الاستقلال المؤجل: هل اكتمل جلاء 1967 أم عاد الاحتلال بوجوه جديدة؟

جنوب اليمن: من الاحتلال البريطاني إلى الهيمنة الجديدة
مقارنة بين احتلال الأمس وهيمنة اليوم: التشابهات الخطيرة

الحقيقة ـ جميل الحاج

يعيش اليمنيون اليوم في منعطفٍ تاريخي يعيد إلى الواجهة كل تفاصيل الذاكرة الاستعمارية التي عاشها الجنوب لأكثر من 128 عامًا تحت الاحتلال البريطاني، وبينما تحلّ ذكرى 30 نوفمبر—يوم جلاء آخر جندي بريطاني عام 1967م لا تُستحضر المناسبة كحدث تاريخي فحسب، بل كمرآة تعكس واقعًا جديدًا من الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية تمتد على السواحل والجزر والموانئ اليمنية الجنوبية، هذه المرة بوجوه مختلفة وأساليب أكثر تطورًا وتعقيدًا.

وفي خطابات السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، تأكيدٌ دائم على أن هذه المناسبة محطة تذكير بأهمية التحرك لمقاومة الاحتلال، وأن ما يعيشه اليمن اليوم «ليس إلا إعادة إنتاج  لمشاريع الغزو بقبعات جديدة وأساليب حديثة».

من الاحتلال البريطاني إلى الاحتلال المتعدد: تشابه الأهداف واختلاف الأدوات

الهيمنة البريطانية: استعمار مباشر وتقسيم منهجي

حين احتلت بريطانيا عدن عام 1839، لم يكن ذلك حدثًا معزولًا، بل جزءًا من مشروع توسعي مرتبط بموقع اليمن الحيوي على طُرق التجارة العالمية، سيطرت بريطانيا على عدن، ثم بسطت نفوذها على السلطنات والمحميات الجنوبية، وأنشأت شبكة من الكيانات السياسية المتنافرة لضمان تجزئة المجتمع وتمزيق وحدة اليمن، فيما عُرف بـ«سياسة فرق تسد».

اتسمت استراتيجيتها بفرض السيطرة على الممرات المائية، وتوجيه التجارة إلى الموانئ التي تديرها، ومنع اليمن من الاستفادة من موارده، فضلًا عن تأسيس أحزمة قبلية ومشيخات محلية تابعة لها، أشبه بوحدات عسكرية اجتماعية تخدم الاحتلال.

وأشار السيد القائد في بيان له بمناسبة الذكرى الـ58 للاستقلال الـ30 من نوفمبر لهذا العام إلى أن العدوان الصهيوني الأمريكي البريطاني الراهن على فلسطين ولبنان وسوريا واليمن ليس إلا امتدادًا للتاريخ الاستعماري الغربي الذي يستهدف السيطرة على الشعوب ونهب الثروات وطمس الهوية. وقال إن إجرام العدو الصهيوني وحلفائه خلال العامين الماضيين كشف حقيقة المشروع الغربي وسعيه لإخضاع المنطقة بالكامل تحت مخطط «الشرق الأوسط الجديد».

الاحتلال الحديث: الإمارات والسعودية.. بغطاء “شرعية” ومن خلفهما واشنطن ولندن و”تل أبيب”

اليوم، وبعد قرابة ستة عقود على الاستقلال، تعود الهيمنة على جنوب اليمن لكن بأساليب غير مباشرة، لم يعد الاحتلال يرتدي الزي البريطاني، بل بات عبارة عن:

قوات إماراتية وسعودية على الأرض، وقواعد عسكرية مشتركة، ونفوذ استخباراتي غربي وإسرائيلي، إلى جانب أدوات محلية (كمجلس الانتقالي ومجالس وفصائل أخرى)

وتُستخدم الشرعية الدولية كغطاء، لتفتيت مناطقي واجتماعي يعيد إنتاج نموذج المحميات القديمة، إن ما يجري اليوم وفق الكثير من التحليلات ليس مجرد احتلال تقليدي، بل هندسة سياسية وأمنية هدفها السيطرة على الممرات البحرية والثروات والمواقع الاستراتيجية، وصناعة واقع سياسي تابع يضمن استدامة النفوذ الخارجي.

قواعد عسكرية… من ميون إلى سقطرى

ميون: قلب باب المندب

في جزيرة ميون، إحدى أهم النقاط على مضيق باب المندب، أنشئت قاعدة جوية منذ سنوات، وبحسب تقارير متعددة، تم بناء مدرج طوله حوالي 1.85 كيلومتر، مع منشآت عسكرية قادرة على استقبال طائرات متقدمة.

وتعتبر الجزيرة اليوم خارج أي سيادة يمنية، وتخضع لسيطرة إماراتية مع حضور استخباراتي غربي.

سقطرى: جوهرة المحيط الهندي

في الأرخبيل الأجمل والأغنى بيئيًا، تشكّلت قواعد واستخبارات ومراكز مراقبة، مع تزايد الحديث عن زيارات ضباط وخبراء إسرائيليين، وبناء منشآت عسكرية تستخدم للمراقبة البحرية الممتدة نحو القرن الإفريقي.

