المخطط السعودي الجديد في اليمن: مقامرة المليارات لترميم النفوذ ومواجهة الفشل العسكري

 ـ خريف “الوكلاء” في اليمن: الرياض ترث نفوذ أبوظبي وتبحث عن شرعية مفقودة تحت الرماد
ـ استراتيجية “الترغيب والترهيب”: هل تُرمم المليارات السعودية إخفاقات عقد من الحرب؟

الحقيقة ـ جميل الحاج

بعد عقد من حشد التحالفات وشن العدوان على اليمن لم تحقق المملكة السعودية أهدافها العسكرية المعلنة، تجد الرياض نفسها اليوم أمام منعطف تاريخي في الملف اليمني.

فمع انحسار الدور الإماراتي وتراجع نفوذ حلفائها في الجنوب اليمني المحتل، سارعت المملكة إلى إحياء استراتيجيات قديمة بوجوه جديدة، مستخدمةً “سلاح المال” والانتشار العسكري المباشر لمحاولة تغيير موازين القوى الميدانية، في وقت تزداد فيه قوة صنعاء العسكرية والسياسية، وتتصاعد فيه موجات السخط الشعبي والقبلي ضد ما يصفه اليمنيون بـ “الأطماع التوسعية السعودية”.

 صراع الولاءات وضخ السيولة

دخلت السعودية خلال الأسابيع القليلة الماضية مرحلة جديدة من التدخل في اليمن، تتركز في جوهرها على “الاستمالة المالية” و”الاحتواء العسكري” للفصائل المسلحة والمكونات القبلية، خاصة في المناطق الشرقية والجنوبية لليمن.

وتكشف التقارير الأخيرة عن تخصيص الرياض لميزانيات ضخمة تجاوزت 4 مليارات دولار هذا العام، تذهب لتمويل رواتب عشرات الآلاف من المرتزقة وموظفي حكومة المرتزقة التي شكلتها مؤخرا، في محاولة لملء الفراغ الذي خلفه تراجع الدعم الإماراتي، وقطع الطريق أمام أي تقارب بين هذه القوى وبين قيادة صنعاء.

وتتوزع الاستثمارات السعودية الأخيرة في المحافظات اليمنية المحتلة  بين دعم عسكري مباشر ومشاريع تنموية مغلفة بأهداف سياسية. وبحسب بيانات “شفقنا عربي”، خصصت المملكة نحو مليار دولار لدفع رواتب ما تسمي بـ “قوات الجنوب” التي كانت تتبع أبوظبي، وملياري دولار لتغطية نفقات لما تسمي بـ “الحكومة” الموالية لها وفصائلها المسلحة.

يقول مسؤول موالٍ للرياض: “إن السعودية أبدت استعداداً كاملاً لتحمل عبء الرواتب لإعادة تنظيم الصفوف ووضع الجماعات المسلحة تحت السيطرة”.

لكن المراقبين يرون في هذا التدفق المالي “اقتصاد حرب” بامتياز، حيث تُدفع للميليشيات رواتب تفوق ما يتقاضاه المدنيون بأضعاف، مما يعزز حالة “العسكرة” ويجعل الانتقال السلمي بعيد المنال.

 التمدد العسكري: عسكرة حضرموت والمهرة

لم يعد نفوذ الاحتلال السعودي يقتصر على الدعم اللوجستي، بل تحول إلى حضور عسكري مباشر وكثيف يثير ريبة القبائل التاريخية.

 وتكشف التقارير الميدانية عن شبكة واسعة من القواعد العسكرية:

في حضرموت: أكثر من 15 موقعاً عسكرياً تحت إدارة سعودية مباشرة أو عبر قوات “درع الوطن”.

في المهرة: انتشار في أكثر من 20 نقطة عسكرية، بدءاً من معسكر الخراخير وصولاً إلى ميناء نشطون، بقوات تقدر بـ 45 ألف مقاتل من “درع الوطن” و10 آلاف من قوات الطوارئ.

هذا الانتشار الكثيف حول محافظات النفط والموانئ إلى “مناطق عسكرية مغلقة”، وهو ما تعتبره قبائل المهرة وحضرموت احتلالاً مباشراً يستهدف السيادة الوطنية، خاصة مع محاولات التلاعب بالحدود التاريخية وإزالة قرى حدودية من الخرائط الرقمية.

