كربلاء لم تنتهِ.. الإمام الحسين (عليه السلام) يقرأ خارطة عصرنا
صادق البهكلي
ثمة فارق جوهري بين أمة تحفظ تاريخها وأمة تفقهه، الأولى تخزّن الأحداث في ذاكرتها كما تُخزَّن التحف خلف زجاج المتاحف، تُشار إليها بإعجاب وتُترك في مكانها، والثانية تقرأ التاريخ قراءةً حية، تستخرج منه قوانين الفعل، وتستنبط منه وصفات الصمود، وتستضيء به في أشد اللحظات ظلاماً.
في عالمنا اليوم، حيث تُرتكب مجازر الإبادة على رؤوس الأشهاد وأمام كاميرات البث المباشر، وحيث تتواطأ المنظومة الدولية مع الجلاد بصمتها أو بتمويلها، وحيث يتحول “القانون الدولي” إلى نكتة سمجة يضحك منها الضعفاء بمرارة، في هذا العالم بالذات يصبح السؤال عن الحسين سؤالاً وجودياً لا طقسياً، يصبح السؤال: ماذا قال هذا الرجل حين وقف وحيداً في مواجهة أكبر إمبراطورية في عصره؟ وما الذي يمكن أن يقوله لأبناء غزة الذين يُولدون ويموتون تحت القصف؟ وللشباب العربي الذي يرى حكوماته تُطبّع مع من يقتل أبناء جلدته؟ وللأمهات اللواتي يُدفنّ أطفالهن بأيديهن؟
هذا التقرير ليس في النسب والأحساب، وليس في الطقوس والشعائر، وليس في الجدل الفقهي والمذهبي. هذا التقرير يقرأ كربلاء كمشروع فكري وحضاري لم تطوِه أربعة عشر قرناً، بل جعلته قابلاً للتشغيل في كل عصر يعاد فيه إنتاج معادلة الطغيان بوجوه جديدة وأدوات أكثر تطوراً.
أولاً: النبض الذي لم يتوقف — كربلاء بوصفها فلسفة مقاومة لا حدثاً منتهياً
الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كثيرون — من محبين ومن مبغضين على حدٍّ سواء — هو توقيت كربلاء في لحظة زمنية بعينها وتركها هناك. المحبون حوّلوها أحياناً إلى مأتم سنوي يُقام ثم يُطوى، والمبغضون صنّفوها حدثاً سياسياً انتهى بسقوط ثائر مغامر، كلا القراءتين تُفوّتان الجوهر.
كربلاء بنيةٌ فكرية متكاملة لا حادثة، إنها تطرح مشروعاً فلسفياً من أعمق ما عرفته الحضارة الإسلامية في سؤاله الجذري: كيف يتعامل الإنسان المبدئي مع السلطة الفاسدة حين تطلب منه التواطؤ؟ وهذا سؤال لا يخص القرن الأول الهجري وحده، بل يطرق أبواب كل جيل يعيش تحت ظل استبداد أو احتلال أو هيمنة.
حين يرفض الإمام الحسين (عليه السلام ) البيعة ليزيد، فهو لا يرفض شخصاً بعينه فحسب. هو يرفض مبدأ الإذعان للأمر الواقع حين يكون هذا الأمر باطلاً، يرفض الفلسفة التي تقول: “نعم، هو ظالم، لكن نحن لا نستطيع، ليس بمقدورنا أن نعمل شيء”، يرفض المنطق الانتهازي الذي حكم كثيرين من أهل الرأي والعلم في زمانه وفي كل زمان، والذي يُلبّس الجبنَ لبوس الحكمة، والرضا بالهوان ثوبَ الواقعية السياسية.
والأعمق من ذلك أن الإمام الحسين (عليه السلام ) يطرح أن الصمت عن الباطل هو نوع من الشراكة فيه، لم يقل: “أنا لن أؤيد يزيد، لكنني لن أعارضه أيضاً، سأبقى في بيتي وأترك الأمور تسير.” هذا هو الموقف الذي ترفضه كربلاء في جوهرها رفضاً قاطعاً، وهو تحديداً ما يجعل كربلاء حرجاً أمام كثير من حكوماتنا التي تتشدق بالإسلام وتُطبّع مع الجلاد، وأمام كثير من مثقفينا الذين يجيدون تبرير الصمت بحجج شتى.
