حزب الله بين التكيّف وإعادة التموضع: قيادة حرب الاستنزاف الطويل

منذ انهيار تفاهم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، ثم عودة المواجهة المسلحة في آذار 2026، تصاعدت موجة من التقييمات الغربية والإسرائيلية حول طبيعة حزب الله ومستقبله. وتتمحور هذه التقييمات حول سؤال محوري: هل ما زال الحزب قوة ردع استراتيجية رغم الضربات الهائلة التي تلقاها؟ والجواب الذي تقدمه أغلب هذه التحليلات ليس إعلان الانتهاء، بل رسم صورة لحزب “مُنهك لكن غير منهار”، انتقل من عقيدة الردع الصاروخي إلى منطق الاستنزاف المرن.

ما الذي فعله الكيان، وما الذي لم يستطع إنهاءه؟

لا يختلف المحللون الغربيون والإسرائيليون على أن عمليات 2024 وجّهت ضربات غير مسبوقة للحزب؛ فقد أُغتيل أمينه العام السيد حسن نصر الله وعدد من كبار قادته، دُمِّرت أجزاء واسعة من ترسانته الصاروخية، ونُفِّذت عملية اختراق أمني استثنائية بلغت ذروتها في “عملية البيجرات” التي أصابت مئات العناصر في وقت واحد. وتؤكد تقديرات الكيان الصهيوني أن ما بقي سليمًا من ترسانة الصواريخ لا يتجاوز عشرة بالمئة مما كانت عليه قبل الحرب.

غير أن هذه الإنجازات الكبيرة لم تُفضِ إلى حسم استراتيجي نهائي. فقد استغل الحزب فترة الهدنة الممتدة نحو خمسة عشر شهرًا لإعادة بناء نفسه على نموذج مختلف تمامًا، تخلى فيه عن الاتصالات الإلكترونية التي أثبتت هشاشتها أمام الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي، وعاد إلى الاعتماد على الرسل البشريين، وأعاد تنظيم هيكله إلى خلايا صغيرة لامركزية تعمل باستقلالية أكبر.

التحول نحو حرب المسيّرات

يمثل توظيف المسيّرات أبرز عنوان في التحول الاستراتيجي للحزب. فبدلًا من الاعتماد على الصواريخ الثقيلة التي باتت مكشوفة ومستنزَفة، انتقل الحزب إلى طائرات FPV الانتحارية الرخيصة، التي تُقاد عبر كابلات ألياف بصرية لا يمكن تعطيلها بالتشويش الإلكتروني التقليدي. وتتراوح تكلفة الطائرة الواحدة بين ثلاثمئة وأربعمئة دولار، في حين تكون قادرة على تدمير دبابة ميركافا أو معدات هندسية تبلغ قيمتها الملايين.

وقد نشر الحزب أكثر من خمسة وأربعين فيديو لهجمات من هذا النوع، بما فيها عشرات العمليات بعد هدنة نيسان 2026، مما يكشف أن الحرب لم تتوقف فعليًا حتى في أوقات الهدنة المعلنة. وقد استلهم الحزب هذه التكتيكات من تجربة الحرب الروسية-الأوكرانية، إلى الحد الذي جعل بعض الخبراء الأوكرانيين يؤكدون أن الحزب “يتعلم بسرعة”. وتجدر الإشارة إلى أن انتقال الحزب نحو التصنيع المحلي عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد جاء جزئيًا استجابة لتراجع خطوط الإمداد الإيرانية عبر سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

التحولات في التفكير الإسرائيلي

لا يقل لافتًا التحول الحاصل في منطق الكيان الصهيوني نفسه. فقد بدأت الحرب بهدف معلن هو “نزع سلاح حزب الله بسرعة”، إلا أن القيادة العسكرية الإسرائيلية اعترفت عمليًا بأن تحقيق هذا الهدف بالكامل يستلزم احتلال لبنان كله تقريبًا، وهو ما يتجاوز قدراتها السياسية والعسكرية. وبذلك انتقل الهدف من “إسقاط الحزب” إلى “احتوائه جغرافيًا”، عبر إنشاء شريط أمني بعمق يتراوح بين كيلومترين وعشرة كيلومترات داخل جنوب لبنان.

وقد تحوّلت العمليات الإسرائيلية بالتبعية من استراتيجية الحسم السريع إلى استراتيجية الاستنزاف الطويل، بهدف تدمير قدرات الحزب تدريجيًا لا القضاء عليه دفعة واحدة. وقد رسم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي رؤية طويلة الأمد تقوم على نموذجDDR، أي نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية وإعادة دمج العناصر داخل الدولة اللبنانية، مع اقتراح إنشاء قوة دولية أقوى من اليونيفيل، وضرب البيئة الاقتصادية للحزب، بل والسعي إلى إعادة تشكيل الوعي الثقافي والتعليمي في لبنان.

صراع متعدد المستويات

تتقاطع التقييمات الغربية والإسرائيلية المختلفة على استنتاج مشترك: الحرب الأخيرة لم تُنهِ حزب الله، لكنها غيّرت طبيعته ووظيفته الاستراتيجية. فالحزب خرج من مرحلة “التفوق الردعي” التي تلت حرب 2006، ودخل مرحلة جديدة قوامها البقاء وإدارة الاستنزاف، مع الاحتفاظ بعناصر قوة حقيقية تشمل البنية التنظيمية المرنة، والخبرة القتالية الطويلة، والقاعدة الاجتماعية المتماسكة نسبيًا، واستمرار الدعم الإيراني بأشكال مختلفة.

في المقابل، يبدو أن الكيان الصهيوني نفسه لم يستطع تحويل إنجازاته العسكرية الكبيرة إلى حسم سياسي دائم. وهكذا يتجه الصراع نحو نموذج مفتوح وطويل، لا يستطيع فيه أي طرف فرض معادلة استراتيجية كاملة، بل يسعى كل منهما إلى إدارة التوازنات ومنع الطرف الآخر من تحقيق حسم نهائي. ومستقبل حزب الله، بناء على ذلك، لن يتحدد بقدرته العسكرية وحدها، بل بقدرته على إعادة تعريف دوره داخل لبنان، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة تعيد رسم خريطة المنطقة بأسرها.

الخنادق

قد يعجبك ايضا