زقر وذوباب: عقد سلسلة السيطرة

جزيرة زقر، الواقعة ضمن حنيش، شهدت توسعًا في إنشاء مرافق عسكرية حديثة، وفي ذوباب، قرب باب المندب، اكتمل إنشاء مطار عسكري جديد، هذه القواعد ليست مستقلة، بل ترتبط بشبكة واسعة تتصل بقوى دولية كأمريكا وبريطانيا و”إسرائيل”.

هدف واحد: التحكم بالممرات العالمية، والسيطرة على هذه المواقع تمنح تلك القوى، وقدرة على مراقبة حركة السفن وتجميع بيانات استخبارية التحكم بإمدادات الطاقة والتجارة، إلى جانب خلق نقاط ضغط عسكرية في أي صراع إقليمي.

وهو امتداد لمشروع استعماري طويل في المنطقة، سبق أن وصفه مؤرخون بأنه «صراع على البحر أكثر منه صراع على الأرض».

أدوات السيطرة الحديثة: دعم الانقسامات وإدارة الفوضى

المجالس والفصائل.. إعادة إنتاج المحميات البريطانية، واعتمدت بريطانيا سابقًا على السلاطين والكيانات الصغيرة، يعتمد الاحتلال اليوم على ـ المجلس الانتقالي الجنوبي ـ ومكونات أخرى تابعة لتحالف العدوان ـ وأحزمة أمنية ونخب وكتائب مناطقية.

هذه القوى ليست ضمن إطار دولة يمنية موحدة، بل وحدات عسكرية واجتماعية مفككة تُستخدم لفرض الأمر الواقع على الأرض.

شرعنة الاحتلال عبر حكومات صُنعت في الخارج

استُخدم المجلس الرئاسي وحكومة عدن كغطاء سياسي يمنح وجود هذه القوات طابع الشرعية، رغم افتقاد ذلك لرضا شعبي حقيقي أو سيادة وطنية.

سياسة “التجويع والحصار”

كما أغلق الاحتلال البريطاني موانئ اليمن، تُفرض اليوم سياسات حصار اقتصادي، وتحويل الموانئ والسواحل إلى أدوات للضغط، ونهب الثروات النفطية والغازية بعيدًا عن أي رقابة وطنية.

هل انتهى استقلال 1967؟ سؤال يفرض نفسه

إن استقلال 30 نوفمبر 1967 كان لحظة مفصلية في تاريخ الجنوب، لكن بعد عقود، يُطرح السؤال: هل تمتّع الجنوب بسيادة حقيقية كاملة؟

اليوم، أمام شبكة القواعد الأجنبية واستمرار النفوذ الخارجي، تتبدد مظاهر السيادة، لتبدو ذكرى الجلاء محطة للمقارنة بين احتلالين:

الأول: مباشر، يحمل العلم البريطاني.

الثاني: غير مباشر، متعدد الأوجه، يستخدم أدوات محلية وشعارات سياسية وتحالفات عسكرية.

ومع أن الأدوات تغيّرت، فإن النتائج متشابهة ـ انقسام، تفتيت، نهب ثروات، وشعب محروم من حقه في السيادة على أرضه.

مسار المقاومة: من ردفان إلى صنعاء… التاريخ يعيد نفسه

ثورة 14 أكتوبر وبدايات الكفاح المسلح.. فجّرت جبال ردفان شرارة الثورة ضد بريطانيا عام 1963.

بدأ الثوار بعمليات متفرقة، ثم تصاعدت إلى معارك كبيرة هزت الإمبراطورية البريطانية، وامتد الدعم من الشمال ومن دول عربية عديدة.

كما كان لـ تعز وصنعاء دور في دعم التحرير ـ كانت تعز مركزًا للثوار في نقل السلاح، كما لعبت صنعاء دورًا حاسمًا في دعم الثورة، رغم ظروفها الاقتصادية والسياسية حينها.

من صيرة إلى 30 نوفمبرـ سقطت عدن بعد معارك شرسة، لكن المقاومة لم تتوقف، حتى انهار الوجود البريطاني بانسحاب آخر جندي في 30 نوفمبر 1967.

السيد القائد: ذكرى 30 نوفمبر محطة للتحرك ومقاومة الاحتلال

في كل عام يحلّ فيه يوم الثلاثين من نوفمبر، يستعيد اليمنيون صفحة مضيئة من تاريخهم التحرري، ويتجدد استحضار الدروس التي خطّتها دماء الأجداد في مواجهة أعتى قوة استعمارية عرفتها المنطقة.

وفي سياق هذه الذكرى، يؤكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن المناسبة ليست مجرد احتفال تاريخي، بل محطة تذكير بضرورة التحرك ومقاومة كل أشكال الاحتلال والهيمنة، بما تحمله من عبر ودروس تعزز الوعي الوطني وتحيي روح الصمود.

