كيف أعاد “المشروع القرآني”  تشكيل الوعي وتأسيس لمسار المواجهة؟

قراءة في كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة الذكرى السنوية للصرخة ١٤٤٧هـ

حينما كانت المنطقة العربية والإسلامية ترزح تحت وطأة “الذهول والارتباك” غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي مرحلة مفصلية ظن فيها الكثيرون أن الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية قد أحكمت قبضتها النهائية على المصير العربي، انبثق من جبال مران باليمن “المشروع القرآني” كحالة استثنائية لكسر حالة الجمود.

هذا المشروع الذي وضع لبناته الأولى شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي(رضوان الله عليه)، لم يكن مجرد صرخة عابرة، بل مشروع قرآني متكامل شخص الواقع وقدم الحل.. وفي كلمته الأخيرة بمناسبة الذكرى السنوية للصرخة 1447هـ، قدم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي (يحفظه الله)  طرحاً متكاملاً يتجاوز حدود المناسبة، ويضع ملامح مشروع قرآني متكامل في مواجهة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية التي تستهدف الأمة في دينها وهويتها ووجودها.

الكلمة، في مضمونها، لم تكن خطاباً احتفالياً، بل قراءة تأسيسية لمسارٍ ممتد، بدأ من رفع الصرخة في وجه المستكبرين بوصفها نقطة انطلاقة المشروع القرآني، كبديل عن حالة التيه والتبعية، وكإطار جامع يعيد للأمة وعيها وبوصلتها وموقفها.

نشأة المشروع.. من لحظة الصرخة إلى بداية التحول

في مستهل كلمته استحضر السيد القائد لحظة إعلان الصرخة في وجه المستكبرين، باعتبارها حدثاً مفصلياً في سياق مواجهة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية، التي دخلت مرحلة متقدمة في بداية الألفية الثالثة تحت عناوين مضللة، مثل “مكافحة الإرهاب” و”تغيير الشرق الأوسط”.

في تلك المرحلة، لم يكن الخطر في حجم الهجمة فقط، بل في طبيعة الاستجابة داخل الواقع العربي والإسلامي، حيث سادت حالة من المسارعة إلى الولاء للأعداء، والتجنّد معهم، في مقابل تخاذل واسع من الشعوب، وغياب التحرك المسؤول في مواجهة ما تتعرض له الأمة من استهداف شامل.

ضمن هذا الواقع، برزت الصرخة بوصفها موقفاً قرآنياً يعيد تعريف العلاقة مع العدو، ويعبّر عن رفض الخضوع والاستسلام، ويؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها الأمة من الجمود إلى الفعل، ومن الصمت إلى التعبير عن الموقف، في إطار من المسؤولية الإيمانية والدينية.

الصرخة، بهذا المعنى، لم تكن مجرد رد فعل، بل بداية انطلاقة عملية لمشروع قرآني متكامل، يقوم على التوعية، والتعبئة، والتحرك في مواجهة التحديات، ويعيد للإنسان موقعه كفاعل في معادلة الصراع، لا كمتلقٍ سلبي لنتائجها.

المشروع القرآني.. رؤية متكاملة تتجاوز الشعار

يقدم السيد القائد المشروع القرآني بوصفه إطاراً فكرياً وعملياً متكاملاً، لا يختزل في شعار أو موقف عابر، بل يقوم على منظومة من المفاهيم المستمدة من القرآن الكريم، التي تعيد بناء وعي الأمة، وتحدد موقعها من الصراع، وتوجّه حركتها في الواقع.

في هذا السياق، تأتي الصرخة في وجه المستكبرين كمعبّر عن هذه الرؤية، بما تحمله من مضامين تؤكد تعظيم الله، ورفض الخضوع لقوى الاستكبار، وتحديد العدو الحقيقي الذي يستهدف الأمة في دينها ودنياها، مع التأكيد على أن النصر مرتبط بمدى التزام الأمة بتعاليم الإسلام، وتحركها وفق هذا المنهج.

المشروع القرآني، لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يعمل على تغييره من خلال إعادة تشكيل الوعي، وترسيخ مفاهيم الولاء والمعاداة في اتجاهها الصحيح، ومنع الانحراف في تحديد العدو، وهي مسألة تعد من أخطر ما تواجهه الأمة في ظل محاولات التضليل والتزييف.

كما يركّز المشروع على كشف العناوين التي يستخدمها الأعداء لتبرير سياساتهم، مثل الحرية وحقوق الإنسان، في مقابل ممارساتهم التي تقوم على القتل والاستباحة والاحتلال، ما يجعل من فضح هذه العناوين جزءاً أساسياً من معركة الوعي.

مرتكزات المشروع.. كسر الصمت وبناء الموقف

تتأسس ملامح المشروع القرآني على مجموعة من المرتكزات العملية التي تتجلى في الواقع، وفي مقدمتها كسر حالة الصمت التي يسعى الأعداء إلى فرضها على الأمة، عبر تكميم الأفواه ومنع أي تعبير عن الموقف الرافض للهيمنة.

