عدن تحت الحصار الخدمي.. احتجاجات غاضبة ومخاوف من خصخصة الكهرباء وبيع القطاع للنفوذ السعودي
الحقيقة ـ جميل الحاج
تشهد مدينة عدن تصعيداً شعبياً غير مسبوق مع تفاقم الانهيار الكارثي في قطاع الكهرباء والخدمات الأساسية، في مشهد يعكس حجم الغضب الشعبي من واقع معيشي بات يُنظر إليه كحالة “إبادة جماعية بطيئة” تُمارس بحق المواطنين عبر الظلام والعطش والحرمان.
ومع تجاوز ساعات انقطاع الكهرباء حدوداً قياسية، وخروج الشارع العدني إلى الاحتجاج وقطع الطرقات الرئيسية، تتصاعد المخاوف من توجهات جديدة لخصخصة قطاع الكهرباء في المحافظات الجنوبية والشرقية، وسط اتهامات بأن هذه الخطوات ليست حلولاً للأزمة بقدر ما هي تمهيد لتحويل خدمة أساسية إلى سلعة تجارية مرهقة للمواطن، بما يضاعف الأعباء الاقتصادية ويفتح الباب أمام مزيد من الهيمنة على أحد أهم القطاعات الحيوية.
في ظل صيف خانق وانقطاع شبه كامل للخدمات، انفجر الشارع العدني مساء الثلاثاء بموجة احتجاجات واسعة، حيث خرج المواطنون في مديريات عدة للتعبير عن غضبهم من الانهيار المعيشي الحاد، وعلى رأسه أزمة الكهرباء التي تحولت إلى عنوان يومي لمعاناة السكان.
وشهدت مديرية المنصورة واحدة من أبرز صور الغضب الشعبي بعد قيام محتجين بقطع شارع التسعين، أحد أهم الشرايين المرورية في المدينة، باستخدام الإطارات المشتعلة والحجارة، ما تسبب في شلل واسع بحركة السير. وردد المحتجون شعارات غاضبة تندد بما وصفوه بتجاهل الحكومة والمجلس الرئاسي لمعاناة السكان، محملين السلطات مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع الكارثي.
أزمة الكهرباء في عدن لم تعد مجرد انقطاع مؤقت للتيار، بل تحولت إلى تهديد مباشر للحياة اليومية. فقد وصلت ساعات الانقطاع إلى أكثر من 16 ساعة يومياً، ما أدى إلى تعطيل المستشفيات والمراكز الصحية، وتوقف كثير من الخدمات المرتبطة بالمياه والتبريد، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة بشكل كبير.
هذا الواقع وضع آلاف الأسر أمام ظروف قاسية، خصوصاً الأطفال وكبار السن والمرضى، وسط مخاوف متزايدة من كارثة صحية وإنسانية نتيجة العجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ويؤكد كثير من المواطنين أن ما يحدث تجاوز حدود الفشل الإداري، ليصبح صورة من صور الإهمال المنهج الذي يدفع المجتمع نحو الانفجار.
يتهم ناشطون ومراقبون القوى المحتلة والمسيطرة على حكومة عدن بالفشل في إدارة الملف الخدمي، معتبرين أن ما يجري ليس أزمة عابرة، بل نتيجة تراكمات من الفساد وسوء الإدارة والصراعات السياسية على الموارد والنفوذ.
ويرى هؤلاء أن الكهرباء تحولت إلى ورقة ضغط ومعاناة يومية تُستخدم في إطار صراع المصالح، بينما يبقى المواطن الطرف الأكثر تضرراً.
وفي هذا السياق، تتزايد الأصوات التي تتحدث عن “سياسة تجويع وإنهاك” تستنزف السكان عبر انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتردي الخدمات، في وقت تستمر فيه عائدات النفط والموارد بعيداً عن تحسين الواقع المعيشي.
مع اتساع رقعة الغضب الشعبي، بدأت دعوات متزايدة لتوسيع الاحتجاجات لتشمل مختلف مديريات عدن ومحافظات الجنوب، في ظل شعور متنامٍ بأن الأزمة لم تعد تحتمل مزيداً من الصمت.
