موضحاً أن الحرب في أوكرانيا لم تُفقدها قدراتها البحرية الأساسية.
وأضاف أن أمن مضيق هرمز يرتبط بشكل مباشر بأمن الطاقة الأوروبي، وهو ما يدفع عدداً من الدول الغربية إلى التفكير بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة. غير أن هذا التوجه يصطدم بالموقف الإيراني الثابت الذي يؤكد أن أمن المضيق يجب أن يبقى بيد الدول الإقليمية، وبالتنسيق مع سلطنة عُمان، بعيداً عن أي تدخل عسكري خارجي.
وسلطت التطورات الأخيرة الضوء مجدداً على التنافس حول إدارة المسارات البحرية داخل مضيق هرمز، بعد تقارير تحدثت عن تعرض ناقلة النفط القطرية “الرقيات” لحادث أثناء عبورها أحد الممرات البحرية.
وبحسب المعطيات المتداولة، كانت الناقلة تعبر ضمن مرافقة عسكرية أمريكية، قبل أن تصدر القوات الإيرانية تحذيرات بعدم استخدام المسار الذي اعتبرته غير آمن، مؤكدة أن تجاهل هذه التحذيرات من شأنه تعريض السفن للمخاطر.
ويرى مراقبون أن امتناع طهران عن إصدار تعليق رسمي مباشر يعكس اعتمادها سياسة الرسائل الميدانية المدروسة، الهادفة إلى التأكيد أن أي ترتيبات أمنية في مضيق هرمز لا يمكن فرضها من خارج المنطقة، وأن أمن هذا الممر الاستراتيجي ينبغي أن يُدار بالتفاهم مع إيران والدول المشاطئة، لا عبر نشر قوات أجنبية.
وفي موازاة التصعيد، أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته التوصل إلى اتفاق لشراء 12 طائرة نقل عسكري إستراتيجي من طراز “إيه 400 إم” لتعزيز القدرات اللوجستية للحلف، داعياً الدول الأعضاء إلى رفع جاهزيتها العسكرية.
إلا أن هذه التحركات تتزامن مع تزايد الخلافات داخل الحلف بشأن توزيع الأعباء المالية، في ظل مطالبة واشنطن الدول الأوروبية برفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، فضلاً عن تباينات مع بعض العواصم الأوروبية بشأن انتشار القوات الأمريكية واستخدام القواعد العسكرية، وهو ما يكشف استمرار الانقسامات داخل الناتو رغم محاولاته إظهار جبهة موحدة في مواجهة التحديات الإقليمية.
مصدر : إسلام تايمز