قراءة صحفية في خطاب السيد عبد الملك الحوثي بمناسبة ذكرى عاشوراء ١٤٤٨ هجري

صوتٌ يستلهم كربلاء ليُشخّص الحاضر ويرسم طريق المواجهة

في الذكرى السنوية لاستشهاد سبط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، الإمام الحسين بن علي عليهما السلام،  أطل قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي،  على الأمة بخطابٍ جامع، يستحضر فيه كربلاء في ثوبها الأصيل، ويُقرأ من خلالها مشهد الأمة اليوم، بكل ما فيه من إشراقات الصمود وتحديات الطغيان.

لم يكن خطاباً عاشورائياً تقليدياً يقف عند حدود الرثاء وإحياء الذكرى، بل كان وثيقةً جهادية وفكريةً عميقة، تُؤصّل للموقف، وتُرسخ المنهج، وتُترجم قيم كربلاء إلى برنامج عملٍ واضح المعالم في مواجهة طغيان هذا العصر.

كربلاء كما شرحها السيد.. الجريمة في سياقها الحقيقي

انطلق السيد عبد الملك من الأساس الذي يجب أن تُقرأ منه واقعة كربلاء، وهو أن الفاجعة لم تكن مجرد اغتيالٍ سياسي، بل كانت جريمةً في حق الإسلام كلّه، ارتكبتها “زمرة النفاق والشر المنقلبة على الإسلام بقيادة طغاة بني أمية”.

وبيّن السيد أن تلك الزمرة الشيطانية حين تمكّنت من السيطرة على مقاليد الأمة، سخّرت كل إمكانات دولة الإسلام لخدمة ثلاثة أهداف شيطانية: تحريف مفاهيم الإسلام، وإفساد المجتمع المسلم واستعباده، والاستئثار بثروات الأمة الإسلامية لصالح تلك الزمرة في ترفها وعبثها ومفاسدها.

وأشار بجلاءٍ إلى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله كان قد حذّر الأمة مسبقاً من هذا المآل، مُنبّهاً إلى أن تمكين بني أمية سيؤدي إلى اتخاذهم “دين الله دغلاً، وعباده خَوَلاً، وماله دُوَلاً”، وهو ما تحقق فعلاً حين أوصلت الانحرافات المتراكمة الطاغية اللعين يزيد بن معاوية إلى سدة الحكم.

يزيد.. في حكم التاريخ ومنطق السيد

رسم السيد عبد الملك صورةً لا تُبقي لبساً في شأن المجرم يزيد لعنه الله، وهي صورة يدعمها التاريخ بشواهد لا تُنكَر. فيزيد كان يُجاهر باستهتاره بالإسلام، وبحقده على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وبإنكاره للوحي والرسالة، فضلاً عن فسقه وفجوره المُعلن، ورؤيته في المسلمين عبيداً يستبيحهم في الدم والعرض والمال.

ولذا كان الإمام الحسين عليه السلام محقاً تمام الحق حين قال تلك الجملة التي رددها في مواجهة من يحاول اقناعه بمبايعة يزيد: “على الإسلام السلام إذ قد بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد”.

وقد استحضر السيد عبد الملك الموقف التاريخي الشامخ للإمام الحسين عليه السلام حين طُولب بالبيعة، فردّ ردَّ من يعرف حجم ما يحمل وثقل ما يمثّل: “إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلَف الملائكة، ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيدُ رجلٌ فاسق شارب للخمر، قاتل النفس المحرمة، معلنٌ بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله”.

في خِضَمّ المواجهة.. وصفٌ دقيق لجوهر الأزمة

أولى ما يستوقف القارئ في خطاب السيد قائد الثورة، هو قدرته الاستثنائية على نقل وصف الإمام الحسين عليه السلام للواقع الذي عايشه، وتحويله إلى مرآةٍ يرى فيها المسلم اليوم وضعه بوضوح.

فحين قال الإمام الحسين وهو يخاطب أصحابه الثابتين أمام جيش الأعداء: “ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا شقاءا وبرماً “، فإن السيد عبد الملك رأى في هذه الكلمات ليس نصاً تاريخياً بل تشخيصاً حياً لكل زمانٍ تجرّأ فيه الطغاة على استباحة حق الأمة.

وهنا يتجلى عمق الفهم الذي يحمله قائد الثورة لمدرسة كربلاء: فهي ليست محطة بكاء، بل منهج حياة وقيادة وصمود.

هيهات منّا الذلة“.. شعار الأحرار في كل زمان

لم يمر السيد عبد الملك على جملة الإمام الحسين الخالدة “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون” مروراً عابراً، بل جعلها عنوان الموقف اليمني كله، وأصّل من خلالها لحقيقةٍ راسخة: أن هذه الجملة ليست كلاماً لحظياً قيل على أرض كربلاء، بل هي “مبدأٌ راسخٌ للمؤمنين في مواجهة الطغيان في كل عصر”.

وفي هذا التأصيل رسالةٌ واضحة إلى الشعب اليمني وإلى الأمة جمعاء: أن ما تقوم به حركات الجهاد و المقاومة اليوم في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي، ليس مجرد ردّ فعل ظرفي، بل هو استمرارٌ طبيعي لمسيرة الإباء الممتدة من كربلاء، واستلهامٌ حقيقي لقيم الإمام الحسين عليه السلام.

التخاذل آفة الأمة.. دروس كربلاء في قراءة السيد

من أبرز ما أسهب فيه السيد عبد الملك، ظاهرة التخاذل التي كانت مرضاً كربلائياً بامتياز. فقد وفد إلى الإمام الحسين الآلاف من كتب أهل الكوفة وعهودهم ومواثيقهم، ثم تخلّوا عنه حين جاءت ساعة الحق، وانقلبوا من ناصرين مُبايعين إلى متفرجين صامتين، بل إلى محاربين في صفوف الظالمين.

وفي هذه الإشارة التاريخية يرى المتأمل في خطاب السيد عبد الملك رسالةً موجّهة إلى كل من يتردد في الوقوف إلى جانب الحق في هذا الزمان، ذكيراً بأن التاريخ يُخلّد المواقف، ويُسجّل التخاذل كما يُسجّل البطولة، وأن أهل الكوفة الذين تخلّوا عن الحسين باتوا شاهداً أبدياً على وبال المهادنة حين يكون الحق في الميزان.

أمريكا وإسرائيل.. يزيد العصر

انتقل قائد الثورة في حديثه  إلى ربط الدرس الكربلائي بالواقع الراهن، حين رأى في الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على عالمنا المعاصر صورةً مُعاصرة لطغيان بني أمية، لا تختلف في جوهرها وإن اختلفت في أدواتها.

وأكد السيد عبد الملك أن الأهداف الشيطانية لأمريكا وإسرائيل باتت فاضحةً لا تحتاج إلى دليلٍ، بعد أن كشفت الوثائق والشواهد والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني المظلوم وشعوب الأمة، أنهما “شرٌّ مطلق، وخطرٌ على أمتنا الإسلامية، وعلى كافة المجتمعات البشرية”، وزمرةٌ “شيطانيةٌ مفسدةٌ مضلةٌ ظلاميةٌ مجرمةٌ في منتهى الإجرام والشر”.

وانطلاقاً من هذا التشخيص الدقيق، أكد السيد القائد أنه لا نجاة من شر هذا الطغيان المعاصر إلا بالتصدي له والمواجهة الجادة، تماماً كما لم يكن ثمة خيارٌ أمام الإمام الحسين سوى الصمود على أرض كربلاء.

رسائل خاتمة للداخل و الخارج

لم يكتفِ السيد عبد الملك بالتأصيل الفكري والديني، بل انتقل إلى مواقف ميدانية وإقليمية صريحة تُترجم القيم إلى مواقف:

فلسطين أولاً وأخيراً: أكد قائد الثورة التمسك الكامل بالقضية الفلسطينية بكل أبعادها، شعباً وأرضاً ومقدسات، بوصفها القضية المركزية للأمة الإسلامية التي لا تقبل المساومة.

التضامن مع إيران الإسلامية: أعلن السيد مباركته للجمهورية الإسلامية في إيران على انتصارها، معتبراً إياه “نصراً من الله على أعداء الأمة الإسلامية”، ومؤكداً التنسيق المستمر مع محور الجهاد والمقاومة، مع التأكيد على الاستعداد الكامل للتحرك في أي جولةٍ جديدة من جولات المواجهة وفي مقدمتها غزة.

التحذير من الخطر الإسرائيلي في الصومال: كشف السيد قائد الثورة اهتماماً بالغاً بما يجري في الصومال، حيث يسعى العدو الإسرائيلي إلى التمركز هناك بهدف السيطرة على خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر. وأعلن صراحةً وبلا مواربة أن الثورة اليمنية “لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تمركزٍ إسرائيلي في أرض الصومال”، وستبادر باستهدافه بكل الوسائل المتاحة، داعياً الأمة الإسلامية وحكوماتها إلى إصلاح الوضع الصومالي وإسناد الشعب الصومالي الشقيق.

القضية اليمنية.. حقٌّ لا تنازل عنه: أكد السيد عبد الملك رفض الشعب اليمني المطلق لاستمرار العدوان والاحتلال والحصار، مُثنياً على التحرك الشعبي الواسع والوقفات القبلية الكبيرة المؤكدة على الثوابت، ومُطالباً بتراص الصفوف والحفاظ على متانة الجبهة الداخلية وروح النفير العام.

خاتمة.. كربلاء لم تنتهِ

الرسالة الكبرى التي حملها خطاب السيد عبد الملك الحوثي بمناسبة ذكرى عاشوراء هي أن كربلاء ليست ذكرى تُحيا مرةً في العام ثم تُطوى، بل هي منهجٌ حيٌّ متجدد، وأن الإمام الحسين عليه السلام حين قال “هيهات منا الذلة” لم يُعبّر عن موقف شخصي في لحظة استثنائية، بل أرسى قاعدةً جهادية لكل جيلٍ يحمل رايات الإسلام ويواجه طغيان عصره.

واليمن اليوم، بثبات شعبه وصمود ثورته ووضوح موقف قيادتها، يجسّد هذا المعنى العميق. فمن كربلاء إلى صنعاء، ومن يزيد إلى واشنطن وتل أبيب، الخيط الرابط واحد: الحق في مواجهة الباطل، والإيمان في مواجهة الطغيان، والكرامة في مواجهة الذل.

لقد أعاد خطاب السيد القائد صياغة التاريخ حاضراً، ويُعيد صياغة الحاضر تاريخاً، في دائرة خطابية مُحكمة تجد فيها كربلاء في غزة، ويزيد في واشنطن، والحسين في كل من أبى الذلة وإن كان وحيداً.

قد يعجبك ايضا