ورغم ضخ المليارات، يبدو أن السعودية فشلت في شراء “الولاء المطلق”، فالمظاهرات الأخيرة في سيئون وسيحوت، والتي شهدت إحراق صور الرموز السيادية السعودية، تعكس وعياً شعبياً متزايداً بطبيعة الأطماع التوسعية.

لقد تشكلت جبهة قبلية موحدة في شرق اليمن تضم قبائل (الحريزي، زعبنوت، رعفيت، وقمصيت) في المهرة، وقبائل (الصيعر، العوامر، والحموم) في حضرموت.

هذه المكونات ترى في التحركات السعودية “خطراً وجودياً” يهدد الهوية اليمنية، وتعتبر التواجد العسكري السعودي قوة انتهازية تسعى لتأمين ممرات الطاقة (أنبوب النفط الحلم) على حساب الأرض اليمنية.

 ميزان القوى: قوة صنعاء وفشل الأدوات

تأتي هذه التحركات السعودية في ظل “هدنة هشة” أُبرمت بعد هجمات صنعاء المؤلمة على البنية التحتية للطاقة في المملكة عام 2022.. ورغم محاولات الرياض تجميع شتات الفصائل، إلا أن الواقع الميداني يؤكد:

ـ تماسك صنعاء: لم تضعف قوات صنعاء عسكرياً، بل ازدادت قوة وخبرة، وأصبحت تمتلك قدرات صاروخية ومسيرة عطلت فاعلية التدخلات الخارجية، بما فيها الأمريكية.

ـ تشرذم المرتزقة: تفتقر الفصائل التابعة للرياض (مثل المجلس الانتقالي ودرع الوطن) للانسجام، وتغرق في صراعات بينية على النفوذ والموارد، مما يجعلها عاجزة عن تشكيل جبهة موحدة.

ومع الفشل العسكري، تحولت السعودية نحو “الحرب الاقتصادية”، التغييرات الأخيرة في الحكومة التي شكلتها السعودية بإملاءات أمريكية، تُقرأ في صنعاء كعملية “ترميم” لأدوات متهالكة، بهدف فرض مسار جديد يتيح التحكم بالقرار السياسي والاقتصادي.

وتتهم صنعاء الرياض باستخدام “ملف التجويع” كوارقة ضغط، عبر استقطاب الكوادر ورؤوس الأموال، وتحميل حكومة التغيير والبناء في صنعاء تبعات الأزمة التي صنعها الحصار والعدوان، في سياسة وُصفت بأن “بطون السعوديين ممتلئة بجوع اليمنيين”.

 تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي

يحذر الخبراء من أن استمرار النهج السعودي “العدائي” قد يؤدي إلى انفجار الموقف مجدداً. فصنعاء حذرت بوضوح من أن أي تصعيد جديد سيجعل البنية التحتية السعودية بالكامل في مرمى النيران.

علاوة على ذلك، فإن عدم الاستقرار في جنوب اليمن يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد يحول الأزمة إلى صراع إقليمي ودولي واسع النطاق، ينسف طموحات الرياض في جذب الاستثمارات والسياحة ضمن رؤيتها الاقتصادية.

وفي الأخير: إن حادثة إحراق الصور في حضرموت ليست مجرد احتجاج عابر، بل هي إعلان سياسي عن انتهاء مفعول الوصاية التي استغلها تحالف العدوان لعقد من الزمن، وأن السعودية اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في المقامرة بملياراتها لدعم فصائل متناحرة وأطماع توسعية محكومة بالفشل، أو الإدراك بأن السيادة اليمنية خط أحمر، وأن القوة التي عجزت عن كسرها في عشر سنوات لن تنحني أمام “المال السياسي” أو “الضغوط الاقتصادية”.

المستقبل القريب سيحدد ما إذا كانت الرياض ستتعظ من دروس العقد الماضي، أم أنها ستدفع بالمنطقة نحو دورة جديدة من الحرب، ستكون كلفته هذه المرة أشد وطأة على أمنها الداخلي واقتصادها المتعثر.

قد يعجبك ايضا