انكسار الهيمنة الصهيوأمريكية وصعود محور الجهاد والمقاومة
صادق البهكلي
حين نطل اليوم على مشهد الشرق الأوسط من شرفة التاريخ، نجد أنفسنا أمام لحظة فارقة تتجاوز كل التوقعات الكلاسيكية التي سادت لقرن مضى. إن عملية الهندسة الجيوسياسية التي انطلقت من دهاليز المحافظين الجدد تحت مسمى الفوضى الخلاقة، لم تعد تسير وفق تلك الخرائط التي رُسمت في واشنطن؛ بل اصطدمت بصخرة واقع إقليمي جديد يعيد صياغة موازين القوى بعيداً عن الرغبة الأمريكية والصهيونية في الهيمنة المطلقة. نحن نعيش اليوم ارتدادات الزلزال الذي ضرب بنية النظام الإقليمي، حيث تهاوت أساطير الردع، وباتت القوى الاستعمارية مضطرة لمواجهة حقائق ميدانية لم تكن تضعها في الحسبان. إن هذا الشهر تحديداً يشهد ذروة التصعيد في جبهات الإسناد، حيث انتقلت المقاومة من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة فرض المعادلات الجغرافية الجديدة، مما وضع مشروع إسرائيل الكبرى في مأزق وجودي لم يعهده منذ نشأته. المشهد اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو صراع إرادات بين أمة تسعى لاسترداد سيادتها المنهوبة، وقوى استكبار عالمية تحاول جاهدة الحفاظ على آخر معاقل نفوذها في المنطقة عبر استراتيجيات التفكيك والإضلال التي باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى.
مكر التاريخ.. حين يصبح الإرهاب وظيفة استراتيجية
تبدأ الحكاية من اللحظة التي قررت فيها الإمبريالية الأمريكية، بالتنسيق الكامل مع الغرف المظلمة في تل أبيب، استبدال جيوشها الكلاسيكية بـ جيوش وظيفية مستترة خلف عباءات دينية مشوهة، واليوم، ونحن نراقب بقايا تلك التنظيمات التي تحاول استعادة نشاطها في سوريا وتعاد محاولة إحيائها في اليمن، في ظل واقع اصبح فيه الصهيوني والأمريكي يواجه بشكل مباشر قوى التحرر في المنطقة ويراد لهذه الجماعات أن تتحرك بالتوازي مع التحركات الصهيوأمريكية لأن هذا هو المطلوب منها ولم يعد التقنع بقناع التوحيد والإسلام والصحابة وشعار (لا إلا إلا الله) مجديا، ولا يسعنا إلا استحضار تلك الاعترافات المدوية التي أدلت بها هيلاري كلينتون ودونالد ترامب حول الدور القذر لواشنطن في صناعة داعش وأخواتها. لقد كان الهدف الاستراتيجي هو خلق إمارة قلق دائمة، تعمل كمصد جيو-سياسي يستنزف مقدرات الدول الرافضة للهيمنة، ويمزق نسيجها الاجتماعي تحت عناوين طائفية مصطنعة. هذه الحقيقة أكدتها تقارير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أمان، التي لم تكتفِ بالصمت، بل صرح قادتها مراراً بأن وجود تنظيمات متطرفة في الجوار السوري والعراقي يخدم المصلحة الإسرائيلية أكثر من وجود دولة قوية ومتماسكة. إن ما نشهده اليوم من محاولات لإعادة إحياء هذه التنظيمات هو فصل جديد لكنه بات مكررا وأصبح معروفا لكل حر في المنطقة والعالم، حيث تحاول واشنطن تعويض إخفاقاتها العسكرية في المواجهة المباشرة عبر تفعيل خلاياها النائمة لتعطيل خطوط الإمداد والمواصلات الاستراتيجية التي تربط عواصم محور المقاومة، إن هذا التوظيف الممنهج للإرهاب لم يعد مجرد تخمين، بل بات حقيقة جيوسياسية تهدف إلى منع أي استقرار حقيقي في المشرق العربي، وضمان بقاء الكيان الصهيوني القوة الوحيدة القادرة على الحركة بحرية وسط ركام الدول المنهكة. إن الفشل الأمريكي في تحقيق الاستقرار عبر هذه الجماعات دفعها مؤخراً لزيادة وتيرة القصف المجهول لدعم تلك التحركات الميدانية، وهو ما يثبت أن الوحش الإرهابي لا يزال ينمو في أحضان المختبرات الاستخباراتية الأمريكية والصهيونية ولكن الغريب أن دول المنطقة هي الوحيدة التي تكتوي بنار جحيم هذه الجماعات الموسادية..
ابتزاز العروش ونهب الثروات..
