المطار بالمطار.. كيف أعاد اليمن رسم قواعد الاشتباك ووضع السعودية أمام اختبار الردع والاستحقاقات؟

 ما بعد مطار صنعاء.. اليمن يفرض معادلة الردع الجديدة والسعودية أمام خيار رفع الحصار أو مواجهة تصعيد مفتوح
من كسر الحصار إلى معادلة الردع الشامل.. التصعيد الأخير يعيد تشكيل موازين الصراع بين صنعاء والرياض

الحقيقة ـ جميل الحاج

دخل الصراع بين صنعاء والرياض مرحلة مختلفة كلياً، بعد أن أنهى استهداف مطار صنعاء الدولي حالة الجمود التي سادت المشهد خلال سنوات التهدئة، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها انتقال المواجهة من سياسة الاحتواء إلى فرض معادلات ردع متبادلة تستهدف المصالح الحيوية للنظام السعودي.

فالرد اليمني على مطار أبها لم يكن مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل رسالة استراتيجية أكدت أن استمرار الحصار لم يعد ممكناً دون أن تتحمل السعودية كلفته المباشرة.

وتزامن هذا التحول مع حراك شعبي واسع ومسيرات مليونية شهدته العاصمة صنعاء وبقية المحافظات، حمل رسائل واضحة برفض استمرار الحصار والتأكيد على دعم خيارات القيادة والقوات المسلحة لاستعادة الحقوق الوطنية والسيادة.

كما ترافقت التطورات مع تداعيات واسعة على قطاع الطيران السعودي، واهتمام دولي متزايد بالأزمة الإنسانية الناتجة عن استمرار إغلاق مطار صنعاء، الأمر الذي جعل المواجهة تتجاوز بعدها العسكري لتشمل أبعاداً سياسية واقتصادية وإقليمية أكثر تعقيداً.

وفي ظل هذه المتغيرات، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، فيما تجد السعودية نفسها أمام خيارات تضيق يوماً بعد آخر بين الاستجابة لمطالب صنعاء أو المضي في تصعيد يحمل مخاطر أكبر على أمنها ومشاريعها الاستراتيجية.

الحشود الشعبية.. تفويض واسع لكسر الحصار

شكّلت المسيرات المليونية التي شهدتها العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات محطة بارزة في مسار التصعيد، حيث عكست مستوى التماسك الشعبي والالتفاف حول القيادة الثورية في مواجهة استمرار العدوان والحصار، ورفعت الحشود شعار “المطار بالمطار.. والموانئ بالموانئ.. والتصعيد بالتصعيد”، باعتباره معادلة المرحلة المقبلة ورسالة بأن استمرار استهداف المنشآت المدنية اليمنية لن يبقى دون رد مماثل.

وأكد المشاركون أن معركة اليمن لم تعد تقتصر على البعد العسكري، وإنما أصبحت معركة سيادة وكرامة وحقوق، وفي مقدمتها حق اليمنيين في السفر والتنقل والاستفادة من ثرواتهم الوطنية.. كما جددت الجماهير تفويضها الكامل لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي لاتخاذ ما يراه مناسباً من خيارات وإجراءات لكسر الحصار وفتح المطارات والموانئ واستعادة الحقوق السيادة اليمنية، معتبرة أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولاً بعد أكثر من عقد من العدوان والحصار.

ورأت الحشود أن السنوات الماضية كشفت فشل كل محاولات الضغط على اليمن، سواء عبر العمليات العسكرية أو الحصار الاقتصادي أو محاولات إثارة الانقسامات الداخلية، مؤكدة أن الشعب اليمني بات أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة مختلف أشكال الضغوط، وأن الخيارات المقبلة ستكون مرتبطة بمدى تجاوب السعودية مع المطالب اليمنية المعلنة.

