تفجير الجبهات البرية في اليمن.. كيف تُدير واشنطن لعبة الانتقام؟

تفجير الجبهات البرية في اليمن.. كيف تُدير واشنطن لعبة الانتقام؟

يلجأ الأميركيون والبريطانيون وأداوتهما إلى تأجيج صراع داخلي يمني لإشغال قوات صنعاء عن المعركة الأساسية، وذلك بعد الفشل في ردع اليمن عن مواصلة عملياته العسكرية الداعمة لغزة. كيف تُدير واشنطن لعبة الانتقام؟

يجري الحديث في الآونة الأخيرة، على لسان المسؤولين اليمنيين، وحتى الغربيين، ولكن بلهجة مبطّنة، عن دفع أميركي – بريطاني، للتصعيد في اليمن عبر فتح المعارك وتحريك الجبهات برياً في الداخل بين القوات المسلحة اليمنية والمرتزقة المدعومين إماراتياً، إضافةً إلى حديث برز مؤخراً عن تخطيط أميركي – بريطاني لإنزال قوات برية، وذلك بالتوازي مع استمرار عدوانهما الجوي على عدة محافظات يمنية.

وقد صرّح عضو المجلس السياسي الأعلى في اليمن، محمد علي الحوثي، بأنّ الولايات المتحدة الأميركية أرسلت، عبر سلطنة عُمان، تهديداً لليمن “بتحريك الجبهات ضده”، وذلك رداً “على موقف الشعب اليمني المجاهد الرافض لإبادة أبناء غزة وحصارهم”.

أمّا غربياً، فقد قال المبعوث الأميركي إلى اليمن، تيم ليندركينغ، إنّ هجمات اليمن على سفن الشحن في البحر الأحمر، “تهدّد بتحويل اليمن إلى دولة منبوذة”، على حدّ تعبيره، محذّراً من أنّ “المدنيين اليمنيين سيعانون أكثر من غيرهم من العزلة الدولية التي ستنجم، إذا استمرت الهجمات”. كما صرّح ليندركينغ بأنّ  على اليمنيين “إدراك أنّه لا يُمكن تحقيق سلام بينما يهدّدون اقتصاد العالم”، بحسب ادّعائه. وذلك يعدّ تهديداً مبطّناً بنية الولايات المتحدة التفريط بجهود إحلال السلام في اليمن.

وإذ انتشرت هذه التصريحات، التي تُشير إلى تصعيد تقوده واشنطن وحلفاؤها للضغط على اليمن بهدف ثنيه عن عملياته في البحرين الأحمر والعربي نصرةً لقطاع غزة ومقاومته وانتقاماً من عملياته الموجعة، فإنّها بدأت تُترجم على أرض الواقع، وإن بشكل محدود، وذلك مع تفعيل وتفجير عدّة جبهات يمنية، منها الجوف وشبوة وجنوب مأرب والحديدة.

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تشير المعطيات إلى خطة أميركية لوقف مساعدات المنظمات الدولية كلياً في صنعاء، ونقلها إلى عدن، بالتزامن مع سعيها لإعادة فرض الحظر الجوي على اليمن، إذ أظهرت مواقع ملاحية إجبار رحلة لطيران “اليمنية” –  الناقل الرسمي والوحيد في اليمن-، كانت متجهة من عدن إلى القاهرة، على سلوك مسار فوق البحر الأحمر، بدلاً من الخط الذي اعتُمد مؤخراً من قِبل الشركة ويمرّ فوق الأراضي اليمنية، وذلك لأول مرة منذ الهدنة التي تضمّنت تسيير رحلات لـ”اليمنية” عبر مطار صنعاء الدولي.

وتبعاً لهذه الوقائع، فقد استجدّت معطيات عسكرية وسياسية في اليمن.. ماذا في تفاصيلها؟ وكيف يمكن أن يكون الرد اليمني عليها؟ 

المستجدات العسكرية

في هذا الإطار، صرّح العقيد في القوات المسلحة اليمنية، مجيب شمسان، بأنّ “الأميركي يحاول تحريك جبهة بيحان والأجاشر وتحريك جبهة البلق في مأرب، فيما هناك توجّهات أيضاً لرئيس مجلس القيادة المعيّن سعودياً رشاد العليمي لتحريك جبهات عبس وميدي في خدمة واضحة للكيان الصهيوني والأميركي والبريطاني”.

وأضاف شمسان، في حديث إلى الميادين نت، أنّ “العليمي كان قد عرض على التحالف الأميركي – البريطاني  القيام بعملية برية ضد أنصار الله، لكنه اشترط دعماً عسكرياً ومالياً منهما”، وذلك في أعقاب لقاء جمعه بالسفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاجن، مؤخراً في الرياض.

