هندسة الوصاية وفخ التطبيع: “اتفاق الإطار الثلاثي” كمحاولة لانتزاع بالسياسة ما عجز عنه الاحتلال بالحرب

وثيقة الإذعان الأمريكي وقنبلة الفتنة: جبهة الرفض اللبنانية تُسقط “إطار واشنطن” وتحصّن معادلات الردع
وثيقة الإذعان المقنّع: تفكيك “اتفاق الإطار الثلاثي” وهندسة الوصاية الأمريكية على لبنان

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

يتجاوز “اتفاق الإطار الثلاثي” الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية عقب المفاوضات التي شارك فيها لبنان إلى جانب كيان الاحتلال الإسرائيلي، فكرة “تثبيت وقف إطلاق النار” أو معالجة تداعيات حرب استمرت لثلاث سنوات متواصلة.

إن التدقيق البنيوي في سطور هذه الوثيقة وفي توقيتها الجيوسياسي يكشف عن مسار سياسي وأمني جديد يُراد فرضه على لبنان، واضعاً لبنان تحت وصاية أمريكية مباشرة، ومقدماً للاحتلال الإسرائيلي مكاسب استراتيجية عجز عن انتزاعها في الميدان عبر آلته العسكرية طوال أشهر المواجهة والاستنزاف.

لا يبدو هذا الاتفاق إطاراً لإنهاء الحرب بقدر ما هو محاولة لإعادة صياغة الهوية الأمنية والسياسية للبنان بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية المشتركة، مستهدفاً تفكيك عناصر القوة اللبنانية وتحويل الهزيمة الميدانية للاحتلال إلى انتصار دبلوماسي على ورق المعاهدات.

أولاً: فخ التعبيرات الناعمة وشرعنة الاحتلال

تبدأ الوثيقة بصياغات فضفاضة تتحدث عن “سلام وأمن دائمين”، و”إنهاء الصراع”، و”إقامة علاقات جوار سلمية”.

خلف هذه العناوين البراقة تكمن خطة متكاملة لنقل لبنان إلى مسار تطبيع سياسي وأمني مع كيان لا يزال يحتل أراضٍ لبنانية ويواصل خروقاته اليومية.

اختلال التوازن السيادي

اعتراف مجاني: ينص الاتفاق على “حق كل منهما في الوجود بسلام كدولتين سياديتين”، دون ربط هذا البند بأي التزام إسرائيلي بإنهاء الاحتلال أو الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة (ك مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والغجر).

إسقاط القرارات الدولية: يخلو النص من أي مرجعية تلزم الاحتلال بتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، أو تقديم ضمانات قانونية بوقف الانتهاكات الجوية والبرية والبحرية.

تغييب مسببات الصراع: تتحدث الوثيقة عن “معالجة أسباب الصراع” دون الإشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي أو مجازره وتدميره الممنهج للبنية التحتية، مظهرةً وجود المقاومة وكأنه السبب الوحيد للأزمة، ومتجاهلةً أن المقاومة هي رد فعل طبيعي على وجود الاحتلال نفسه.

ثانياً: إعادة هيكلة الواقع الأمني وتكبيل الجيش

تفرض الوثيقة التزامات أمنية قاسية ومجحفة على الجانب اللبناني وحده، مقابل إعفاء كامل للاحتلال الإسرائيلي من أي قيود عملية.. فبينما يطالب لبنان بتغيير بنيته الأمنية والدستورية، تظل يد الاحتلال مطلقة في المنطقة.

تفكيك بنية المقاومة

يفرض الاتفاق على الدولة اللبنانية استعادة ما يسميه “احتكار القوة”، وهو تعبير ديبلوماسي يعني إلزامية “نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية” (والمقصود المباشر هنا هو سلاح حزب الله) وتفكيك بنيتها التحتية، ومنع مصادر تمويلها، وإخضاع كافة هذه العمليات لآليات تحقق وتوثيق صارمة تقودها جهات خارجية.

الخطورة الاستراتيجية: نزع سلاح المقاومة وتفكيك منظومتها الدفاعية يتم في وقت لا يزال فيه الاحتلال جاثماً فوق الأراضي اللبنانية، مما يجرّد لبنان من أوراق قوته الرادعة ويتركه مكشوفاً أمنياً وعسكرياً.

