مهلة أخيرة للرياض.. وصنعاء تستعد لفرض معادلة جديدة

صنعاء تنهي زمن الانتظار وتلوّح بخيارات الحسم
التفاهمات أو التصعيد.. رسالة صنعاء تصل الرياض

الحقيقة ـ جميل الحاج

تشهد الساحة اليمنية تطورات لافتة تعكس تصاعد مستوى التوتر السياسي والعسكري في ظل استمرار حالة الجمود التي رافقت مسار التفاهمات بين صنعاء والرياض خلال الفترة الماضية. وفي مؤشر واضح على نفاد صبر صنعاء من استمرار المماطلة والتسويف من قبل السعودية. كشفت مصادر مطلعة عن توجيه رسالة حازمة إلى المملكة العربية السعودية عبر وسطاء إقليميين، تضمنت رفضاً صريحاً لاستمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” التي تخيم على المشهد اليمني منذ أكثر من عامين.

وبحسب المصادر، فإن الرسالة أكدت عدم قبول القيادة اليمنية في صنعاء باستمرار التهرب السعودي من تنفيذ الالتزامات الواردة في خارطة السلام والتفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال جولات التفاوض السابقة، والتي كان من المفترض أن تمهد لمعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية والسياسية العالقة، وفي مقدمتها صرف المرتبات ورفع الحصار القيود المفروضة على اليمن وإنهاء تداعيات العدوان والحصار.

مهلة أخيرة وتحذير من الخيارات البديلة

المعطيات الواردة من أوساط سياسية تشير إلى أن الرسالة لم تقتصر على التعبير عن الاستياء من حالة الجمود، بل تضمنت منح الرياض مهلة أخيرة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مع التأكيد أن استمرار التعثر سيدفع صنعاء إلى اللجوء إلى جميع الخيارات المتاحة لانتزاع حقوق الشعب اليمني.

ويُنظر إلى هذه الرسالة باعتبارها من أكثر الرسائل وضوحاً خلال المرحلة الأخيرة، إذ تعكس تحولاً في الخطاب من مرحلة الانتظار والترقب إلى مرحلة التحذير المباشر، خصوصاً في ظل شعور القيادة اليمنية في صنعاء بأن المفاوضات لم تحقق النتائج المطلوبة، وأن الملفات الأساسية لا تزال تراوح مكانها رغم مرور وقت طويل على التفاهمات المعلنة.

وتؤكد المصادر أن القيادة اليمنية في صنعاء أبلغت الوسطاء بأن خياراتها لم تعد مفتوحة إلى ما لا نهاية، وأنها تمتلك القدرة على فرض معادلات جديدة إذا استمر الوضع القائم، مشيرة إلى أن ما تطالب به اليوم قد لا يمثل سقف مطالبها مستقبلاً في حال استمرار التعطيل، الأمر الذي يحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.

رسائل القوة والجاهزية

بالتوازي مع الرسائل السياسية الموجهة إلى الرياض، برزت مؤشرات ميدانية وعسكرية تؤكد أن صنعاء تسعى إلى إسناد موقفها التفاوضي بإظهار مستوى عالٍ من الجاهزية والاستعداد.

وفي هذا السياق، أعلنت قوات التعبئة العامة الجهوزية الكاملة والفورية لتنفيذ توجيهات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، وإسناد القوات المسلحة اليمنية بالمقاتلين في أي زمان ومكان تحدده القيادة، لمواجهة ما وصفته بقوى العدوان والعمل على انتزاع حقوق الشعب اليمني وإنهاء الحصار وتحرير الأراضي المحتلة.

وأكد بيان قوات التعبئة أن القوة البشرية المدربة والمسلحة بلغت مئات الآلاف من المقاتلين، موزعين على مئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبية، مع استمرار عمليات التدريب والتأهيل والتشكيل العسكري بوتيرة متصاعدة، بما يعكس استعداداً واسعاً لمختلف الاحتمالات والتطورات.

ويعكس هذا الإعلان حرص القيادة اليمنية في صنعاء على توجيه رسالة مزدوجة، الأولى إلى الداخل اليمني لتأكيد جاهزية المؤسسات العسكرية والشعبية، والثانية إلى الأطراف الخارجية بأن خيارات القوة لا تزال حاضرة وقابلة للتفعيل إذا ما فشلت الجهود السياسية في تحقيق الأهداف المعلنة.

