مرَّت أكثرُ من أربعة أعوام منذ الإعلان عن الهدنة بين أحرار اليمن ودول تحالف العدوان، وعلى رأسها السعوديّة والإمارات، وسط آمال واسعة بأن تمثل تلك الهدنة بدايةً لمرحلة جديدة تُطوى فيها صفحة العدوان والحرب، ويتم الانتقال إلى معالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية التي أثقلت كاهل اليمنيين.
وكان من أبرز الاستحقاقات المنتظرة إطلاقُ جميع الأسرى والمختطفين والمخفيين وفق مبدأ “الكل مقابل الكل”، وتحييد المِلف الاقتصادي عن الخلافات السياسية، وصرف مرتبات جميع موظفي الدولة وفق كشوفات عام 2014م، بما يسهم في تخفيف معاناة المواطنين وتهيئة الأجواء لسلام دائم.
غير أن السنوات التي أعقبت الهُدنة تعرضت لنكث سعودي ولم تشهد، حتى اليوم، تنفيذًا لهذه الاستحقاقات، وظلت العديد من الملفات الجوهرية تراوح مكانها.
وتعمَّد أعداء اليمن إبقاءَ الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في دائرة التعقيد، في وقت كان اليمنيون ينتظرون خطواتٍ عملية تعزّز الثقةَ وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.
وفي المقابل، لم تتوقف التطورات العسكرية والأمنية في المحافظات المحتلّة الواقعة خارج سيطرة حكومة صنعاء، حَيثُ استمرت حالة تعدد التشكيلات العسكرية واختلاف مراكز النفوذ، إلى جانب استمرار نهب الموارد والثروات الوطنية، في ظل تدهور الخدمات الأَسَاسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والانفلات الأمني، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومعيشتهم.
إن أية عملية سلام حقيقية تتطلب تنفيذ الالتزامات المتفق عليها بصورة متوازنة، وفي مقدمتها معالجة الملف الإنساني والاقتصادي؛ باعتبَارهما المدخل الأَسَاسي لبناء الثقة بين الأطراف، ولا يمكن أن تقتصر على خفض التصعيد فحسب.
كما إن استمرار تأجيل هذه المِلفات يضعف فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، ويُبقي أسباب التوتر والصراع قائمة.
واليوم، وبعد مرور هذه السنوات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لتنفيذ استحقاقات السلام بصورة عملية.
ويشمل ذلك إطلاق جميع الأسرى والمختطفين والمخفيين، وضمان صرف مرتبات الموظفين، وإعادة إعمار ما دمّـره العدوان، وتعويض المتضررين، ومعالجة الآثار الاقتصادية والإنسانية للنزاع، وخروج جميع القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية، بما يهيئ الأجواء لحوار يمني يمني شامل يقرّر فيه اليمنيون مستقبل بلادهم بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وفي المقابل، فإن استمرار حالة الجمود والمماطلة والتهرب من تنفيذ هذه الاستحقاقات قد يؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر، ويزيد من احتمالات الرجوع إلى خيار القوة إذَا تعذر تحقيق الحقوق عبر المسار السياسي.
ومن هنا، فإن الحفاظَ على فرص السلام يتطلب البدء بخطوات عملية تعيد الثقة، وتثبت جِدية السعوديّة في تنفيذ التزاماتها والاتّفاقات.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبحت الكرةُ اليوم في ملعب السعوديّة؛ باعتبَارها الطرفَ الرئيسَ في هذا المسار، فهي أمام خيارَين لا ثالث لهما: إما المضي نحو تنفيذ استحقاقات السلام بصورة كاملة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار، واحترام حق الجوار، وإما استمرار حالة المراوحة والمماطلة، بما تحملُه من مخاطرَ على مستقبل المنطقة، ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة، في وقت أصبح فيه اليمنيون أكثر تمسكًا بحقوقهم، وأكثر إصرارًا على إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب.