الكيان ومحلّقات حزب الله: بين مستويات الإخفاق الحالي والتحدي المستقبلي
لا يزال تحدّي المحلّقات والمسيّرات التي يستخدمها حزب الله يفرض تركيزاً في القراءات الإسرائيلية لمقاربة هذا التحدّي وفهم أبعاده، ومحاولة استكشاف الإخفاقات وأفق الحلول أمام المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية المُتّهمة بالتقصير. يأتي ذلك انطلاقاً من سلسلة الإصابات والقتلى الذين سقطوا نتيجة هجمات حزب الله بواسطة محلّقات متفجرة موجهة بـالألياف البصرية.
وتُظهر مجموعة من التحليلات مقاربة إسرائيلية تتكامل وتتصاعد يوماً بعد يوم، في محاولة بلورة فهم التهديد الذي تفرضه محلقات حزب الله، خصوصاً التي تعمل بنظام الألياف البصرية، وتقوم على تقديم فكرة مركزية أساسية ومفادها أن الاختراق الجاري حالياً على الجبهة اللبنانية ليس تكنولوجياً فحسب، بل هو اختراق بنيوي وعملياتي ومفاهيمي، إذ لا تعاني “إسرائيل” من غياب الحلول، بل من فجوة مستمرة بين إنتاجها التكنولوجي وتحويله إلى قدرة ميدانية فعالة في الوقت المناسب.
أولاً: الفجوة القاتلة بين التكنولوجيا والتطبيق الميداني
في المستوى الأول، يبرز تشخيص متكرر للإخفاق الإسرائيلي في التعامل مع “ثورة المحلقات”. فالهجمات التي نفذتها حركة حماس، ثم حزب الله، كشفت أن منظومات متطورة يُزعم أنه جرى تطويرها داخل “إسرائيل” أو عُرض عليها، لم تُدمج أو تُوزَّع في الوقت المناسب على الوحدات القتالية.
كما برز خلل بنيوي داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية نفسها مع غياب أيّ جهة عسكرية محددة تتبنى مسؤولية الدفاع ضد المحلّقات.
والنتيجة، بحسب خبراء، هي ظهور فجوة قاتلة بين المعرفة والتحذير من جهة، والتطبيق العملياتي من جهة أخرى. هذا الإخفاق يُنسب إلى بيروقراطية المؤسسة الأمنية والعسكرية، لا سيما في “الجيش” الإسرائيلي: ضعفُ تحديد الأولويات، وغيابُ جهة مركزية تدير ملف الدفاع ضد المسيّرات، ما أدى إلى “تعلّم بعد الصدمة” بدل الاستعداد المسبق.
ثانياً: تجاوز منطق التفوق الجوي الكلاسيكي
يتضح أن التهديد نفسه لم يعد تقليدياً، فالمحلقات الموجّهة بالألياف البصرية أخرجت ساحة المعركة من منطق التفوّق الجوي الكلاسيكي إلى منطق “السلاح الرخيص عالي التأثير”. هذا التحوّل جعل الاكتشاف أصعب، والتشويش أقل فعالية، والردّ أكثر كلفة وبطئاً.
والأهم في المقاربة الإسرائيلية هنا هو إدراك أن الجغرافيا فقدت قيمتها التقليدية وأنّ المسافة لم تعُد مهمّة بالقدر نفسه، وبات يُنظر بعين الشك إلى فعالية “الحزام الأمني” الجديد بوصفه حامياً لمستوطنات الشمال، لا من الطائرات المفخخة، ولا من الصواريخ، ولا حتى من الصواريخ المضادة للدروع، وفق معلّقين عسكريين، وباتت الجبهة الداخلية جزءاً مباشراً من ساحة القتال، حيث يمكن لتهديد منخفض الكلفة أن يضرب منظومات حماية باهظة الثمن، وفق التحليل الإسرائيلي.
