جمعة رجب بين الذاكرة والواقع: مسؤولية الهوية الإيمانية في مواجهة تحديات العصر

ـ جمعة رجب.. يوم دخل فيه اليمنيون الإسلام أفواجًا وصاغوا هويتهم الإيمانية الخالدة

ـ من رسالة النبي إلى استجابة القبائل: كيف استقبل اليمنيون الإسلام طوعًا دون حرب

الحقيقة ـ جميل الحاج

تمثل جمعة رجب واحدةً من أعظم المناسبات الدينية والتاريخية في الذاكرة اليمنية والإسلامية، فهي ليست مجرد ذكرى زمنية، بل محطة فاصلة شكّلت هوية اليمنيين الإيمانية، ورسّخت انتماءهم العميق للإسلام منذ فجر الدعوة المحمدية.

في هذه الجمعة المباركة من شهر رجب، دخل اليمنيون في دين الله أفواجًا، طوعًا وقناعةً، دون حربٍ أو إكراه، على يد الإمام علي بن أبي طالب “كرم الله وجهه”، ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، في حدثٍ استثنائي جسّد عظمة الرسالة الإسلامية وصدق تفاعل أهل اليمن معها.

ومنذ ذلك اليوم، تحوّلت جمعة رجب إلى رمزٍ للإيمان، ووسام شرفٍ يتناقله اليمنيون جيلًا بعد جيل.

بداية الدعوة الإسلامية في اليمن

بدأت ملامح الدعوة الإسلامية تصل إلى اليمن في عهد النبي محمد ﷺ، حين أرسل عددًا من أصحابه الكرام دعاةً ومعلّمين لأحكام الدين، كان في مقدمتهم معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما.

غير أن الدور المفصلي والحاسم تمثّل في بعثة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي اختاره الرسول ﷺ لهذه المهمة العظيمة، لما يحمله من علمٍ وحكمةٍ وخلقٍ رفيع، ولما يمثّله من قربٍ ومنزلةٍ خاصة من رسول الله.

وصل الإمام علي عليه السلام إلى اليمن حاملاً رسالة النبي ﷺ، فخاطب القبائل بالحكمة والموعظة الحسنة، وأقام فيهم العدل، وقدّم نموذجًا عمليًا للإسلام في أخلاقه وسلوكه قبل كلماته، فكانت الاستجابة اليمنية سريعة وعفوية، حيث أعلنت قبائل كبرى، وفي مقدمتها همدان، دخولها في الإسلام أفواجًا، في واحدة من أنصع صفحات التاريخ الإسلامي.

فرحة النبي بإسلام أهل اليمن ودورهم في نصرة الإسلام

عندما بعث الإمام علي عليه السلام برسالته إلى النبي ﷺ يبشّره فيها بإسلام أهل اليمن، سجد الرسول شكرًا لله، وغمره سرورٌ عظيم، وردد مقولته الخالدة: «السلام على همدان، السلام على همدان»، وفي روايات أخرى: «نِعْمَ الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، وأصبرها على الجهد».

لم تكن هذه الكلمات مجرد ثناء، بل شهادة نبوية خالدة بحق اليمنيين، تُوّجت بوسام الشرف الأعظم: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية».

ومنذ اللحظات الأولى للدعوة الإسلامية، كان لليمنيين حضورٌ لافت، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.. فقد برز من أصولٍ يمانية أعلامٌ كبار في صدر الإسلام، مثل عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود، الذين مثّلوا نموذج الإيمان والصبر والجهاد.

كما شكّل الأنصار في المدينة المنورة – الأوس والخزرج – نواة النصرة الكبرى للرسول ﷺ، وهم من أصول يمانية، فكان لهم شرف الإيواء والنصرة وبناء الدولة الإسلامية الأولى.

لاحقًا، تحوّل اليمنيون إلى ركيزة أساسية في بنية الأمة الإسلامية، وبرز دورهم في ميادين الجهاد والعلم والقيادة، ووقفوا إلى جانب الإمام علي عليه السلام في معاركه ضد الناكثين والمارقين، مسجلين مواقف خالدة في صفين وغيرها، حتى خلدهم الإمام علي في شعره ومواقفه.

جمعة رجب.. عيد وهوية

ينفرد اليمنيون بإحياء ذكرى جمعة رجب بوصفها عيدًا دينيًا خاصًا، يضاف إلى عيدي الفطر والأضحى، ففي هذه المناسبة، تتجلى مظاهر الفرح والشكر لله على نعمة الإسلام، من خلال صلة الأرحام، وإقامة الولائم، وتلاوة القرآن، وعقد الندوات والمحاضرات الدينية، وترديد المدائح النبوية.

كما يحرص اليمنيون على توريث هذه الذكرى للأجيال، باعتبارها حجر الأساس لهويتهم الإيمانية.

وقد أكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ في أكثر من خطاب بمناسبة جمعة رجب، أن هذه الذكرى تمثل محطة مركزية في تاريخ اليمن، وبداية حقيقية لتاريخهم الإسلامي، داعيًا إلى استلهام قيمها في ترسيخ الهوية الإيمانية، وتعزيز الوعي، والثبات في مواجهة التحديات.

ولا تقتصر دلالة جمعة رجب على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى الحاضر، حيث تذكّر اليمنيين بمسؤولية الانتماء الإيماني، خاصة في ظل ما تشهده الأمة من تحديات كبرى، وعدوان، وحروب، ومؤامرات تستهدف الهوية والقيم.

فالإيمان – كما يؤكد القرآن الكريم – ليس ادعاءً، بل التزامٌ عملي، وثبات، وجهاد في سبيل الله بالمال والنفس.

وفي هذا السياق، يبرز موقف اليمن المعاصر الداعم لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، باعتباره امتدادًا طبيعيًا لذلك الانتماء الإيماني الأصيل، وترجمة عملية لقول الرسول ﷺ: «من سمع مناديًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس من المسلمين».

الهوية الإيمانية في مواجهة الحرب الناعمة

تأتي أهمية إحياء جمعة رجب اليوم في ظل ما تتعرض له الأمة من حربٍ ناعمة تستهدف العقول والقيم، عبر الإعلام، والثقافة، ومنصات التواصل، ونشر الانحلال، ومسخ الهوية.

وهو ما يستدعي – كما تؤكد القيادة والعلماء – العودة إلى الجذور الإيمانية، وتحويل المناسبات الدينية إلى محطات وعيٍ وبناءٍ وحصانةٍ فكرية وأخلاقية.

ختاما: تبقى جمعة رجب ذكرى عظيمة ومقدسة في وجدان اليمنيين، لأنها تمثل لحظة الدخول الطوعي في الإسلام، وبداية مسيرةٍ حافلة بالإيمان والجهاد والعطاء.

وهي، في جوهرها، دعوة متجددة لتجديد العهد مع الله، والتمسك بالهوية الإيمانية، والاعتزاز بالانتماء الأصيل الذي قال فيه رسول الله ﷺ كلمته الخالدة: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية».

قد يعجبك ايضا