المسيرة القرآنية.. كيف صنعت الوعي اليمني وحولت الصمود إلى مشروع للتحرر والسيادة؟
الحقيقة ـ جميل الحاج
لم تكن الحشود المليونية التي شهدتها العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات اليمنية في “جمعة التحذير والنفير” مجرد تظاهرات جماهيرية حملت رسائل سياسية مرتبطة بالتصعيد الأخير مع السعودية، بل مثلت انعكاساً لمسار طويل من البناء الفكري والثقافي والإيماني الذي أسهم في تشكيل وعي شعبي قائم على مفاهيم الحرية والاستقلال ورفض الهيمنة الخارجية.
فقد جاءت تلك الحشود، التي عجزت الساحات عن استيعابها، لتؤكد حجم الالتفاف الشعبي حول القيادة، وتجسد مستوى الوعي الذي تشكل عبر المشروع القرآني، والذي ينظر إليه باعتباره مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان قبل بناء الدولة.
ويربط هذا المشروع بين الإيمان والوعي والمسؤولية، ويعتبر أن مواجهة التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية تبدأ من بناء الإنسان القادر على إدراك طبيعة الصراع والتمييز بين الحق والباطل، وهو ما انعكس في صمود اليمنيين طوال سنوات الحرب والحصار، وفي مواقفهم تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، لم تعد المسيرة القرآنية تُقدَّم باعتبارها حركة دينية أو سياسية فحسب، وإنما مشروعاً حضارياً يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والقرآن، وبين المجتمع والدولة، وصولاً إلى بناء مجتمع مستقل يمتلك إرادته وقراره.
جاءت المسيرات الشعبية الواسعة التي شهدتها صنعاء والمحافظات الحرة استجابة لدعوة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ لتؤكد تمسك الشعب اليمني بخيار الحرية والسيادة ورفض أي وصاية خارجية، ولم يقتصر حضورها على التعبير عن موقف سياسي من التصعيد مع السعودية، بل حمل دلالات أعمق تتصل بطبيعة الوعي الذي تشكل خلال السنوات الماضية.
ورفع المشاركون شعارات تؤكد رفض استمرار الحصار والتدخل الخارجي في الشأن اليمني، معتبرين أن التحكم بالمطارات والموانئ والثروات الوطنية يمثل انتهاكا لسيادة اليمن وحقوق مواطنيه.
كما جددت الجماهير تفويضها للقيادة الثورية لاتخاذ ما تراه مناسباً لإنهاء الحصار واستعادة الحقوق، في مشهد اعتبره كثيرون دليلاً على قوة التماسك الداخلي والثقة بالقيادة، وعلى نجاح المشروع الثقافي الذي سبق هذه المرحلة في ترسيخ مفاهيم المسؤولية الجماعية والثبات في مواجهة التحديات.
أن هذه الحشود ليست حالة طارئة فرضتها ظروف العدوان والحصار، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التربية الفكرية والثقافية التي هدفت إلى تحويل الإنسان اليمني من متلقٍ للأحداث إلى شريك فاعل في صناعة القرار والدفاع عن قضايا وطنه وأمته.
انطلقت المسيرة القرآنية على يد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي ” علية السلام” باعتبارها مشروعاً يهدف إلى إعادة إحياء العلاقة الحقيقية بالقرآن الكريم، وجعله منهجاً للحياة، وليس مجرد كتاب يُتلى في المناسبات والشعائر، واستند المشروع منذ بدايته إلى الدعوة لاستعادة الثقة بالله، وتعزيز الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية، وإحياء الهوية الإيمانية التي تحفظ للأمة استقلالها وكرامتها.
وخلال سنوات التأسيس، قدّم الشهيد القائد عشرات المحاضرات التي أصبحت مرجعاً فكرياً، ركز فيها على كشف أسباب ضعف الأمة، وربط حالة التراجع بالابتعاد عن القرآن، والخضوع لقوى الهيمنة، والتفريط بالهوية والثقافة الأصيلة.
