الأقصى في مواجهة التهويد: من قرارات الإبعاد إلى اقتحامات الجمعة.. صراع الوجود والسيادة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده مدينة القدس المحتلة، يعود المسجد الأقصى المبارك إلى واجهة الصراع بوصفه مركز المواجهة الدينية والسياسية والسيادية الأشد حساسية في فلسطين. فالأحداث الأخيرة، التي تراوحت بين قرارات إبعاد شخصيات دينية بارزة مثل الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال الخطيب، وتصاعد دعوات جماعات الهيكل المتطرفة لفرض اقتحام غير مسبوق للمسجد يوم الجمعة 15 مايو، تعكس مرحلة جديدة من الصراع على هوية القدس وطبيعة السيطرة داخل الحرم القدسي الشريف.
لم تعد الإجراءات الإسرائيلية في القدس تُقرأ باعتبارها ترتيبات أمنية ظرفية، بل باتت تُنظر إليها فلسطينياً وعربياً كجزء من مسار متدرج لإعادة تشكيل الواقع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، عبر توسيع الاقتحامات، وتقييد الوجود الفلسطيني، واستهداف المرجعيات الدينية والوطنية المرتبطة بحماية المسجد. وبينما يسعى الاحتلال، مدعوماً من جماعات الهيكل وحلفائها السياسيين، إلى اختبار حدود جديدة للسيادة داخل الأقصى، يرى المقدسيون أن الرباط والحضور الشعبي يمثلان خط الدفاع الأخير لمنع فرض معادلات جديدة قد تغيّر وجه المدينة المقدسة.
شكّل قرار سلطات الاحتلال بمنع الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال الخطيب من دخول المسجد الأقصى لمدة أسبوع، مع قابلية التمديد حتى ستة أشهر، مؤشراً خطيراً على تصاعد سياسة الإبعاد بوصفها أداة لضبط المشهد داخل المسجد. وقد بررت السلطات القرار بادعاءات تتعلق بـ”حفظ النظام العام”، عقب ما وصفته باضطرابات خلال صلاة الجمعة.
غير أن هذه الخطوة تتجاوز في دلالاتها البعد الأمني المباشر، إذ يُنظر إليها باعتبارها محاولة لإقصاء أبرز الشخصيات المرتبطة تاريخياً بالدفاع عن الأقصى، بما يسهم في تقليص التأثير الشعبي والديني للمرجعيات التي تقود حالة التعبئة والرباط. ويخشى المقدسيون من أن تتحول هذه السياسة إلى نهج دائم يستهدف العلماء والناشطين والمصلين، خصوصاً خلال المواسم الدينية أو لحظات التوتر السياسي.
تتجه الأنظار إلى يوم الجمعة 15 مايو، حيث تحذر جهات فلسطينية ومقدسية من مخطط تقوده جماعات الهيكل المتطرفة لفرض اقتحام استثنائي للمسجد الأقصى، بالتزامن مع ما يسمى “يوم توحيد القدس” وفق الرواية الإسرائيلية.
تكمن خطورة هذا اليوم في كونه يتزامن مع يوم الجمعة، الذي ظل تاريخياً مغلقاً أمام اقتحامات المستوطنين، ما يجعل أي محاولة لفرض اقتحام فيه تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك داخل الأقصى. وترى الأوساط المقدسية أن الأمر لا يتعلق بحدث رمزي عابر، بل بمحاولة لكسر أحد أهم الخطوط الحمراء التاريخية، وفرض سابقة قد تُستخدم لاحقاً لتوسيع الاقتحامات زمنياً ومكانياً.
وتسعى جماعات الهيكل، وفق تقديرات باحثين مقدسيين، إلى تحقيق أهداف متعددة تبدأ بفرض اقتحام صباحي يوم الجمعة، ثم محاولة فتح فترة اقتحام بعد صلاة الجمعة، وصولاً إلى تثبيت اقتحامات ممتدة بعد العصر، بما يعني توسيع ساعات السيطرة الميدانية داخل المسجد إلى مستويات غير مسبوقة.