استهداف مطار صنعاء.. نهاية مرحلة “خفض التصعيد”

مثّل استهداف مطار صنعاء الدولي نقطة تحول مفصلية أنهت عملياً مرحلة التهدئة وخفض التصعيد التي استمرت عدة سنوات. فالقصف الذي استهدف المطار جاء بعد استئناف الرحلات الجوية منه، وهو ما اعتبرته صنعاء محاولة لإعادة فرض الحصار ومنع أي خطوات عملية لكسره، الأمر الذي دفع القيادة اليمنية إلى اعتبار الاتفاقات السابقة قد فقدت أحد أهم مرتكزاتها.

وتعتبر القيادة اليمنية الحصار الجوي أحد أكثر أدوات الحرب تأثيراً على المدنيين، إذ تسبب بحرمان آلاف المرضى من السفر للعلاج، وأعاق حركة الطلاب والمسافرين، وفرض عزلة طويلة على اليمنيين، في وقت تؤكد فيه أن تشغيل مطار صنعاء حق سيادي وإنساني لا يجوز إخضاعه لأي اشتراطات سياسية أو عسكرية.. وقد أعاد الاستهداف إلى الواجهة معادلة الرد بالمثل، بعد أن ظل هذا الملف أحد أبرز الملفات العالقة خلال سنوات الهدنة.

خطاب القيادة.. تحميل السعودية مسؤولية التصعيد

وفي خضم هذه التطورات، جدد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي تحميل النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن استمرار الحرب والحصار، معتبراً أن السياسات السعودية تجاه اليمن تأتي ضمن مشروع يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وأن العدوان المستمر منذ سنوات تسبب في خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، إضافة إلى حرمان اليمنيين من حقوقهم الأساسية.

وأكد أن ما تعرض له اليمن طوال سنوات العدوان، من استهداف للبنية التحتية والحصار الاقتصادي واحتجاز الثروات الوطنية، لا يمكن أن يستمر دون رد، مشيراً إلى أن الشعب اليمني بات يمتلك من عناصر القوة والإرادة ما يؤهله للدفاع عن حقوقه وفرض معادلات جديدة إذا استمر التصعيد.

كما شدد على أن المرحلة المقبلة لن تكون امتداداً لما سبقها، وأن استمرار استهداف اليمن أو الإبقاء على الحصار سيقابله رد يتناسب مع حجم الاعتداء، في رسالة عكست انتقال صنعاء من مرحلة الدفاع إلى تبني سياسة ردع أكثر اتساعاً.

عملية مطار أبها.. إعلان معادلة الردع الجديدة

لم يتأخر الرد اليمني كثيراً على استهداف مطار صنعاء، إذ أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية عسكرية استهدفت مطار أبها الدولي، في خطوة اعتُبرت إعلاناً عملياً لانتهاء مرحلة ضبط النفس، وترجمة مباشرة لمعادلة “المطار بالمطار” التي سبق أن أكدت عليها القيادة اليمنية والحشود الشعبية.

وجاءت العملية لتؤكد أن قواعد الاشتباك التي حكمت السنوات الماضية لم تعد قائمة، وأن المنشآت الحيوية السعودية أصبحت جزءاً من معادلة الردع الجديدة. كما حملت رسالة واضحة مفادها أن استمرار استهداف البنية التحتية المدنية في اليمن سيقابله استهداف مماثل للمرافق الحيوية داخل السعودية، بما يجعل كلفة التصعيد مشتركة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن العملية لم تستهدف مطار أبها من زاوية عسكرية فحسب، بل باعتباره أحد أهم المطارات المدنية في جنوب المملكة، بما يعكس انتقال المواجهة إلى أدوات ضغط تمس القطاعات الاقتصادية والخدمية، وتفرض على الرياض إعادة حساباتها بشأن استمرار الحصار على اليمن.

