الجرائم الأمريكية في اليابان.. ذاكرة لا تمحوها العقود واستغلال يتجدد تحت غطاء التحالف
الحقيقة ـ جميل الحاج
بعد مرور ما يقارب ثمانية عقود على أبشع جريمة عرفها التاريخ الحديث، حين ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في أغسطس 1945، لا تزال آثار تلك المأساة حاضرة في الذاكرة اليابانية، رغم محاولات طمسها سياسياً وإعلامياً. فالقصف الذي أودى بحياة أكثر من 200 ألف مدني ياباني، وخلّف دماراً هائلاً وتشوهات مستمرة لأجيال لاحقة، لم يكن سوى البداية في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق الشعب الياباني، خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها.
ورغم أن هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، فإن الحكومة اليابانية، وفقاً لمراقبين، تبدو اليوم بعيدة عن وجدان مواطنيها، إذ تمارس سياسات خارجية تتسم بالخضوع والارتهان للنفوذ الأمريكي، على حساب الذاكرة الوطنية ومعاناة اليابانيين.
وقبيل وصول ترامب، شهدت العاصمة اليابانية استنفارًا أمنيًا واسعًا، حيث انتشر آلاف عناصر الشرطة، وسط تصاعد التوتر بعد اعتقال رجل مسلح بسكين أمام السفارة الأمريكية، وخطط لتنظيم احتجاج مناهض للرئيس الأمريكي في وسط شينجوكو.
وفي هذا السياق، يصل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى العاصمة اليابانية طوكيو في ثاني محطاته الآسيوية ضمن جولة تشمل ثلاث دول، حيث هبطت طائرته في مطار هانيدا وسط استقبال رسمي واسع. ومن المقرر أن يلتقي ترامب رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة سانا تاتشيكا، تلميذة رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، والتي تُعد من أبرز الوجوه المحافظة في اليابان المعاصرة.
وخلال الزيارة، من المتوقع أن يُسلط ترامب الضوء على استثمار ياباني بقيمة 550 مليار دولار في الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرها محللون تجديداً لشكلٍ آخر من أشكال السيطرة الاقتصادية الأمريكية على اليابان. كما سيلتقي ترامب إمبراطور اليابان وعدداً من قادة الأعمال، ويزور القوات الأمريكية المتمركزة في البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي رمز دائم للهيمنة الأمريكية المستمرة.
وقبل وصوله إلى طوكيو، أبرم ترامب اتفاقيات استراتيجية للمعادن النادرة مع ماليزيا، وساهم في معاهدة سلام بين تايلاند وكمبوديا بوساطة أمريكية، في تحرك يُنظر إليه كجزء من سعي واشنطن لإعادة تثبيت نفوذها في آسيا، في مواجهة التمدد الصيني.
لكن خلف المظاهر الدبلوماسية والتحالفات الاقتصادية، تبقى الذاكرة اليابانية مثقلة بالجرائم الأمريكية التي ارتكبت خلال الحرب وما تلاها.
فإلى جانب القصف الذري، شنت الولايات المتحدة غارات جوية مدمرة على طوكيو ومدن أخرى، أودت بحياة أكثر من 200 ألف مدني آخرين، وشرّدت الملايين.
كما سُجّلت انتهاكات جسيمة خلال فترة الاحتلال الأمريكي (1945–1952)، من بينها حالات اغتصاب وتستر على الجرائم، إلى جانب تجارب بشرية وانتهاكات طبية لم يُحاسب منفذوها.
وتشير وثائق تاريخية إلى أن الولايات المتحدة منحت الحصانة لعدد من مجرمي الحرب اليابانيين، وعلى رأسهم قادة الوحدة 731 المتورطين في تجارب بشرية مروّعة، مقابل الحصول على نتائج تلك الأبحاث، في صفقةٍ وصفت بأنها “تبادل للعدالة بالعلم”.
اليوم، وبعد قرابة ثمانين عاماً، يرى محللون أن واشنطن لا تزال تمارس نوعاً آخر من السيطرة على اليابان، ولكن بوسائل اقتصادية وسياسية. فالتواجد العسكري الأمريكي المستمر، والاتفاقيات التجارية التي تُلزِم طوكيو بتخصيص استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، تُظهر أن العلاقات بين البلدين ما زالت غير متكافئة.
ويؤكد خبراء أن اليابان، رغم كونها ثاني أكبر قوة اقتصادية آسيوية، لا تزال رهينة للنفوذ الأمريكي في سياساتها الدفاعية والاقتصادية، في ظل غياب إرادة حكومية حقيقية لاستعادة الاستقلال الكامل أو إعادة فتح ملفات الجرائم التاريخية.
ورغم محاولات الحكومات اليابانية المتعاقبة تجنب الخوض في هذه القضايا، فإن أصواتاً داخل المجتمع الياباني ما زالت تطالب بالاعتراف الكامل بالضحايا وبإدانة الجرائم الأمريكية كجرائم ضد الإنسانية. فالقصف الذري، والانتهاكات ضد المدنيين، وما تبعها من ارتهان سياسي واقتصادي، تظل، بحسب مراقبين، جراحاً مفتوحة في ذاكرة أمةٍ فقدت استقلالها مرتين: مرة تحت الدمار النووي، ومرة تحت وطأة النفوذ الأمريكي الذي لم ينتهِ حتى اليوم.