دلالات بيان السيد القائد

وتأتي هذه التطورات متزامنة مع ما ورد في بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة حلول العام الهجري 1448هـ، حيث دعا إلى تعزيز التعاون الرسمي والشعبي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه اليمن.

وأكد السيد القائد أن الشعب اليمني لا يزال يواجه سلسلة من التهديدات المرتبطة باستمرار الاحتلال لأجزاء من الأراضي اليمنية، والسيطرة على الثروات الوطنية من النفط والغاز، إضافة إلى الحصار والحرب الاقتصادية والانتهاكات المستمرة للسيادة الوطنية.

كما شدد على أهمية التكاتف الشعبي والرسمي للتصدي للمشاريع والمؤامرات التي تستهدف اليمن، معتبراً أن مواجهة هذه التحديات تتطلب موقفاً وطنياً موحداً وإرادة قوية قادرة على حماية البلاد وصون استقلالها.

ويحمل هذا البيان أبعاداً تتجاوز الجانب التعبوي، إذ يضع الإطار العام للموقف السياسي والعسكري الذي تتبناه القيادة اليمنية في صنعاء خلال المرحلة الحالية، ويؤكد أن الملفات المرتبطة بالسيادة والثروات الوطنية وإنهاء الحصار لا تزال تمثل أولويات أساسية لا يمكن التنازل عنها.

مرحلة جديدة من الضغوط

يرى مراقبون أن الرسائل الأخيرة تعكس دخول اليمن مرحلة جديدة من الضغوط السياسية المتبادلة، خصوصاً في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تحويل التهدئة القائمة إلى اتفاق سلام شامل ومستدام.

فمن جهة، تؤكد القيادة اليمنية في صنعاء أنها أوفت بالتزاماتها المرتبطة بخفض التصعيد ومنحت المسار السياسي فرصاً كافية للوصول إلى نتائج ملموسة، لكنها ترى أن الطرف الآخر لم يقدم ما يكفي من الخطوات العملية لإنجاز الاستحقاقات المتفق عليها.

ومن جهة أخرى، تدرك الرياض أن أي انهيار للتفاهمات القائمة قد يعيد المشهد إلى مرحلة التصعيد المفتوح، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية على المنطقة بأكملها.

ولذلك تبدو المرحلة المقبلة محكومة بسباق بين خيارين؛ إما تحقيق اختراق سياسي يفضي إلى تنفيذ الالتزامات العالقة وفتح الطريق أمام تسوية أوسع، أو استمرار حالة الجمود بما قد يدفع نحو تصعيد عسكري تدريجي يعيد خلط الأوراق من جديد.

بين السلام والردع

خلال السنوات الماضية استطاعت القيادة اليمنية في صنعاء بناء معادلة تجمع بين الانخراط في المسارات السياسية والحفاظ على عناصر القوة العسكرية، وهو ما جعلها تؤكد باستمرار أن خيار السلام لا يعني التخلي عن أدوات الردع أو القبول باستمرار الضغوط والحصار.

وتشير الرسائل الأخيرة إلى أن القيادة اليمنية في صنعاء تسعى لإيصال موقف واضح مفاده أن التهدئة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية دون نتائج عملية، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب معالجة جذور الأزمة والوفاء بالالتزامات المتفق عليها، وليس الاكتفاء بإدارة حالة الجمود القائمة.

وفي المقابل، تؤكد التصريحات العسكرية والتعبوية أن الاستعدادات مستمرة وأن الجاهزية القتالية في تصاعد، بما يمنح القيادة اليمنية خيارات متعددة للتعامل مع أي تطورات مستقبلية.

ختاما: تكشف الرسالة الأخيرة الموجهة إلى الرياض، وما رافقها من إعلان واسع للجاهزية العسكرية والتعبوية، عن مرحلة جديدة في مسار العدوان والحصار على اليمن عنوانها الرئيسي انتهاء فترة الانتظار المفتوح. فصنعاء تؤكد أن حقوق الشعب اليمني واستحقاقات السلام لم تعد قابلة للتأجيل أو التسويف، وأن استمرار المماطلة سيقابل بخيارات أخرى تراها كفيلة بفرض واقع جديد وانتزاع الحقوق المشروعة للشعب اليمني.

وبين رهانات التسوية السياسية واحتمالات التصعيد العسكري، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأحداث، وما إذا كانت ستقود إلى انفراج طال انتظاره أم إلى مرحلة أكثر توتراً في واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيداً وحساسية.

قد يعجبك ايضا