اضطراب الملاحة الجوية.. التأثير يتجاوز ساحة المواجهة

أظهرت الساعات التي أعقبت العملية أن تأثيرها لم يقتصر على المطار المستهدف، بل امتد ليشمل منظومة الطيران في جنوب المملكة.. وأشارت بيانات مواقع تتبع الرحلات الجوية إلى تراجع كبير في حركة الطيران بالمطارات القريبة من الحدود اليمنية، وسط إلغاء وتأجيل عدد كبير من الرحلات وتحويل مسارات أخرى نحو مطارات بديلة.

كما شمل الاضطراب مطارات أبها وجيزان ونجران وبيشة والباحة، حيث تراجعت الحركة الجوية بصورة لافتة، الأمر الذي انعكس على جداول الرحلات الداخلية والخارجية، وأوجد حالة من الإرباك التشغيلي لشركات الطيران العاملة في تلك المطارات.

وتزامن ذلك مع تداول تقارير عن استمرار القيود المفروضة على الحركة الجوية في بعض المطارات الجنوبية، في مؤشر على أن تداعيات العملية تجاوزت حدود الضربة العسكرية لتطال قطاعاً يعد من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة للاقتصاد السعودي، خاصة في ظل الرهان الرسمي على تنمية السياحة وزيادة حركة النقل الجوي ضمن مشاريع “رؤية 2030″، هذا وأعلنت شركات إقليمية تعليق أو إلغاء عدد من الرحلات إلى مطار أبها، فيما أعادت شركات أخرى جدولة رحلاتها وتحويل مساراتها إلى مطارات بديلة، تحسباً لأي تطورات أمنية جديدة.

لا يقتصر تأثير التطورات الأخيرة على الجانب العسكري، بل يمتد إلى قطاعات الاقتصاد والاستثمار والسياحة. فالمطارات تمثل شرياناً رئيسياً لحركة رجال الأعمال والسياح والبضائع، وأي اضطراب طويل الأمد فيها ينعكس مباشرة على ثقة المستثمرين وشركات التأمين وشبكات النقل.

البعد الإنساني.. الحصار تحت المجهر الأممي

بالتوازي مع التطورات العسكرية، عاد الملف الإنساني إلى الواجهة من خلال المواقف الأممية التي حذرت من استمرار القيود المفروضة على مطار صنعاء الدولي. وأكدت الأمم المتحدة أن إغلاق المطار ألحق أضراراً جسيمة بالمدنيين، ولا سيما المرضى الذين يحتاجون إلى السفر لتلقي العلاج، محذرة من التداعيات الإنسانية لاستمرار تعطيل حركة الملاحة الجوية.

وتشير التقديرات إلى أن آلاف المرضى اضطروا خلال السنوات الماضية إلى سلوك طرق برية طويلة وشاقة للوصول إلى مطارات بديلة، فيما فقد كثيرون فرص العلاج بسبب صعوبة التنقل، الأمر الذي جعل قضية مطار صنعاء تتجاوز بعدها السياسي لتصبح قضية إنسانية تحظى باهتمام متزايد من المنظمات الدولية.

ويرى متابعون أن هذا البعد الإنساني يمنح صنعاء ورقة إضافية في معركة كسر الحصار، خصوصاً مع تصاعد المطالب الدولية بضرورة ضمان حرية تنقل المدنيين وعدم استخدام المطارات كورقة ضغط في النزاعات المسلحة.

الاعترافات الدولية.. اليمن لاعب إقليمي يصعب تجاهله

بالتزامن مع التطورات الميدانية، برزت قراءات دولية وغربية اعتبرت أن صنعاء باتت تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلالية في قرارها السياسي والعسكري، وأنها لم تعد مجرد طرف محلي في النزاع اليمني، بل أصبحت فاعلاً إقليمياً يفرض حضوره في معادلات الأمن البحري والإقليمي.

