إنكار لا يصمد أمام الوقائع: كيف تحولت دول الخليج والأردن إلى منصات حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران؟

ـ الخليج والأردن في شبكة العدوان الصهيوأمريكي على إيران: من القواعد العسكرية إلى الشراكة العملياتية المكشوفة
ـ القواعد والأجواء ومنظومات الدفاع: الدور الخليجي والأردني في الحرب على إيران بين التواطؤ العسكري والسياسي
ـ تفكيك “خديعة الحياد”.. تورط دول الخليج والأردن في العدوان الصهيوأمريكي على إيران

 الحقيقة ـ جميل الحاج

في خضمّ التصعيد العسكري الكبير الذي شهدته المنطقة خلال عامي 2025 و2026، برزت معادلة إقليمية شديدة التعقيد كشفت حجم التشابك بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة، وعدد من الدول الخليجية والأردن من جهة أخرى، ضمن بنية عسكرية وأمنية متكاملة استُخدمت في العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ورغم محاولات بعض الأنظمة الخليجية، ومعها الأردن، تقديم نفسها بوصفها ضحية لتداعيات الحرب أو طرفًا محايدًا، فإن المعطيات العسكرية والتقارير الغربية والتحركات اللوجستية والاستراتيجية تشير إلى واقع مغاير، يتمثل في انخراط هذه الدول ضمن منظومة الدعم الاستخباراتي والعملياتي واللوجستي للعدوان، سواء عبر القواعد العسكرية، أو المجال الجوي، أو شبكات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، أو التسهيلات السياسية والدبلوماسية.

لقد أظهرت الحرب أن منطقة الخليج والأردن لم تكن مجرد فضاء جغرافي محيط بالصراع، بل شكّلت بنية تحتية متقدمة للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، بما تضمّه من قواعد جوية، وموانئ، ورادارات، ومنظومات دفاع صاروخي، وممرات حيوية للهجمات والاستطلاع وإعادة التموضع العسكري.

ومن هنا، فإن خطاب “الحياد” أو “المظلومية” الذي حاولت بعض هذه الدول تبنيه، يصطدم بواقع ميداني يضعها في قلب شبكة العدوان، لا على هامشها.

الخليج العربي: من الجغرافيا إلى غرفة العمليات

شكّلت دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت، العمق الاستراتيجي الأهم للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.

فالقواعد المنتشرة في هذه الدول لم تكن منشآت دفاعية محلية فحسب، بل تحولت إلى مراكز قيادة وسيطرة ودعم لوجستي مباشر، تُدار من خلالها العمليات الجوية والصاروخية والاستخباراتية.

وتؤكد تقارير عسكرية أمريكية أن أهمية هذه القواعد تنبع من قربها الجغرافي من إيران، ما يسمح باستخدامها لنشر أجهزة الاستشعار المتقدمة، وإدارة النيران الدقيقة، وتنسيق عمليات الاستهداف، وإسناد القوات الأمامية.

كما استُخدمت المطارات والقواعد الجوية الخليجية لإقلاع طائرات الاستطلاع، والتزود بالوقود، والطائرات القتالية، إضافة إلى استقبال مئات رحلات الشحن العسكري الأمريكي التي نقلت الذخائر والأنظمة الدفاعية قبل الحرب وخلالها.

ومن أبرز ما كشفه الإعلام الأمريكي، استخدام قواعد خليجية لإطلاق صواريخ PrSM الباليستية قصيرة المدى ضد أهداف داخل إيران، وهو ما يعكس تجاوز الدور الخليجي حدود “الاستضافة” إلى المشاركة الفعلية في العمليات الهجومية.

منظومة الدفاع الإقليمي: حماية (إسرائيل) تحت عنوان الدفاع المشترك

مثّل ما يُعرف بمنظومة الدفاع الإقليمي المتكامل (IAMD) أحد أخطر أوجه الشراكة الخليجية في الحرب، إذ وفّرت هذه المنظومة مظلة إنذار مبكر واعتراض صاروخي لحماية الكيان الإسرائيلي والقواعد الأمريكية، عبر تشغيل رادارات بعيدة المدى مثل AN/TPY-2 وAN/FPS-132، إلى جانب بطاريات THAAD.