في المشهد الراهن، تتبدى لنا سياسة التطويع بالخوف في أبشع تجلياتها المعاصرة، لقد نجحت واشنطن لعقود طويلة في تسويق البعبع الإيراني كأداة لنهب تريليونات الدولارات من ثروات الشعوب العربية، وتحويل المنطقة إلى سوق استهلاكية ضخمة للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي. لكن المستجدات الصادمة التي طرأت خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران كشفت زيف المظلة الأمنية التي طالما تشدقت بها واشنطن. فبينما كانت الأنظمة المنبطحة تنتظر الحماية الموعودة من القواعد العسكرية الأمريكية التي تربض حول آبار ومصافي النفط والغاز في هذه الدول وجدت نفسها تتحمل وحدها تبعات وجود هذه القواعد الأمريكية في أراضيها وأن الأساطيل الأمريكية والمدمرات وحاملات الطائرات التي ظل العدو يخوف العالم بها هربت مذعورة أمام الصواريخ الإيرانية وباتت عاجزة حتى عن حماية نفسها، فكيف لها أن تحمي عروشاً مهتزة؟ لقد تركت واشنطن حلفاءها العرب يواجهون تبعات السياسات العدوانية الصهيونية، وركزت كل جهدها على تأمين شريان الحياة للكيان، في رسالة واضحة مفادها أن الحماية في القاموس الأمريكي تعني النهب في وقت السلم، والتخلي في وقت الأزمات. إن الابتزاز انتقل الآن إلى مرحلة أخطر، وهي مرحلة الاندماج القسري عبر ممرات اقتصادية يسعى العدو الإسرائيلي لفرضها كواقع جيوسياسي جديد، تهدف من ورائه إلى تحويل العواصم العربية إلى مجرد ضواحي اقتصادية تخدم المركز الصهيوني. إن تعطل هذه المشاريع بفعل العمليات النوعية للمقاومة خلال عمليات التصدي للعدوان الأمريكي الصهيوني قد أربك حسابات المجرم نتنياهو الذي كان يمني النفس بربط حيفا بالخليج عبر ممر بري يمر فوق أنقاض الكرامة العربية في (غزة).
إن سقوط أسطورة الحماية الأمريكية هذا الشهر يفتح الباب واسعاً أمام تحولات كبرى، حيث بدأت بعض هذه الأنظمة تدرك متأخرة أن البقرة الحلوب حين يجف ضرعها، أو حين يشتد الخطر، لا تجد من راعيها إلا السكين، وهو واقع مرير يعيد تسليط الضوء على ضرورة استعادة السيادة الوطنية بعيداً عن الإملاءات الإمبريالية.
هندسة الوعي وفشل الحرب النفسية
أخطر جبهات هذا التفكيك ليست هي تلك التي تُقصف بالصواريخ، بل هي التي تُهدم في بنية الوعي العربي، نحن أمام عملية كي وعي جماعية، تدار عبر ماكينات إعلامية وترفيهية هائلة، تحاول إحلال العدو المتخيل مكان العدو التاريخي، لكن ما نلحظه في وجدان الشارع العربي خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران يمثل فشلاً ذريعاً لهذه الهندسة النفسية، فعلى الرغم من ضخ الأموال الطائلة لتلميع صورة (التطبيع ) وتسويق ما يسمى (الديانة الإبراهيمية) وترويج التعايش مع الصهاينة وشيطنة المقاومة وإيران وأحرار اليمن، إلا أن المشاهد البطولية القادمة من إيران وجنوب لبنان، ومن أعماق البحار حيث يواجه اليمن قوى الاستكبار، قد أعادت صياغة الهوية الجمعية للأمة.
لقد سقطت سردية السلام الزائف تحت وطأة القصف الصهيوني الوحشي والمخططات التي لم تعد تواري سوءتها في الحديث عن ضم الضفة وتهجير الفلسطينيين وإقامة إسرائيل الكبرى وتغيير الشرق الأوسط. الوعي الشعبي العربي اليوم بات يدرك أن التسامح الذي تدعو إليه واشنطن هو في حقيقته استسلام لمشروع الهيمنة، وأن الغرض من تمييع الهوية الإسلامية والوطنية هو خلق جيل مستلب الإرادة، يسهل قياده نحو التبعية المطلقة. إن المقاومة الثقافية التي يقودها المثقفون الشرفاء والإعلام الحر هذا الشهر قد استطاعت تفنيد أكاذيب الإعلام المتصهين، وأعادت البوصلة نحو القدس كقضية مركزية لا تقبل القسمة على اثنين.
هذا التحول النوعي في الرأي العام، الذي يتجلى في المسيرات الحاشدة كما في اليمن وإيران والتفاعل العارم مع إنجازات المقاومة في غزة وفي لبنان والعراق وما أنجزته القوات المسلحة اليمنية في عملية اسنادها لغزة وحزب الله وإيران، يؤكد أن الحصون النفسية التي حاول العدو هدمها قد أعيد بناؤها بمداميك من اليقين والإيمان، مما يجعل من الصعوبة بمكان تمرير أي مشاريع تصفية للقضية الفلسطينية في ظل هذه اليقظة لدى الكثير من أبناء الأمة وفي ظل هشاشة المبررات الأمريكية والدعاية التي أصبح تكررها وسائلهم أدواتهم ومنطقهم المهزوم.