في عصرنا الذي شهدنا فيه أكثر من ثلاثة وسبعين ألف شهيد في غزة وحدها خلال أقل من ثلاث سنوات، وهو ما وثّقته مصادر دولية متعددة ووصفته أكبر رابطة دولية لعلماء الإبادة الجماعية بأنه يستوفي التعريف القانوني للإبادة الجماعية — في هذا العصر تحديداً، يصبح موقف الحسين وثيقةً حيةً لا صفحة تاريخ.
ثانياً: الفقيه الثائر — حين يكون العلم سلاحاً لا ترساً للسلاطين
يكشف تأمل شخصية الإمام الحسين (عليه السلام ) عن معادلة غائبة في أزمتنا الراهنة: التلازم الضروري بين العلم والثورة، فالإمام الحسين (عليه السلام ) لم يكن ثائراً حماسياً تحرّك بردّ فعل عاطفي آني، بل كان سليل بيت النبوة و تربى في مدرسة الوحي، عَلَمٌ من أعلام الإسلام وعُظمائه
تحرّك بوعي قرآني منهجي نابع من فهم عميق للدين والواقع معاً.
هذه المعادلة تبدو بديهية حين تُطرح، لكنها غائبة بصورة مأساوية في كثير من تجارب مقاومتنا المعاصرة، نرى ثورات انتهت إلى انتهازية السياسيين لا إلى مشاريع تحرر حقيقية، لأنها كانت ثورات حرارة بلا ضياء، ونرى حركات دينية سلّمت أوراقها لطغاة آخرين لأنها فصلت العلم عن الفعل، وجعلت التديّن موروثاً يُحمل لا منهجاً يطبق.
القيادة الفقيهة الثائرة نموذج قدمه الإمام الحسين (عليه السلام ) على الأجيال، هي تعني أن يكون القائد عارفاً بمقتضيات اللحظة، مدركاً للفوارق بين مواقف تبدو متشابهة من الخارج وهي متباينة جذرياً من الداخل، قادراً على تمييز الضرورة الشرعية للثورة من اللحظة الملائمة لها، الإمام الحسين (عليه السلام ) مكث سنوات طويلة لم يتحرك لا جبناً، بل لأن الظروف لم تكن مهيّأة، وحين تحرّك تحرّك لأن الساعة وصلت إلى أن الصمت ذاته صار فعلاً إجرامياً.
وفي هذا درس للحركات التي تتسرع فتُحرق أوراقها قبل أوانها، وللحركات التي تتأخر فيُؤكل عليها الدهر، المعادلة الحسينية تقول: الواقع يُحدد التوقيت، والإرادة تُنفّذه، وكلاهما لازم للآخر.
لكن الأخطر في عصرنا هو تلك الفئة من العلماء التي أصبحت تُشرعن الطغاة بدل أن تواجههم، علماء يُفتون بأن الخروج على الحاكم مفسدة مطلقة وإن أفسد واستباح، ويُجيّشون النصوص الدينية لتبرير التطبيع والمهادنة، هذه الفئة هي بالضبط النقيض الكامل لما يمثله الإمام الحسين (عليه السلام ) ، وهي فئة أسهمت تاريخياً وحاضراً في تفريخ اليزيديّين وتزويدهم بغطاء الشرعية الدينية.
ثالثاً: شعار “هيهات منا الذلة” في عصر الإبادة الرقمية
في العاشر من محرم من عام 61 هـ، أطلق الإمام الحسين (عليه السلام ) صرخته المدوية في وجه الطغيان اليزيدي والتي لم تستهلكها القرون: “هيهات منا الذلة.” لم يقلها بلغة خطاب الحشود، ولم يرفعها شعاراً انتخابياً، قالها وهو يعرف أنه سيُقتل بعد ساعات. وهذا ما يجعلها تختلف جذرياً عن كل شعارات السياسة التي يرفعها أصحابها وهم يُفاوضون خلف الستار على العكس منها.
في عالمنا اليوم، حيث أصبحت الحرب الإعلامية ميداناً موازياً للحرب العسكرية، بل أحياناً أكثر حسماً منها، تكتسب كربلاء بُعداً جديداً لم يتوقع مؤرخوها القدامى أنه سيصبح بهذه الأهمية. فالإمام الحسين- عليه السلام — بأخذه معه عائلته وأهل بيته وبتوجيهه الأسري لأداء دور الشاهد المعلن — كان يؤسس لنظرية إعلامية حديثة مفادها: الحدث وحده لا يكفي، لا بد من روايةٍ تحمله إلى ما بعد لحظة الحدث.