وتحدثت تقارير غربية عن التحولات التي شهدتها القوات المسلحة اليمنية خلال سنوات التهدئة، مشيرة إلى أن تلك الفترة لم تكن مرحلة جمود، بل استُغلت لإعادة بناء القدرات العسكرية وتطوير برامج التصنيع الحربي، بما في ذلك منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما انعكس على طبيعة العمليات العسكرية التي نفذتها خلال السنوات الأخيرة.

كما رأت تلك التقارير أن التجربة اليمنية في البحر الأحمر وفي المواجهات المرتبطة بالحرب على غزة أظهرت مستوى متقدماً من القدرة على التأثير في حركة الملاحة الدولية وفرض معادلات ردع جديدة، الأمر الذي جعل التعامل مع صنعاء يختلف عما كان عليه في السنوات الأولى من الحرب.

من الحصار إلى معادلة الردع الشامل

تكشف التطورات الأخيرة أن المواجهة تجاوزت مرحلة الردود العسكرية المحدودة، لتدخل مرحلة تقوم على ربط المصالح الاقتصادية للطرفين بمستوى التصعيد، فصنعاء تعلن بوضوح أن استمرار إغلاق مطار صنعاء وموانئ اليمن سيقابله استهداف للمصالح الحيوية السعودية، بما يشمل المطارات والموانئ وخطوط الملاحة، في محاولة لفرض معادلة ضغط متبادل تدفع نحو إنهاء الحصار.

وتستند معادلة القوات المسلحة اليمنية إلى مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث لا يمكن أن تستمر المنشآت المدنية السعودية في العمل بصورة طبيعية بينما يبقى اليمن خاضعاً للحصار الجوي والبحري. وبذلك يتحول الضغط من الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والنقل، وهي قطاعات تمثل ركائز أساسية في الاستراتيجية الاقتصادية السعودية.

باب المندب والبحر الأحمر.. البعد الجيوسياسي للصراع

لا تنفصل التطورات الأخيرة عن المشهد الإقليمي الأوسع، فاليمن أصبح رقماً مؤثراً في معادلات البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة العالمية.

وترى أوساط سياسية أن أي تصعيد في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بما يجري في اليمن، ومحاولات احتواء أي مواجهة قد تؤدي إلى اضطراب الملاحة البحرية أو زيادة المخاطر على خطوط النقل الدولية.

وفي هذا السياق، أصبحت السعودية تواجه تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة تسعى إلى حماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى وتعزيز موقعها كمركز لوجستي وسياحي، ومن جهة أخرى تجد نفسها أمام واقع أمني جديد يجعل استمرار الحصار على اليمن أكثر كلفة من أي وقت مضى.

السعودية أمام خيارات ضيقة

تشير مجمل المعطيات إلى أن هامش المناورة أمام الرياض بات أكثر محدودية. فاستمرار سياسة الحصار والتصعيد يعني، وفق الرؤية التي تطرحها صنعاء، انتقال المواجهة إلى مستويات أوسع قد تطال المزيد من المصالح الحيوية، في حين أن الذهاب نحو تفاهمات جديدة قد يفتح الباب أمام استعادة الهدوء وإعادة تشغيل الممرات الجوية والبحرية بصورة مستقرة.

وتتزامن هذه الخيارات مع متغيرات إقليمية متسارعة، حيث تشهد المنطقة حالة من إعادة رسم موازين القوى، الأمر الذي يجعل أي قرار سعودي مرتبطاً ليس فقط بالساحة اليمنية، وإنما أيضاً بحسابات الأمن الإقليمي والعلاقات مع القوى الدولية.

كما أن استمرار الحرب الاقتصادية يفرض أعباء متزايدة على جميع الأطراف، وهو ما يعزز الدعوات إلى معالجة الملفات الإنسانية، وفي مقدمتها إعادة فتح مطار صنعاء ورفع القيود عن حركة المدنيين، ودفع رواتب الموظفين، ورفع القيود الاقتصادية على اليمن باعتبارها مدخلاً ضرورياً لأي تسوية أكثر شمولاً.

قد يعجبك ايضا