وفي تهنئته بهذه المناسبة عام 2016، استعاد السيد القائد تجربة التحرير الأولى قائلاً إن “الشعب، بالرغم من إمكانات المحتل آنذاك ومناصرة الخونة له، تمكن من طرد المستعمر وإجلائه”، مشددًا على أن الشعب اليوم بحاجة إلى استلهام روح تلك المرحلة، وهو يواجه قوى الغزو المعاصرة.

وأكد أن الحفاظ على الوحدة الداخلية بين مختلف مكوّنات الشعب هو الخط الفاصل بين النصر والهزيمة، داعيًا الجميع إلى عدم الإصغاء لـ أبواق الفرقة التي تعمل على تمزيق الصف الوطني وإضعاف الموقف الداخلي.

وفي ذكرى الـ30 من نوفمبر عام 2024، أعاد السيد القائد التأكيد على أن المناسبة تحمل “الكثير من الدروس المهمة”، وأنها محطة من محطات التاريخ المشرف التي تعكس قدرة الشعب على دحر المحتلين مهما بلغت قوتهم.

واعتبر أن الهوية الإيمانية للشعب وتاريخه المشرق مصدر أمل كبير في تجاوز التحديات الراهنة، وأن هذه الذكرى تأتي كتذكير بأن التحرك ضرورة، والموقف واجب، والانتصار حتمي.

وأشار السيد القائد إلى ضرورة أن يؤدي الإعلام والمناهج التعليمية دورهما في كشف جرائم المحتل البريطاني وأساليبه في الخداع والاستقطاب، مؤكدًا أن مرحلة الاحتلال البريطاني رغم إمكاناته الضخمة سقطت أمام إرادة الشعب، وأن هذا الدرس يجب أن يبقى حاضرًا في الذاكرة الوطنية.

واختتم بالقول إن المسار الذي يسلكه الشعب اليوم هو طريق تحرري واضح، يعزز العزة والتمكين والوعي والبصيرة، ويمنح اليمنيين القدرة على مواجهة أي مشروع غزو أو هيمنة، كما فعلوا بالأمس… وكما يفعلون اليوم.

وفي المناسبة لهذا العام 2025م وجّه السيد القائد التهاني للشعب اليمني بمناسبة عيد الجلاء الذي شهد خروج آخر جندي بريطاني من عدن بعد احتلال دام 128 عامًا، ارتكب خلالها المستعمر البريطاني أبشع الجرائم. وأوضح أن الخونة من أبناء البلد لعبوا دورًا خطيرًا في تمكين الاحتلال عبر تقديم خدمات عسكرية ولوجستية مكّنت بريطانيا من السيطرة بأقل التكاليف ولأطول فترة ممكنة.

الجنوب اليوم: تبدّل الوجوه.. وثبات الأهداف

إن ما يجري اليوم يعيد للواجهة سؤالًا تاريخيًا:

هل تغيّر المحتل؟ أم تغيّرت فقط أدواته؟

من رحيل القوات البريطانية في 1967 إلى دخول القوات السعودية والإماراتية بعد 2015، ظل الجنوب تحت هيمنة القوى الإقليمية والدولية، وأن ما يحدث الآن من نهب للثروات، وأنشاء قواعد عسكرية أجنبية، ومن تفتيت سياسي، وإدارة أمنية عبر أطراف محلية، سيطرة واحتلال للجزر والموانئ، والتدخل البريطاني والأمريكي المباشر في بعض الملفات، كل هذا يعيد الهيمنة الاستعمارية لكن في قالب جديد.

وهذا العام.. أكد السيد القائد أن الأعداء يعدّون العدة لجولة جديدة تستهدف الشعوب الحرة وقوى الأمة الحية، داعيًا إلى اليقظة والاستعداد الكامل لمواجهة المؤامرات والمخططات القادمة، ومشيرًا إلى أن الشعب اليمني بمؤسساته وقواته المسلحة تصدّر مشهد نصرة فلسطين بثباته وتحركه العسكري.

 درس التاريخ.. وواجب اللحظة

بين الاحتلال البريطاني في الماضي والاحتلال السعودي تتشابه الخطط والغايات، بينما يظل الشعب اليمني هو الثابت الوحيد في معادلة الصمود، وأن الاحتلال لا يدوم، وأن الاستعمار يتبدل شكله لكنه لا يتغير في جوهره، وأن الشعب الذي أسقط بريطانيا قادر على إسقاط أي قوة تحاول كسر إرادته.

وهو ما أكده السيد القائد بالقول “شعبنا العزيز فيما هو عليه الآن من مسار تحرري جهادي يسلك المسلك الصحيح إلى العزة والتمكين والنصر.”

وهكذا يبقى الجنوب اليمني اليوم بين ماضٍ كتبه المستعمر البريطاني، وحاضر تحاول قوى أخرى صناعته، بينما يصر الشعب اليمني على أن يكون هو من يكتب مستقبل هذه الأرض.. كما فعل قبل قرون، وكما سيكرر في كل عصر.

قد يعجبك ايضا