ومن تلك النماذج الدور الخالد الذي قدمته السيدة زينب بنت علي (رضوان الله عليها) لم تَبكِ حين اقتادها جنود الطاغية أسيرة، وقفت في مجلس ابن زياد وتكلمت، وقفت في مجلس يزيد وتكلمت، لم تسع إلى إثبات القوة العسكرية لأنها لم تكن تملكها، لكنها سعت إلى ما هو أبقى: تفكيك شرعية المنتصر في وعي الناس، وتحويل صورة “الانتصار” إلى “جريمة” في الذاكرة الجماعية. وقد نجحت.
هذا تحديداً ما تحاول منظومة الهيمنة الإعلامية اليوم إفشاله. إنها تعمل بجهد محموم على تعريف من يُقتل ومن يقتل، ومن “إرهابي” ومن “مدافع عن النفس”، ومن تستحق صورته أن تُنشر ومن صورته لا تُرى، معركة الرواية هي معركة وجودية لا تقل عن معركة الميدان والدرس الكربلائي في هذا السياق صارخ: لا تترك الرواية لعدوك، الأسرى الذين ساقهم يزيد من كربلاء إلى الشام كانوا يريدون منهم صمتاً مذلاً، فتحوّلوا إلى رسالة إعلامية قلبت الصورة وزعزعت عرش “الطاغية”.
وبالتالي فإن المقاومة والجهاد في عصر الدعاية وشبكات التواصل العابرة علينا ان نتحلى بالوعي الزينبي لا بالعاطفة المكسورة: كيف نروي الحدث؟ ولمن؟ وكيف نحمي الحقيقة من التحريف؟
رابعاً: حين تعارض جغرافيا السلطة — المفاصلة خياراً حضارياً
أحد أبرز ما ينتجه التفكير العميق في كربلاء هو ما يمكن تسميته “فقه المفاصلة”: حين تصبح الإقامة في دار الظالم نوعاً من التزكية الضمنية له، يصبح الخروج فريضة لا ترفاً.
الإمام الحسين (عليه السلام ) غادر المدينة المنورة، غادر مكة. لم يُقِم في بيئة كانت تطالبه بالتوقيع على ما لا يؤمن به، هذا الخيار — الذي يبدو في الظاهر هزيمة أو نفياً — كان في حقيقته أشد الخيارات إفساداً لمخطط الخصم، لأن بيعة الحسين كانت ستُعطي يزيد شرعية لا يمكن أن يحصل عليها من مصدر آخر.
اليوم، حين ترى حكومات ترتدي عباءة الإسلام وتُقيم علاقات دافئة مع من يقتل المسلمين ويُهجّرهم، حين ترى علماء دين يُزيّنون الصورة بفتاوى التطبيع، حين ترى مؤسسات ثقافية تتحوّل إلى أدوات للتطبيع الناعم مع المحتل — يصبح “فقه المفاصلة” الكربلائي وثيقةً لا يمكن إغفالها.
المفاصلة ليست عزلة انعزالية ولا انسحاباً من الساحة، هي موقف واضح من السلطة غير الشرعية، يُعلنه الإنسان بتحديد انتماءاته وخياراته وولاءاته. أن تقول “أنا لستُ مع هذا”، وتدفع ثمن هذا القول بكل ما تدفعه — هذا هو جوهر كربلاء في كثير من تجلياته.
والنماذج المعاصرة على هذا أكثر من أن تُحصى: الأكاديمي الذي يرفض المشاركة في مؤتمر تموّله جهات مشبوهة، والصحفي الذي يرفض تدجين قلمه، والمثقف الذي يرفض أن يُوظّف صوته في غسيل صورة الطاغي — هؤلاء جميعاً يُنجزون فعلاً كربلائياً وإن لم يسمّوه بهذا الاسم.
خامساً: المرأة الكربلائية سفيرةً لا نائحة
من أكثر الجوانب إهمالاً في القراءات الشائعة لكربلاء، ذلك الدور الذي أدّته المرأة لا بوصفها ضحيةً باكية بل بوصفها فاعلاً سياسياً من الطراز الأول. ما فعلته زينب بنت علي بعد كربلاء هو ما يمكن تسميته اليوم بـ”استراتيجية التحويل”: تحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار أخلاقي وسياسي يُقلب معادلات القوة.
لم تتقاعد زينب خلف مشاعرها، ولم تنهار أمام يزيد حين أراد إهانتها، تكلّمت. اتّهمت، فضحت، وبكلماتها أمام أكبر الطغاة في عصرها حوّلت المشهد من “انتصار يزيد” إلى “جريمة يزيد”. هذا التحويل الخطابي والإعلامي كان بالغ الأثر في مسيرة الثورة على بني أمية التي جاءت بعد ذلك.