وأشار أيضاً إلى أنّ هناك مخططاً أميركياً – بريطانياً لـ “تنفيذ إنزال بري في جزيرة كمران ومحاولة احتلالها، بحيث إنّها جبهة إسناد قريبة من الحديدة في حال قرّر الأميركي والبريطاني تنفيذ عملية عسكرية في الحديدة”، لكنّه أكّد أنّه إذا تطورت الأمور إلى هذا الحدّ، فإنّ “الأوضاع ستصل إلى أعلى مستويات التصعيد، بحيث إنّ تداعيات ذلك لن تقف على مستوى المنطقة”.

وشدّد شمسان على أنّ “صنعاء لديها، في المقابل، الكثير من أوراق الضغط في حال حوصر ميناء الحديدة، فهي الآن قادرة على فرض حصار مضاد على الأميركي والبريطاني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، على اعتبار أنّ معظم صادرات الطاقة المتوجهة إلى الأميركي والبريطاني تمر عبر هذا المضيق”.

وبالتالي، “ستُقابل صنعاء الضغط الاقتصادي بالضغط الاقتصادي والتصعيد بالتصعيد، إذ إنّ الأهداف المتعلقة بالأميركي والبريطاني في المنطقة لن تكون بمنأى عن الصواريخ اليمنية”، بحسب العقيد اليمني.

كما أوضح شمسان للميادين نت أنّ “الأميركي يحاول تحريك الجبهات البرية على اعتبار أنّها ستكون جبهات مساندة له أو تشكّل نوعاً من الضغط، مع فشله في كسر القرار اليمني ووصوله إلى طريق مسدود”، مؤكّداً في هذا الخصوص، أنّ “ما فشل العدو في تحقيقه سابقاً طيلة 9 سنوات لن يحقّقه اليوم”.

وشدّد على أنّ “أي مواجهة لا يمكن أن توقف القرار اليمني الداعم للقضية الفلسطينية، ولا العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية والبريطانية والأميركية”، مبيّناً أنّ “إمكانات صنعاء وقدراتها تطورت إلى المستوى الذي باتت فيه قادرة على فرض معادلة مختلفة على العدو، فالقوات المسلحة حاضرة لكل الخيارات وستكون بالمرصاد”.

جزيرة كمران هي ثالث الجزر اليمنية من حيث الأهمية الاستراتيجية إذ تقع على بعد 200 ميل شمالي جزيرة ميون ومضيق باب المندب و15 ميلاً جنوبي اللحية وبضعة أميال شمالي الحديدة وميلاً واحداً عن ميناء الصليف.

المستجدات السياسية 

وبشأن تداعيات تضييق الحصار على اليمن من خلال إعادة الحظر الجوي، والتلويح بقطع المساعدات، أوضح المحلل السياسي،  طالب الحسني، للميادين نت، أنّ “هذه الخطوة الجديدة التي تُحكم الحصار الجوي على اليمن، الذي يُسمح له أصلاً برحلتين أسبوعياً من مطار صنعاء الدولي وفقاً لاتفاق الهدنة في نيسان/أبريل 2022، قد تؤثر في المفاوضات اليمنية – السعودية وتعقّد الوصول إلى تفاهمات، لأنّ هناك اتفاقاً مع التحالف فيما يتعلق بكسر جزئي للحظر الجوي”.

الموقف السعودي من التطورات في اليمن

وعن الموقف السعودي بشأن المستجدات في اليمن، قال الحسني للميادين نت، إنّ “هناك ضغوطاً الآن على السعودية لأنّ لديها رغبة كبيرة في الخروج من الحرب، فهي حاولت تجديد اتفاق الهدنة، وهي ملتزمة به على الرغم من انتهاء مدته، أي من دون تجديده”.

وأشار في هذا السياق، إلى أنّ “الرياض لم تدن العمليات في البحر الأحمر”، عازياً ذلك إلى “تقييمها بأنّ العودة إلى الحرب في اليمن ليست في مصلحتها ومصلحة التحالف، ولن تؤدي إلى نتائج، بل إلى خسائر كبيرة”، فيما تعزّزت لديها فكرة مؤخراً، مفادها أنّ “بريطانيا وأميركا لا تساعدانها كما تريد وتحتاج”.

كما بيّن المحلل اليمني للميادين نت أنّ “ما يعزز موقف السعودية في عدم العودة إلى الحرب هو أنّ اليمن لم يستخدم ورقة البحر الأحمر ضدها وضد الإمارات، مع أنه كان يستطيع ذلك”، لافتاً إلى أنّ هذه الرسالة اليمنية تلقّتها السعودية”.