ويرى مراقبون أن استمرار الانهيار دون حلول جذرية قد يدفع نحو انفجار اجتماعي واسع، خصوصاً مع تزايد الفجوة بين الإيرادات الضخمة التي يتم الحديث عنها وبين الواقع الخدمي المنهار، ما يعزز قناعة شعبية بأن هناك نهباً منظماً للموارد مقابل ترك المواطن يواجه مصيره في الظلام.
في موازاة الاحتجاجات، برزت تحركات رسمية تقودها السعودية باتجاه خصخصة قطاع الكهرباء في المحافظات الجنوبية والشرقية، عبر اجتماعات موسعة ضمت مسؤولين ما يسمي بـ (البرنامج السعودي لإعمار اليمن ) وحكومة المرتزقة بعدن وممثلين عن القطاع الخاص.
وتُقدَّم هذه الخطوة باعتبارها مساراً لإصلاح القطاع، إلا أن كثيراً من المراقبين يعتبرونها تمهيداً لعودة نموذج “الطاقة المشتراة” الذي استنزف موارد هائلة دون بناء منظومة مستقرة، مع ما قد يرافق ذلك من رفع كبير لتعرفة الاستهلاك وتحويل الكهرباء من خدمة عامة إلى مشروع ربحي.
تتزامن خطط الخصخصة مع تصاعد أزمة الكهرباء بشكل غير مسبوق في عدن وحضرموت وشبوة ولحج، ما دفع كثيرين إلى الربط بين الانهيار الحالي وبين محاولات تهيئة الرأي العام لتقبل الخصخصة باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.
وبحسب هذه الرؤية، فإن تعميق الأزمة الحالية قد يكون جزءاً من مسار سياسي واقتصادي يهدف إلى دفع المواطنين نحو القبول بأي بديل، حتى وإن كان ذلك يعني مضاعفة الأعباء المالية عليهم مستقبلاً.
تذهب تقديرات اقتصادية إلى أن القضية لا تتعلق فقط بإصلاح مؤقت للكهرباء، بل بمشروع أوسع لإعادة تشكيل قطاع الطاقة في المحافظات الواقعة تحت النفوذ السعودي، بما يشمل ربط بعض المناطق بالمنظومة الكهربائية السعودية مباشرة.
ويرى منتقدون أن هذا التوجه قد يحول قطاعاً سيادياً إلى مساحة نفوذ اقتصادي طويل الأمد، ويجعل المحافظات الجنوبية والشرقية أكثر ارتباطاً ببنية خارجية تتحكم بالخدمة والأسعار، بدلاً من بناء بنية وطنية مستقلة.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى المواطن في عدن وبقية المحافظات الجنوبية المحتلة أمام معادلة قاسية: إما استمرار الانهيار الحالي بكل تبعاته الإنسانية، أو الانتقال إلى نموذج خصخصة قد يفرض رسوماً مرتفعة وخدمات مرتبطة بمنطق الربح التجاري.
وبين الخيارين، تتصاعد المخاوف من أن تتحول الكهرباء، التي تمثل شريان الحياة الأساسي، إلى أداة إضافية لاستنزاف المجتمع، في وقت يعيش فيه اليمنيون واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية والمعيشية في تاريخهم الحديث.
خاتماً: ما يجري في عدن اليوم يتجاوز أزمة كهرباء تقليدية، ليعكس صراعاً أعمق حول الخدمات والسيادة والموارد ومستقبل البنية الاقتصادية في المحافظات الجنوبية.
فالاحتجاجات الشعبية ليست مجرد رد فعل على انقطاع التيار، بل تعبير عن رفض واسع لواقع معيشي خانق وللسياسات التي يرى كثيرون أنها تدفع نحو مزيد من الإفقار والتبعية.
وبين غضب الشارع ومشاريع الخصخصة، تقف عدن المحتلة عند مفترق حساس قد يحدد شكل المرحلة القادمة، إما باتجاه حلول حقيقية تنقذ المواطنين، أو نحو مزيد من الاحتقان والانفجار الشعبي.