اليوم، حيث تملك المرأة من أدوات التأثير ما لم تحلم به أجيال سابقة — من منصات التواصل الاجتماعي إلى الأقلام والأفكار والميادين — يصبح النموذج الزينبي أكثر راهنية من أي وقت مضى، المرأة التي تكتب، التي توثّق، التي تُقاوم، التي تُربّي جيلاً على ثقافة الكرامة لا الاستسلام، تؤدي الدور ذاته الذي أدّته زينب بلغة عصرها، المرأة الكربلائية ليس المطلوب منها الدموع فحسب، بل مطلوب منها أن تصنع التاريخ في لحظة كانت كل الظروف تدفعها للانهيار.
الشابة في غزة، في جنوب لبنان التي تُدير مشفى تحت القصف، والمحامية التي ترافع أمام المحاكم الدولية ملف الإبادة، والمعلمة التي تُدرّس أطفالها في مخيم النازحين — والإعلامية التي تكشف جرائم العدو هؤلاء يُمثّلن امتداداً حياً للفاعلية الزينبية.
سادساً: البصيرة قبل الجهاد ..
يحرص العدو الصهيوأمريكي اليوم على شيء واحد أكثر من حرصهم على الانتصار العسكري: تفريغ المقاومة من وعيها. حرب الوعي هي الحرب الحقيقية، لأن الجيش يمكن تسليحه بالمال والسلاح، لكن لا يمكن تسليح الشعب الذي أُخرج من التاريخ وأُفرغ من المعنى.
ما يُميّز ثورة الإمام الحسين (عليه السلام ) عن غيرها من الحركات التي اندلعت في زمانه وانطفأت هو هذا الوعي التأسيسي، الإمام الحسين (عليه السلام ) خرج وهو يعرف أن الأرقام ليست في صالحه، وأن المعادلة العسكرية تقول بهزيمته، لكنه كان يحمل وعياً أعمق: أن بعض الهزائم تُبذر انتصارات أكبر في التربة التاريخية، وأن الشهادة الواعية يمكنها أن تفعل ما لا تستطيع الانتصارات العسكرية أن تفعله.
هذا الوعي هو ما يحتاجه الشباب المجاهد اليوم أكثر من أي شيء آخر، و هناك الكثير من التجارب الحية على هذا المبدأ هناك السيد عباس الموسوي وفتحي الشقاقي و أحمد ياسين و السيد حسين بدر الدين الحوثي والسيد حسن نصر الله و غيرهم الكثير الذين نبتت من دمائهم اجيال من المجاهدين لأن منظومة الهيمنة تراهن على ثلاثة أشياء: اليأس، والتشتت، والنسيان.
اليأس يُولَّد بإظهار جبروت العدو وضخامته، التشتت يُولَّد بإغراق الناس في معارك ثانوية وخلافات جانبية، والنسيان يُولَّد بقطع الأجيال عن تاريخها وجعل الماضي غيرَ ذي صلة بالحاضر.
كربلاء تضرب هذه الأسلحة الثلاثة بضربة واحدة: تقول لليائس إن المعادلة الظاهرة ليست المعادلة الحقيقية، وتقول للمتشتت إن المعيار الوحيد هو الموقف من الظلم لا من أصحاب الظلم. وتقول لمن يريد نسيانه إن الذاكرة ليست ترفاً بل سلاح.
الثورة الواعية تعني أيضاً إدراك الفرق بين الشجاعة والتهوّر. الإمام الحسين (ع) لم يخرج يطلب الموت بل خرج يقاوم حياةً بلا كرامة، الفارق بين الموقفين عظيم، الأول عدمية، الثاني رسالة، وهذا الفرق هو ما يصنع الفارق بين ثورة تُغيّر التاريخ وثورة تُستهلك فيه.