ولذلك، “نقلت السعودية، قبل أكثر من شهر، تفتيش السفن من موانئ جدة وجيبوتي إلى موانئ عدن، الأمر الذي يُشير ربما، وفق الحسني، إلى أنّ “هناك رغبة في كسر الحصار عن اليمن من ناحية السعودية، ولكن يبقى الموضوع المتعلق بالإمارات والأميركيين والبريطانيين”.

دور إماراتي في إشعال الجبهات

في سياق متصل، تطرّق الحسني إلى الدور الإماراتي في هذه المعركة، مفيداً بأنّ “الإمارات دعمت المجلس الانتقالي في عدن، وأرادت أن يبدأ بعملية تشبيك مع الاحتلال الإسرائيلي عندما بدأت العمليات في البحر الأحمر”.

وبالتالي، فإنّ “الإمارات كانت خلف رغبة الانتقالي ومجموعة طارق صالح في المخا، الموالية لها، والمقرّبة من الأميركيين، بأن يعملوا مع تحالف الازدهار وحماية السفن الإسرائيلية”، بحسب الحسني.

وبيّن المحلل اليمني، للميادين نت، أن الإمارات تهدف بذلك إلى إيهام الاحتلال الإسرائيلي بالتنسيق مع هذه القوى، تحديداً في عدن جنوبي اليمن، وذلك من أجل أن “يكون الاحتلال وسيطاً لدى الأميركي والبريطاني في دعم الانتقالي في مسألة الانفصال”.

تداعيات حظر المساعدات 

وبشأن التهديد بقطع مساعدات المنظمات والهيئات الدولية عن صنعاء، أوضح الحسني أنّ هذه المنظمات هي أصلاً “تُقلّص حجم مساعداتها، أي أنّ اليمن لا يعتمد على المنظمات بشكل كبير”.

ولفت، في الإطار، إلى أنّ “هذه المساعدات وصلت إلى مرحلة محصورة جداً في 2020، فمن ذلك الوقت، تقتصر على بعض السلال الغذائية أو المساعدات التربوية أو الطبية في مستشفيات صنعاء”.

لذلك، فإنّ هذه الخطوة، وفق الحسني، “لا يمكن أن تهدّد اليمن، الذي بدأ، في الواقع، يعتمد على الهيئات الداخلية، ومنها هيئة ومؤسسة الذكاء التي تقوم بدور إغاثي سيشمل لاحقاً جميع الأماكن بدلاً من المنظمات والهيئات الدولية، التي تحظى بسُمعة سيئة لدى الشعب اليمني بسبب الفساد”.

باب المندب.. ورقة استراتيجية هامة بيد اليمن 

إذاً، يلجأ الأميركيون والبريطانيون وأدواتهما، الآن إلى تأجيج صراع داخلي يمني لإشغال قوات صنعاء عن المعركة الأساسية، وذلك بعد فشل الاستراتيجية الأميركية – البريطانية في ردع القوات المسلحة اليمنية عن مواصلة عملياتها في البحرين العربي والأحمر، التي تهدّدها فعلياً وتؤلمها وتؤثّر في صورتها ووجودها في المنطقة.

فواشنطن ولندن وحلفاؤهما أدركوا عدم فاعلية الخطوات التي اتّخذوها ضد اليمن، بدءاً من إنشاء ما سمّوه “تحالف الازدهار”، بقيادة أميركية وبمشاركة بريطانية أساسية، وأيضاً دول قليلة أخرى، لـحماية السفن الإسرائيلية في البحرين العربي والأحمر، إضافةً إلى إعلان الخارجية الأميركية إعادة “تصنيف حركة “أنصار الله”، على أنّها “حركة إرهابية، مُحدّدةً  شهراً لبدء سريان قرار التصنيف، وصولاً إلى “الضربات” الجوية الأميركية – البريطانية المتكررة على عدة محافظات يمنية، إذ إنّهما لا تزالان، بعد كل ذلك، تتلقيان ضربات موجعة، في عمليات يمنية دقيقة وفعّالة رغم كل الاستنفار الغربي في المنطقة، بالتوازي مع التفاف شعبي داعم لهذه العمليات.

أدركت صنعاء، مع انضمامها لمعركة “طوفان الأقصى”، أن قوى التحالف، والولايات المتحدة وحلفاءها سيستنفرون، وبالتالي، فإنّها حاضرة، للتعامل بشكل جدي مع هذه التهديدات. وما العمليات العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، والعمليات العسكرية في البحرين الأحمر والعربي سوى دليل على أنّ القوات المسلحة اليمنية قادرة على الرد على أي تصعيد وإيلام المعتدين ولديها الإمكانيات العسكرية لفعل ذلك، وهي أيضاً قادرة على فرض معادلاتها في المنطقة، باستخدام ورقة استراتيجية هامة، هي ورقة باب المندب.

 

المصدر : الميادين نت : بتول رحّال

قد يعجبك ايضا