ورغم الحرب التي اندلعت عام 2004 واستشهاد مؤسس المشروع القرآني، إلا أن المسيرة واصلت انتشارها بقيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ الذي عمل على تطوير المشروع وتوسيع حضوره في المجتمع، مع الحفاظ على مرتكزاته الأساسية القائمة على الإيمان والوعي والاستقلال.
أن المشروع القرآني لم يكن الهدف إنشاء تنظيم سياسي بالمعنى التقليدي، وإنما بناء إنسان يمتلك وعياً قرآنياً يجعله قادراً على مواجهة مختلف أشكال الهيمنة والظلم، والمشاركة في نهضة وطنه على أسس إيمانية وأخلاقية.
لم تقتصر المسيرة القرآنية، وفق الأدبيات التي انطلقت منها، على تقديم خطاب ديني أو ثقافي، بل اتجهت نحو بناء مشروع متكامل يربط بين الإيمان والتحرر والسيادة الوطنية، وانطلقت من قناعة مفادها أن استقلال القرار السياسي لا يمكن أن يتحقق ما لم يسبقه تحرير الإنسان من التبعية الفكرية والثقافية، باعتبار أن الوعي يمثل الأساس الحقيقي لأي مشروع نهضوي.
ومن هذا المنطلق، ركزت المسيرة القرآنية على ترسيخ مفهوم الحرية باعتباره قيمة قرآنية أصيلة، واعتبرت أن مواجهة الهيمنة الخارجية تبدأ بتحرير الإرادة الوطنية من كل أشكال الوصاية السياسية والاقتصادية والثقافية، ولذلك، ارتبطت الدعوة إلى بناء الدولة المستقلة ببناء الإنسان الواعي القادر على الدفاع عن وطنه ومقدراته واتخاذ قراره بعيداً عن الضغوط الخارجية.
ويرى مراقبون أن هذه الرؤية انعكست بوضوح خلال سنوات العدوان السعودي الأمريكي، حيث لم تؤدِ الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى انهيار المجتمع، بل أسهمت في تعزيز روح الاعتماد على الذات وتنمية القدرات الوطنية في مختلف المجالات، الأمر الذي جعل الصمود خياراً مجتمعياً عاماً، وليس مجرد موقف سياسي تتبناه القيادة.
ومن أبرز المرتكزات التي قامت عليها المسيرة القرآنية العمل على إعادة بناء الهوية الإيمانية الجامعة، بعيداً عن الانقسامات المذهبية والمناطقية والقبلية، من خلال التأكيد على أن القرآن الكريم يمثل المرجعية الجامعة لكل أبناء الأمة، وأن الانتماء الحقيقي ينبغي أن يكون لقيم العدل والحرية والكرامة.
وهو ما أسهم في تعزيز حالة التماسك الداخلي، وتحويل مختلف مكونات المجتمع إلى جبهة واحدة في مواجهة التحديات، وهو ما ظهر في المواقف الشعبية الواسعة خلال سنوات العدوان والحصار، وفي الحشود المليونية التي شهدتها العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة، حيث شاركت مختلف الشرائح الاجتماعية في التعبير عن موقف موحد تجاه قضايا السيادة والاستقلال.
كما يربط المشروع بين الهوية الإيمانية والقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية مركزية للأمة، ويرى أن نصرة الشعب الفلسطيني تمثل امتداداً طبيعياً لمبدأ الأخوة الإيمانية ونصرة المستضعفين، وهو ما جعل الموقف اليمني من القضية الفلسطينية جزءاً من الهوية الفكرية والسياسية التي تبنتها المسيرة.
يضع المشروع القرآني الإنسان في قلب عملية التغيير، انطلاقاً من أن بناء المجتمع يبدأ ببناء الفرد المؤمن، الواعي، المسؤول، القادر على التمييز بين الحق والباطل، وعلى تحمل مسؤولياته تجاه دينه ووطنه وأمته.
ولهذا ركزت المسيرة على البرامج التربوية والثقافية والمحاضرات القرآنية التي تناولت مفاهيم المسؤولية، والهوية، والاستقلال، والجهاد، والاعتماد على الله، باعتبارها أدوات لصناعة وعي جماعي قادر على مواجهة مختلف أشكال الاستهداف.