تحويل الجيش إلى أداة تنفيذية

تطرح الوثيقة مفهوم “المناطق التجريبية” التي يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية تدريجياً، وتربط ذلك ببرنامج تقييم “صارم قائم على الأداء”.

هذا الشرط يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع بيئتها الوطنية ويجعل الدعم الخارجي للجيش مشروطاً بمدى نجاحه في صدام داخلي يعرض السلم الأهلي للخطر.

التنسيق العسكري المباشر

تضمّن الاتفاق بنداً ينص على إنشاء “فريق تنسيق عسكري لبناني – إسرائيلي” بمشاركة أمريكية.

هذا البند يتجاوز اللجان التقنية المؤقتة ليؤسس لقنوات اتصال وتنسيق دائمة ومباشرة بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال، وهو تحول يمس عقيدة الجيش القتالية ويقيد القرار السيادي اللبناني لسنوات مقبلة.

ثالثاً: تسييس الإعمار وسلاح الرقابة المالية

لم تقتصر الوثيقة على الجوانب العسكرية والأمنية، بل امتدت لتشمل الأدوات الاقتصادية والمالية كوسيلة ضغط لإخضاع الدولة اللبنانية.

الإعمار المشروط: يربط الاتفاق ملف إعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي بمدى تنفيذ لبنان لالتزاماته الأمنية ونزع السلاح. وبذلك تتحول المساعدات الإنسانية وحق الشعب في إعمار ما دمرته الحرب إلى ابتزاز سياسي، دون تحميل “إسرائيل” أي مسؤولية قانونية أو مالية عن الدمار الهائل الذي ألحقته بلبنان على مدار ثلاث سنوات.

الوصاية المصرفية: إن البند المتعلق بـ “منع تدفق الأموال إلى الجماعات غير الحكومية” يفتح الباب واسعاً أمام منظومة عقوبات أمريكية متجددة، تمنح واشنطن حق التدخل المباشر في النظام المصرفي اللبناني والسياسات المالية للدولة تحت غطاء “مكافحة التمويل”، مما يعمق اختراق مؤسسات الدولة الاقتصادية.

رابعاً: كواليس الهندسة الجيوسياسية وخيارات المواجهة

خلف الستار، لم يكن هذا الاتفاق وليد الصدفة، بل جاء ثمرة حراك ماراثوني قاده وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بضوء أخضر من دونالد ترامب.. يعكس تحرك روبيو حسابات سياسية شخصية لتعزيز رصيده داخل الحزب الجمهوري ومنافسة شخصيات صاعدة مثل نائب الرئيس جي دي فانس، عبر تقديم مكاسب استراتيجية لتل أبيب ترضي دوائر الضغط المؤيدة لـ “إسرائيل” في واشنطن.

وقد تقاطعت هذه الاندفاعة الأمريكية مع رغبة إقليمية، برزت في الدور السعودي الساعي لتفكيك عناصر قوة المقاومة في لبنان تلبيةً لحسابات إقليمية ضيقة.

وتحت وطأة هذه الضغوط المتعددة، انصاعت السلطة اللبنانية لتوقيع اتفاق يمثل في جوهره طوق نجاة دبلوماسي لنتنياهو لإنقاذه من أزماته الوجودية الداخلية وإعادة تأهيله دولياً كـ “صانع سلام”.

استراتيجية المواجهة المضادة: “الاتفاق مقابل الاتفاق”

إن الدبلوماسية الهجومية التي تتبناها جبهة المقاومة لمواجهة محاولة “فصل المسارات” ترتكز على معادلة واضحة:

التمسك بالمرجعية الأم: اعتبار “اتفاق إسلام آباد” المبرم بين طهران وواشنطن هو الأصل والمرجعية الإقليمية الحاكمة التي صاغت معادلات الردع الجديدة، وأن أي اتفاق مجتزأ في بيروت لن يمر كتعويض لنتنياهو عن انكسار مشروعه.

لجم السلطة اللبنانية: كشف الاتفاق الإيراني-الأمريكي عن هشاشة الأدوات الإقليمية والسلطة اللبنانية الحالية، مما يستوجب تحركاً سياسياً وقانونياً داخلياً صارماً لمنع السلطة من تسييل التضحيات وتمرير شروط واشنطن.