ثالثاً: دروس “المختبر الأوكراني” وسرعة التكيف
يتبلور عنصر المقارنة الدولية، خصوصاً مع أوكرانيا، فالحرب هناك تُقدَّم كـ “مختبر حيّ” كشف سرعة تطور الحرب الجوية، وتحول المسيّرات إلى سلاح جماعي شبكي. “إسرائيل”، وفق هذه القراءة، لم تستوعب دروس أوكرانيا بسرعة كافية، بينما استفاد خصومها (مثل روسيا وحزب الله) من نقل المعرفة والتجربة.
والنتيجة هي أن “إسرائيل” تجد نفسها في سباق غير متكافئ: خصوم يتعلمون بسرعة من ساحات قتال عالمية، مقابل مؤسسة أمنية تتأخر في تحويل المعرفة إلى انتشار ميداني.
رابعاً: هندسة الدفاع متعدد الطبقات وعوائق الانتشار
تظهر المقاربة الإسرائيلية بوصفها محاولة لاحقة لبناء “هندسة دفاع متعددة الطبقات”. هذه الهندسة تقوم على ثلاث ركائز: كشف متعدد الوسائط (رادار، بصري، صوتي، ذكاء اصطناعي)، واعتراض حركي وليزري، ومسيّرات مضادة، ودفاع سلبي عبر التحصين المادي والشبكات الواقية.
لكن المشترك بين كل هذه الطبقات هو الاعتراف الضمني بأنها ما زالت غير مكتملة الانتشار، وأن الفجوة الزمنية بين التطوير والتوزيع تظل نقطة الضعف الأساسية، فضلاً عن الحديث عن بدائية بعض الوسائل المستخدمة في مواجهة هذه المحلقات.
خامساً: “حرب الأسراب” والتحول الاستراتيجي الشامل
يتوسّع التحليل الإسرائيلي ليأخذ بعداً استراتيجياً أوسع: المحلقات ليست مجرد تهديد تكتيكي، بل هي جزء من تحوّل شامل في طبيعة الحرب. هذا التحوّل يتمثل في تآكل الفصل بين الجبهة والعمق، وتراجع دور الطائرات المأهولة لصالح أنظمة غير مأهولة صغيرة وكثيفة ورخيصة، وظهور “حرب الأسراب” تجعل الكثافة العددية عاملاً حاسماً يفوق جودة السلاح الفردي.
هنا تتحوّل الحرب إلى بيئة تعلم مستمر وسريع، حيث يصبح التفوق مرهوناً بسرعة التكيّف لا بحجم التكنولوجيا فقط.
استشراف التهديدات المستقبلية
ومن جملة ما جرى التوقف عنده، تحذيرٌ من أنّ تهديد المحلّقات الحالي ليس سوى بداية مرحلة أكثر تعقيداً. فهناك تهديدات جديدة قيد التطوّر، مثل “محلقات الخلوي” التي تعتمد على شبكات الاتصالات الخلوية بدل البث التقليدي، ما يصعّب اكتشافها وتشويشها، إضافةً إلى “أسراب المحلقات المنسقة” التي تعمل بشكلٍ جماعي ومنسّق، الأمر الذي يزيد من صعوبة اعتراضها ويضاعف قدرتها التدميرية.
وتتمثل خلاصة المقاربة الإسرائيلية، كما تعكسها التحليلات والتعليقات، في أن “إسرائيل” تواجه مفارقة بنيوية: فمن ناحية هي متقدّمة جداً في إنتاج التكنولوجيا الدفاعية والهجومية، لكنها متأخّرة في تحويل هذه التكنولوجيا إلى جاهزية ميدانية موزّعة وفعّالة.
وفي المقابل، يتطوّر خصومها – وأبرزهم حزب الله – بسرعة عبر نماذج منخفضة الكلفة وعالية المرونة، تستفيد من تجارب عالمية (خصوصاً أوكرانيا) وتكيّفها في ساحتي لبنان وغزة.
في المحصلة، فإن جوهر القلق الإسرائيلي في المقاربة التحليلية المتاحة لم يعد “هل تملك إسرائيل الحل؟”، بل: هل تصل الاستجابة للتهديد إلى ساحة القتال قبل أن يصبح الحل متأخراً أو غير كافٍ؟