وتقوم رؤية المشروع، على أن بناء الإنسان لا يقتصر على الجانب الروحي، بل يشمل أيضاً تنمية روح المبادرة، وتعزيز قيم العمل والإنتاج والاكتفاء الذاتي، وإحياء الثقة بالقدرات الوطنية، بما يسهم في بناء مؤسسات قوية تستند إلى الكفاءة والاستقلال، بعيداً عن الارتهان للخارج.
شكّل الخطاب القرآني الذي يقدمه السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ أحد المرتكزات الأساسية في مسار بناء الوعي الشعبي وتعزيز حالة الصمود خلال سنوات العدوان والحصار. ويتميز هذا الخطاب، بربط الأحداث السياسية والعسكرية بالمنظور القرآني، وتقديم تفسير للأحداث يقوم على مفاهيم الإيمان والاعتماد على الله والمسؤولية الجماعية.
وقد أسهم هذا الخطاب في تعزيز الثقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، من خلال التأكيد على أن الصمود ليس خياراً سياسياً مؤقتاً، بل موقفاً نابعاً من قناعة دينية ووطنية، كما ركز على كشف أساليب الأعداء في تفكيك النسيج الاجتماعي.
ومن أبرز ما ركز عليه الخطاب القرآني تعزيز روح الثبات واليقظة، وتحويل التحديات إلى دافع لمزيد من الوعي والعمل، وهو ما انعكس في استمرار التماسك الشعبي رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وفي قدرة المجتمع على تجاوز الكثير من آثار الحصار والحرب.
أن بناء الوعي الذي بناه المشروع القرآني لم يقتصر على القضايا الداخلية، بل امتد ليشمل تعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة الإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقد انعكس ذلك في الموقف اليمني المعلن تجاه فلسطين، والذي قُدِّم بوصفه امتداداً طبيعياً لمبدأ نصرة المستضعفين والدفاع عن قضايا الأمة.
وفي هذا السياق، ينظر الشعب اليمني إلى مشاركة اليمن في دعم القضية الفلسطينية سياسياً وشعبياً وعسكرياً باعتبارها تعبيراً عن الهوية الإيمانية التي تربط بين الإيمان والالتزام العملي تجاه قضايا العدل والحرية.
كما يعتبرون أن هذا الموقف عزز مكانة اليمن في الوعي الشعبي العربي والإسلامي، وأظهره كطرف فاعل في القضايا الإقليمية المرتبطة بمواجهة الهيمنة الخارجية.
تكشف التجربة اليمنية، عن تحول مهم في طبيعة المواجهة، حيث لم تعد مقتصرة على الجانب العسكري، بل أصبحت معركة شاملة تشمل الوعي، والهوية، والثقافة، والاقتصاد، والإعلام. ويُنظر إلى الحرب الناعمة باعتبارها محاولة لاختراق المجتمع من الداخل بعد فشل بعض أدوات الضغط العسكري في تحقيق أهدافها.
وفي المقابل، يرى المشروع القرآني أن بناء الحصانة الداخلية يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الحرب، وأن المجتمع الذي يمتلك وعياً راسخاً بقضاياه وهويته يكون أكثر قدرة على الصمود أمام كل التحديات.. كما أن الالتفاف الشعبي حول القيادة، الذي ظهر في المسيرات المليونية، يُقدَّم باعتباره مؤشراً على نجاح المشروع في تعزيز الثقة بين القيادة والمجتمع.
ومن الدلالات الأخرى التي يبرزها التقرير أن المشروع القرآني أسهم في إعادة تعريف مفهوم الاستقلال، بحيث لم يعد مقتصراً على البعد السياسي، بل شمل الاستقلال الفكري والثقافي والاقتصادي، وهو ما انعكس في الدعوة إلى الاعتماد على القدرات الوطنية وبناء مؤسسات أكثر استقلالاً عن التأثيرات الخارجية.