التلويح بالخيار العسكري: لا يمكن للسياسة أن تثمر دون إسناد ميداني خشن؛ لذا فإن خيار العودة إلى العصف العسكري واستئناف المواجهة يظل مطروحاً على الطاولة لإبطال مفعول هذا الاتفاق إذا ما حُوّر لاستهداف سلاح المقاومة أو بيئتها.

خامساً: جبهة الرفض اللبنانية الدستورية والسياسية

شهدت الساحة اللبنانية موجة رفض عارمة وشديدة اللهجة من مختلف القوى السياسية والوطنية، التي اعتبرت الاتفاق خطوة تآمرية تفتقر إلى الشرعية الدستورية والميثاقية.

1ـ موقف قيادة حزب الله

أصدر الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بياناً شديد اللهجة أكد فيه أن الاتفاق يمثل تنازلاً خطيراً عن السيادة الوطنية وطعنة للمقاومة في ظهرها عبر قرار حكومي مشؤوم وصف المقاومة بأنها خارجة عن القانون منذ اللحظة الأولى للحرب.

وأشار إلى أن المفاوضات لم تكن سوى “اجتماعات إذعان” تفضي لتنازلات مجانية للاحتلال الذي أعلن رئيس حكومته نتنياهو بوضوح استمرار احتلاله لجنوب لبنان.

شدد النائب حسين الحاج حسن على أن ما جرى ليس اتفاقاً بل استسلام كامل وشروط ملزمة للبنان دون أي التزامات مقابلة على العدو، معلناً أن السلطة فاقدة للشرعية والميثاقية.

أكد النائب حسن فضل الله أن “اتفاق الذل لن يطبق، وسلاحنا باقٍ لتحرير الأرض وحماية شعبنا”، بينما اعتبر النائب إبراهيم الموسوي أن وصف نتنياهو للاتفاق بالإنجاز يعكس حجم الإذعان اللبناني لإملاءات العدو، مؤكداً أنه ساقط قانوناً ودستورياً.

2ـ موقف حركة أمل ورئاسة البرلمان

حذر رئيس مجلس النواب نبيه بري اللبنانيين من الوقوع في الفتنة الداخلية مستشهداً بالقول: “كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب”.

أصدر المكتب السياسي لحركة أمل بياناً رفض فيه المفاوضات المباشرة، مؤكداً أن الاتفاق غير متوازن ويكرس وقائع لمصلحة العدو على حساب المصلحة الوطنية، وينطوي على مخاطر سياسية وسيادية تمنع القبول به كأساس لأي تفاهم عادل.

3ـ المواقف الوطنية والشعبية الأخرى

وصف رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان الاتفاق بأنه خطوة عملية في مشروع الفتنة الداخلية التي طالما خططت لها “إسرائيل”.

وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان نداءً عاجلاً للشعب لإطفاء نار فتنة السلطة الحالية قبل أن تحرق لبنان كرمى لفريق تم توظيفه خارجياً.

اعتبر المؤتمر الشعبي اللبناني أن إطار واشنطن المشؤوم يشكل انقلاباً خطيراً على اتفاق الطائف واستسلاماً سلطوياً مذلاً.

من يفرض قواعد التاريخ؟

إن الرهان الحقيقي في هذه المرحلة الحساسة لا يكمن في الحبر الذي كُتبت به بنود “اتفاق الإطار”، بل في المرجعية السياسية والقدرة على تفسير وتطبيق هذه البنود على أرض الواقع.

وإذا كان نتنياهو وإدارة واشنطن يسعيان لتحويل الدبلوماسية المجتزأة إلى أداة لتعويض خسائر الميدان، فإن جبهة الرفض اللبنانية المسنودة بمعادلات الردع الإقليمية كفيلة بتفريغ هذا الاتفاق من مضمونه السياسي وجعله ساقطاً عملياً.

في نهاية المطاف، فإن التاريخ لا يخلّد من يوقّع الاتفاقات تحت وطأة الضغط والإذعان والخيانة، بل يخلّد من يمتلك القدرة على فرض القواعد وحماية السيادة، وتحويل تضحيات الشهداء وجراح المدنيين إلى معادلات سياسية راسخة تمنع استباحة لبنان.

قد يعجبك ايضا