التحركات الأخيرة لا تبدو منفصلة عن الغطاء السياسي الإسرائيلي المتنامي. فقد تصاعدت دعوات من وزراء وأعضاء كنيست، خصوصاً من أحزاب اليمين المتطرف، لدعم اقتحام المسجد ورفع العلم الإسرائيلي داخله، وهو ما يعكس انتقال الخطاب من مجرد تحريض جماعات استيطانية إلى مشروع سياسي يجد دعماً داخل مؤسسات الحكم.
ويبرز في هذا السياق دور وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز الداعمين لتوسيع النفوذ الإسرائيلي داخل الأقصى، سواء عبر دعم الاقتحامات أو السعي لفرض تقسيم زماني ومكاني فعلي داخل المسجد، بما يشبه ما حدث في الحرم الإبراهيمي بالخليل.
في مواجهة هذا التصعيد، تتكثف الدعوات الفلسطينية للحشد والرباط وشد الرحال إلى المسجد الأقصى، بوصف الحضور البشري الفلسطيني الوسيلة الأكثر تأثيراً في تعطيل مشاريع فرض الأمر الواقع.
يدرك المقدسيون أن أي فراغ داخل المسجد قد يمنح الاحتلال فرصة ذهبية لتمرير تغييرات تدريجية، لذلك تتركز الدعوات على ضرورة الحفاظ على كثافة الوجود، خاصة منذ مساء الخميس وحتى فجر الجمعة، مع الالتزام بالهدوء والانضباط لتفويت الفرصة على أي ذرائع أمنية قد تُستخدم لتبرير القمع أو الإبعاد.
هذا الرباط لا يُنظر إليه فقط باعتباره دفاعاً عن مكان ديني، بل باعتباره معركة وجود وهوية وسيادة وطنية، خاصة في ظل تزامن التصعيد مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، بما يمنح الأقصى بُعداً وطنياً جامعاً يتجاوز حدود القدس.
المشهد الحالي يشير إلى أن المسجد الأقصى يقف أمام واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، ويمكن تلخيص السيناريوهات المحتملة في ثلاثة مسارات رئيسية:
1 ـ نجاح فرض الاقتحام يوم الجمعة:
وهو السيناريو الأخطر، لأنه قد يؤسس لسابقة تاريخية تغيّر قواعد إدارة المسجد.
2 ـ إفشال المخطط عبر الحشد الشعبي:
ما يعزز قدرة المقدسيين على حماية الوضع القائم، ولو مرحلياً.
3 ـ تصعيد أمني واسع:
قد ينجم عن أي احتكاك داخل المسجد، بما يفتح الباب أمام موجة إبعادات وقيود إضافية.
ختاما: يقف المسجد الأقصى اليوم في قلب صراع مفتوح لا يقتصر على إجراءات أمنية أو اقتحامات موسمية، بل يتعلق بمحاولة مستمرة لإعادة تعريف السيادة والهوية داخل أقدس مقدسات المسلمين في فلسطين. وبين سياسات الإبعاد، وتصاعد نفوذ جماعات الهيكل، والدعم السياسي الإسرائيلي المتزايد، يجد المقدسيون أنفسهم أمام تحدٍ تاريخي يتطلب أعلى درجات الوعي والانضباط والرباط.
إن معركة الأقصى لم تعد مجرد مواجهة حول بوابات أو ساعات دخول، بل أصبحت اختباراً فاصلاً لمستقبل القدس نفسها: هل تبقى المدينة محتفظة بهويتها العربية الإسلامية، أم تُفرض عليها وقائع جديدة بالقوة؟ وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الأقصى عنوان الصراع الأكبر، حيث تتقاطع العقيدة بالسيادة، والتاريخ بالهوية، والحاضر بمستقبل القضية الفلسطينية بأسرها.