وقد استخدمت هذه الأنظمة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المتجهة نحو فلسطين المحتلة، ما يعني عمليًا أن هذه الدول أدّت دورًا دفاعيًا مباشرًا عن (إسرائيل).

كما أن الاعتراضات التي جرت فوق أجواء الخليج لم تكن لحماية هذه الدول من تهديد مباشر، بل لمنع وصول الضربات الإيرانية إلى أهدافها الأساسية، وهو ما يُضعف الرواية القائلة بأن تلك المنظومات مخصصة فقط للدفاع السيادي المحلي.

الأردن: الحليف العملياتي المتقدم

لعب الأردن دورًا محوريًا يتجاوز كونه دولة عبور أو موقعًا جغرافيًا وسيطًا، إذ تحوّل إلى منصة عملياتية متقدمة ضمن شبكة العدوان.

فمن خلال اتفاقيات التعاون الدفاعي مع واشنطن، أصبحت أراضيه تضم قواعد ومنشآت أمريكية واسعة، أبرزها قاعدة موفق السلطي الجوية، التي استُخدمت لنشر عشرات الطائرات الأمريكية، بما فيها F-16 وF-15 وF-35، إضافة إلى طائرات التزود بالوقود ومنظومات ثاد وباتريوت.

كما استُخدم المجال الجوي الأردني بكثافة لعبور الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، وتنفيذ مهام هجومية واستطلاعية ضد إيران، فضلًا عن مساهمة الأردن في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المتجهة نحو فلسطين المحتلة.

وقد جعل ذلك الأردن جزءًا مباشرًا من منظومة الحرب، لا مجرد طرف مراقب أو محايد.

الخسائر الإيرانية المضادة: القواعد تتحول إلى أهداف

أحد أبرز التحولات الاستراتيجية التي كشفتها الحرب تمثل في نجاح إيران في تحويل القواعد الأمريكية في الخليج والأردن إلى أهداف مباشرة.

فقد تحدثت تقارير أمريكية عن أضرار جسيمة طالت عشرات المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة، شملت مدارج، ورادارات، ومخازن ذخيرة، وطائرات متقدمة، ومراكز قيادة.

وشملت الضربات قواعد في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، والأردن، ما كشف هشاشة المنظومة الدفاعية الأمريكية رغم كثافة انتشارها.

كما أبرزت هذه التطورات أن استضافة القواعد الأمريكية لم تعد مصدر حماية، بل قد تتحول إلى عبء استراتيجي يجرّ الدول المضيفة إلى قلب الاستهداف.

التواطؤ السياسي والدبلوماسي

لم يقتصر الدور الخليجي والأردني على البعد العسكري، بل امتد إلى الغطاء السياسي والدبلوماسي، سواء عبر التنسيق مع الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية، أو عبر توفير شرعية إقليمية للعمليات الأمريكية والإسرائيلية تحت عناوين “الدفاع” و”الاستقرار”.

وفي المقابل، سعت هذه الأنظمة إلى تقديم نفسها للرأي العام بوصفها متضررة من الرد الإيراني، متجاهلة أن مشاركتها البنيوية في الحرب جعلتها طرفًا في العدوان.

خاتماً: يكشف العدوان على إيران خلال عامي 2025 و2026 أن منطقة الخليج والأردن لم تكن خارج الصراع، بل شكّلت جزءًا رئيسيًا من بنيته العملياتية والسياسية.. فالقواعد، والمجال الجوي، والرادارات، ومنظومات الدفاع، والدعم اللوجستي، كلها عناصر تؤكد انخراطًا مباشرًا أو غير مباشر في العدوان الصهيوأمريكي.

وبالتالي، فإن أي ادعاء بالحياد أو المظلومية يتناقض مع الوقائع العسكرية التي أظهرت أن هذه الدول أدّت أدوارًا أساسية في تمكين العمليات الأمريكية والإسرائيلية، كما أن الردود الإيرانية، وفق هذا المنظور، جاءت ضمن سياق استهداف البنية المشاركة في الحرب، لا الشعوب نفسها.

لقد أعادت هذه الحرب رسم معادلة الأمن الإقليمي، وأثبتت أن تحويل الدول إلى منصات للحروب الخارجية يجعلها شريكًا في نتائجها، ويضعها أمام مسؤوليات سياسية وأخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها بخطابات الإنكار أو بيانات التبرير.

قد يعجبك ايضا