حلم إسرائيل الكبرى وسقوط أقنعة سايكس بيكو الجديدة
إن ما نشهده اليوم من تصعيد صهيوني جنوني في المنطقة ليس مجرد عمل عسكري محدود، بل هو محاولة صهيونية يائسة لفرض الجغرافيا التوراتية كبديل للجغرافيا السياسية المتعارف عليها. السياسة الإسرائيلية المعاصرة، التي يقودها يمين متطرف مهووس بالأساطير، هي التطبيق الحرفي لـ وثيقة ينون التي وضعت في الثمانينيات لتفتيت الدول العربية الكبرى إلى موزاييك من الدويلات الطائفية والعرقية الهزيلة. إن الهدف هو تحويل المنطقة إلى ركام من الكيانات المتناحرة، ليبقى الكيان الصهيوني هو القطب الأوحد والمسيطر على مقدرات المنطقة وثرواتها، والأنظمة التي توهمت يوماً أن انبطاحها سيحمي حدودها، تجد نفسها اليوم أمام وحش صهيوني لا يعترف بحدود ولا بمواثيق، بل يطالب بالمزيد من التنازلات الجغرافية والسياسية لتأمين ما يسمى المجال الحيوي للمستوطن.
إن المخططات التي تكشفت نية الاحتلال التوسع نحو جغرافيا جديدة في لبنان وسوريا، تؤكد أن حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات لا يزال هو المحرك الأساسي للعقل العدواني الصهيوني. ولكن، وفي مفارقة تاريخية كبرى، فإن هذا التوسع الذي تنشده الصهيونية قد تحول إلى انكماش استراتيجي داخل المستوطنات التي باتت تعيش تحت رحمة صواريخ المقاومة. إن سقوط أقنعة سايكس بيكو الجديدة يعني أن المنطقة تتجه نحو إعادة رسم خرائطها بدم المقاومين لا بأقلام الدبلوماسيين، وأن حدود إسرائيل باتت تتقلص بفعل ضربات الميدان، في حين أن نفوذ محور المقاومة يتمدد كضرورة جغرافية وتاريخية لحماية ما تبقى من كرامة هذه الأمة وسيادتها.
صراع الإرادات وفرض معادلة وحدة الساحات
ختاماً، وفي ظل هذا التصعيد الإجرامي الذي اشعلته واشنطن وتل أبيب، يبرز محور المقاومة كحائط صد أخير وحيد يمنع الانهيار الكامل للمنطقة برمتها وما تحقق حتى الآن قد قلب الطاولة بالكامل على المهندس الأمريكي؛ فالعمليات اليمنية الاستثنائية التي تجاوزت حدود التوقعات لتصل إلى مديات استراتيجية في المحيط الهندي، وتصاعد وتيرة الضربات النوعية من جنوب لبنان والعراق، ومفاجئة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للأعداء بقدراتها الصاروخية النوعية التي دكت القواعد الأمريكية ومراكز ومؤسسات وقواعد العدو الصهيوني في الأراضي المحتلة وشل حركته وافشال منظومات دفاعه الجوي التي كان يراهن عليها أثبتت بالدليل القاطع أن الهيمنة الصهوأمريكية ليست قدراً لا يُرد، بل هي بيت عنكبوت يتهاوى أمام ضربات المخلصين. لقد تحول الصراع اليوم من مجرد دفاع عن الوجود إلى فرض معادلات التحرير والسيطرة على الممرات الدولية، مما أفقد العدو الصهيوني أهم ركائز قوته التاريخية وهي الأمن والملاحة. لقد هدمت المقاومة أسطورة الأمن المطلق، وكشفت أن هذا الكيان لولا الجسر الجوي الأمريكي الذي يتدفق بالسلاح والمال حتى هذه الساعة، لكان قد انهار تحت وطأة تناقضاته البنيوية وضربات الميدان الموجعة. إن الدرس الاستراتيجي الأهم الذي نخرج به من هذه الجولة هو أن الوعي الجهادي المقاوم وتثبيت معادلة وحدة الساحات هو السلاح الأمضى الذي سيهزم هندسة التفكيك.
إن الأمة التي تدرك مواطن قوتها، وتلتف حول قادتها الحقيقيين أعلام الهدى، وتنبذ العروش التي باعت كرامتها في سوق النخاسة الدولية، هي الأمة الوحيدة القادرة على تحويل أحلام العدو الصهيوني إلى سراب.. إن رهاننا لم يعد على المؤسسات الدولية العاجزة، بل على الإرادة الشعبية التي ترفض أن تظل مجرد أرقام في حسابات المهندس الصهيوني، وتسعى بكل قوة لرسم مستقبلها بمداد العزة والانتصار.