على هامش إسقاط “الأباتشي”: مفاجآت صنعاء تحشر الرياض في عنق الزجاجة

 

أعلنت صنعاء في  29 نوفمبر المنصرم على لسان متحدث القوات المسلحة العميد يحيى سريع عن إسقاط طائرة أباتشي سعودية بصاروخ جديد أرض جو قبالة عسير ومصرع طاقمها، ومع أن صنعاء سبق ان اسقطت عدداً من طائرات الأباتشي منذ بدء العدوان إلاّ أن جديد هذه المرة يكمن في اشارات صنعاء عن امتلاكها تقنية صاروخية جديدة يستطيع المتأمل لمشاهد النيران وهي تلتهم الأباتشي بعد ثوانٍ معدودة من اصابتها الجزم بكفاءة وفاعلية هذه الصواريخ التي منحت صنعاء ثقةً كبيرةً للتأكيد على أن الاجواء اليمنية لم تعد مكاناً للنزهة.

في اليوم التالي لاحتراق الأباتشي وسقوطها غير المسبوق وهي المعروفة باسم الدبابة الطائرة ارادت الرياض اختبار مصداقية ما اعلنته صنعاء فاطلقت طائرة استطلاعية مقاتلة بدون طيار من طراز ( Wing Loong ) لتحلق في الاجواء  اليمنية قبالة جيزان التي ظنت الرياض أنها ما تزال آمنة، فكانت المفاجأة بإسقاط هذه الطائرة ايضا التي تعد من أحدث ما انتجته الصناعات العسكرية الصينية، وبالأمس اعلنت صنعاء عن اسقاط طائرتين بدون طيار في جبهة الحدود لتبلغ الحصيلة 4 طائرات في أقل من اسبوع مضاعفة بذلك مخاوف الرياض من عواقب هذا التطور الذي لم يكن بالحسبان لا من حيث الفاعلية ولا من حيت التوقيت.

يأتي هذا الانجاز العسكري بعد معاناة مريرة كبّدت صنعاء خسائر كبيرة بسبب ضعف دفاعاتها الجوية وها هي اليوم تقترب من ردم هذه الفجوة ليبقى السؤال الأهم: عن دلالات هذا التطور العسكري الذي وصلت اليه صنعاء وتأثيراته على ميزان القوة العسكرية؟

 يمكن القول أن صواريخ أرض – جو الجديدة أثبتت فاعليتها في اصطياد الأباتشي والطائرات بدون طيار محدثة بهذا الانجاز تغيراً محورياً في ميزان القوة العسكرية لصالح صنعاء التي تحولت نقطة ضعفها الأبرز الى مصدر قوة جديد يضاف الى نقاط توفقها العسكري المتمثل في  منظومة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تجاوزت تهديداتها الرياض وأبو ظبي وصولاً الى تهديد عمق الكيان الاسرائيلي المحتل.

أما الرياض فقد وجدت نفسها كما يبدو مجبرة على الاقتناع بقدرة صنعاء على تأمين الأجواء اليمنية واخراج الأباتشي والطائرات بدون طيار عن المشاركة الفاعلة في مسرح العمليات العسكرية على امتداد  الحدود السعودية التي تخسر اليوم سلاحاً فعالاً كان له الدور الأبرز في اعاقة التوغل داخل العمق السعودي، وهذا يعني أن صنعاء باتت أكثر قدرة من أي وقت مضي على التهام مساحات واسعة من الجغرافيا السعودية قد تفوق بكثير نتائج العملية النوعية ” نصر من الله ” ولذا على الرياض أن تعي جيدا أن تجاهل هذا التطور سيضع صنعاء على عتبة موسم حصاد عسكري وسياسي سيكون الأكبر منذ بدء الحرب العدوانية على اليمن.

على الجهة المقابلة من ميزان القوة العسكرية يبدو أن الرياض تخسر أبرز مصادر تفوقها العسكري إن لم يكن الوحيد المتمثل في سلاح الجو بتشكيلاته الثلاث: طائرات الأباتشي والطائرات بدون طيار وطائرات F15 + F16 وهنا يمكن القول ان الرياض فقدت أكثر من 70% من فاعلية سلاح الجو الذي كان له الدور الرئيسي في استعادة السيطرة على المحافظات الجنوبية واجزاء واسعة من جبهة الساحل الغربي الأمر الذي يعرض هذا الانجاز للتآكل، وبالنظر الى التطور المتنامي لقدرات صنعاء العسكرية التي اجتازت مرحلة لم يعد بوسع أحد ايقافها يبدو أن صنعاء تقترب أكثر من الحصول على منظومة صاروخية جديدة لتحييد طائرات F15 + F16، واذا ما تحقق هذا التطور المنتظر فإن ميزان القوة العسكرية سيشهد تحولاً جذرياً يجعل من صنعاء قوة عسكرية وازنة على مستوى المنطقة سيكون بمقدورها السيطرة على مساحة توازي مساحة الجزيرة العربية بالكامل وليس مجرد استعادة السيطرة على كامل التراب الوطني.

هكذا تقود انجازات صنعاء العسكرية الى حشر الرياض في عنق الزجاجة ووضعها أمام خيارين مريرين لا ثالث لهما:

الأول: أن تلتقط الرياض فرصة الخروج من اليمن بما تبقى من ماء الوجه وتقبل بوقف الحرب بشروط صنعاء وهو ما تظهر له بعض المؤشرات التي يمكن تلمسها في تفاؤل الاطراف الاقليمية والدولية التي ترعى المفاوضات غير المعلنة بين الرياض وصنعاء وبنبرة الثقة في تصريحات محمد عبدالسلام رئيس الوفد الوطني الأربعاء الفائت عن جولة مشاورات سياسية شاملة بعد وقف الحرب وفك الحصار.

الثاني: أن تنجر الرياض بفعل مزاج المقامرة الى التصعيد وهو ما قد يؤول الى فقدان خاصرتها الجنوبية على ما في ذلك من خسارة فادحة قد يصعب عليها وقف تداعياتها الكارثية، وستجد نفسها في الأخير مجبرة على الخروج من اليمن لكن هذه المرة بلا ملامح وبشروط اعلا بكثير من شروط صنعاء الراهنة.

هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لخاصرة الرياض الجنوبية التي تنظر اليها صنعاء باعتبارها مفتاح الحل الشامل لكل مترتبات الحرب بدءاً بالتحرير الكامل للقرار اليمني من قبضة الوصاية مروراً بضمان اعمار ما دمرته الحرب وانتهاءً بالحفاظ على كامل التراب الوطني وتطهيره من أي وجود أجنبي، فاستعادة الرياض لخاصرتها الجنوبية سيصبح مرهوناً بضمان صنعاء لسلامة ووحدة جغرافيا الجمهورية اليمنية ولا أتصور أن الرياض قد تخوض هذه المجازفة باهظة الكلفة وعالية الخطورة عليها وعلى حلفائها الدوليين الذين باتت مصالحهم الاقتصادية في المنطقة ضمن بنك الاهداف الذي تدّخره صنعاء للمرحلة الاخيرة من التصعيد الذي سيكون حاسماً للصراع القائم ولما قد يحمله المستقبل من صراعات على مستوى المنطقة.

قد يعجبك ايضا