سابعاً: من كربلاء إلى جنوب لبنان وغزة — ما تقوله الأرقام ولا تستطيع المحافل الدولية قوله
في يونيو 2026، ومع تجاوز سنتين ونصف على بدء الإبادة الجماعية في غزة، ومع تجاوز أعداد الشهداء الـ73 ألف إنسان بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، مع دمار طال ما يزيد على 90% من البنية التحتية المدنية، ومع استمرار الحصار والتجويع كسلاح حرب موثّق — في هذه اللحظة بالذات، يطرح التاريخ سؤالاً صاخباً: ماذا كان الإمام الحسين (عليه السلام ) سيقول؟
الجواب ليس في التكهن بل في استيعاب منطق موقفه. الإمام الحسين (عليه السلام ) لم يسأل عن مآلات ثورته حين واجه جيش ابن زياد، وحين ضاقت الخيارات بين ( السلة والذلة) كان خيار الصمود بكرامة أمام الظلم هو أفضل الخيارات وأجداها والذي يصنع التاريخ.
ما يجري في غزة اليوم هو — بكل موضوعية — أحد أكثر الأحداث توثيقاً في التاريخ الإنساني من حيث الإجرام المنهجي، محكمة العدل الدولية أصدرت أوامرها، ومنظمة العفو الدولية وثّقت إبادة بنسبة 86% من أصواتها، ومع ذلك تتواصل الإبادة.
هذا الواقع يفضح بجلاء ساطع النظام الدولي المبني على ازدواجية المعايير والهيمنة، ويثبت أن منطق “الشرعية الدولية” وحده لم يكن في يوم من الأيام كافياً لحماية الشعوب المستضعفة. وهنا يدخل الدرس الكربلائي من أوسع أبوابه: الاتكال على المستكبرين أنفسهم لحمايتك منهم سذاجة قاتلة. القوة الحقيقية تبنيها الشعوب من الداخل، بوعيها ووحدتها وصمودها وروايتها لتاريخها.
الحسين لم ينتظر من يزيد أن يُصدر حكماً بحقه، واجهه، ودفع الثمن، وكانت هذه المواجهة هي الرسالة بعينها.
و هذا ما حصل بالفعل ايضا في لبنان حيث تجسد المقاومة الإسلامية (حزب الله) أرقى النماذج الحسينية في التاريخ المعاصر بعد مواجهة طويلة أذلت فيها العدو و في غمرة تآمر دولي و خيانات عربية ارتقى من تلاميذ الحسين شهداء من أعلى هرم الحزب في مقدمتهم السيد حسن نصر الله و تقريبا اسف الأول من القادة و لكن المقاومة التي بنيت أساساتها على النموذج الحسيني وأستمدت من ثورة عاشوراء المبدأ و القيمة لم تسقط رغم نشوة العدو التي لم تستمر طويلا فسرعان ما ظهرت طلائع جديدة أشد صلابة وامضى عزما من سابقيهم جعل العدو يشعر بالخيبة و هو يرى جنوده يستاقطون كالذباب تحت ضربات رجال الحسين و يحاول البحث عن مخرج من مأزق سلب منه نشوته وغروره..
ثامناً: خلاصة — كربلاء مدرسة لم تغلق بعد
إن الأمم التي تفهم تاريخها تفهماً حياً هي وحدها القادرة على صياغة مستقبلها، وكربلاء — بعيداً عن الجدل المذهبي الذي استُخدم لكثير من الأغراض السياسية — هي مدرسة لكل من يواجه الظلم ويقاوم الطاغوت.
قرأها الهندي غاندي فرأى فيها درساً في المقاومة السلمية المبدئية، وقرأها ثوار المستضعفين في شتى بقاع الأرض فوجدوا فيها وقوداً لا ينضب، وتقرأها اليوم أجيال تواجه إبادات موثّقة ومحاصرة بمنظومة تواطؤ دولي لا سابقة له في صفاقته وجرأته.
ما يبقى من كربلاء ليس الحزن — وإن كان الحزن على خسارة العظماء حقاً إنسانياً — بل يبقى المنهج، منهج الوعي قبل الخطوة، ومنهج المبدئية حين يُغري الانتهازيون بالمساومة. ومنهج توثيق الرواية في أحلك اللحظات، ومنهج الفاعلية الشاملة التي لا تُقصي أحداً — لا المرأة ولا الشاب ولا الكلمة ولا الصورة — من ميدان المواجهة.
الحسين لم يكتب تقريراً، فعَل موقفا، وفعله صار نصاً لا يُمحى. وأجمل ما في هذا النص أنه ينتهي بسؤال مفتوح موجّه لكل جيل: وأنتَ، ماذا ستفعل حين يخيرك الظالم المستبد التوقيع على سكوتك وخنوعك؟
ستبقى كربلاء تنتظر جواباً، وفي كل عصر يرتفع فيه صوت حر بـ”هيهات منا الذلة” — يُسمع صليل سيف الحسين عليه السلام.