الصرخة، في هذا الإطار، تمثل خطوة في مواجهة هذه الحالة، من خلال فتح المجال للتعبير عن السخط والموقف، وإعادة الاعتبار للكلمة بوصفها أداة في معركة الوعي، في وقت يسعى فيه الأعداء إلى تجريم حتى أبسط أشكال التعبير عن التضامن مع القضايا العادلة.

إلى جانب ذلك، يبرز دور المشروع في تحصين الأمة من الاختراق، من خلال ضبط بوصلة العداء في الاتجاه الصحيح، نحو الأعداء الحقيقيين، ومنع تحويلها إلى صراعات داخلية تخدم مشاريع الهيمنة.

هذه المسألة، ليست تفصيلاً، بل تمثل أحد أخطر التحديات، حيث نجح الأعداء في كثير من الحالات في حرف بوصلة العداء، وتوجيهها نحو قوى أو أطراف لا تمثل الخطر الحقيقي، في مقابل التقليل من شأن العدو الأساسي.

كما يتضمن المشروع جانباً استنهاضياً، يدفع الأمة إلى التحرك في مواجهة التحديات، والخروج من حالة الغفلة والتوقف، نحو حالة من اليقظة والوعي، بما ينعكس على مختلف المجالات، من بناء القوة العسكرية، إلى تعزيز القدرات الاقتصادية، وصولاً إلى الوعي الثقافي والإعلامي.

كما أن من أهم المحاور التي ركز عليها السيد القائد في كلمته إلى جانب الصرخة في وجه المستكبرين، هو سلاح “المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية”.  ضمن مرتكزات المشروع القرآني وركن أساسي في الموقف العملي المتاح لكل فرد.

والمقاطعة الاقتصادية هي “جهاد في متناول الجميع”، ووسيلة فعالة لضرب العصب المالي للأعداء الذين يعتمدون على أسواقنا لتمويل حروبهم ضدنا، بالتالي فالمقاطعة في رؤية المشروع القرآني تتجاوز البعد المادي لتصل إلى “البناء النفسي”؛ فهي تربي المجتمع على الاستغناء، وتعزز الشعور بالارتباط بالموقف، وتجعل المواطن شريكاً مباشراً في المعركة، هي “أقل ما يمكن فعله”، واختبار حقيقي لمدى التزام الأمة بهويتها ومصالحها العليا.

إن التحول نحو الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي هو النتيجة الطبيعية للمقاطعة، مما يحول التهديد الاقتصادي الخارجي إلى فرصة للنهوض الوطني. هذا المسار الاقتصادي يكمل الدائرة؛ فالثقافة القراءة تبني الوعي والبصيرة وتشخص العدو، والشعار يعلن الموقف، والمقاطعة تترجم هذا الموقف إلى فعل ملموس يؤلم العدو في عقر داره.

ومما لفت إليه السيد القائد هو أن المقاطعة الواسعة أحدثت “قلقاً كبيراً” لدى الشركات الداعمة للصهيونية، مما يثبت أن المشروع القرآني يمتلك أدوات “تشخيص” دقيقة لنقاط الضعف البنيوية في نظام الاستكبار العالمي، وهو النظام الذي يقوم على “الربح والاستهلاك”، وبمجرد ضرب هذه الحلقة، يتهاوى النفوذ السياسي خلفها.

تشخيص الواقع.. أمة بين التخاذل والتضليل

كما قدم المشروع القرآني تشخيصاً حاداً لواقع الأمة، يركّز على حالة الضعف والفرقة التي تعيشها، نتيجة عوامل داخلية وخارجية، في مقدمتها التبعية السياسية، والتضليل الإعلامي، ومحاولات زرع اليأس في نفوس الشعوب.

هذا الواقع، كما يُعرض، لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى المجال النفسي، حيث يجري العمل على تضخيم قدرات العدو، وتصويره كقوة لا تُقهر، في مقابل التقليل من أي إنجاز تحققه قوى المواجهة، بما يرسّخ حالة من الإحباط العام.

كما يشير السيد القائد إلى دور بعض الأنظمة في تكريس هذا الواقع، من خلال قمع الأصوات الحرة، ومنع أي تعبير عن التضامن مع القضايا العادلة، في مقابل فتح المجال للتطبيع والتبعية، ما يعكس حالة من الاختلال في الموقف، وانحرافاً عن المسؤولية.

في هذا السياق، يتم تقديم مثال على مستوى القيود المفروضة في بعض البلدان على التعبير عن التعاطف مع الشعب الفلسطيني، مقابل السماح بالتعبير عن الولاء للعدو، وهو ما يعكس حجم التحول الذي طرأ على بوصلة المواقف داخل بعض الأنظمة العربية.

كما تناول السيد القائد محاولات الأعداء تصوير الصراع على أنه شأن يخص أطرافاً محددة، بهدف إبعاد بقية الأمة عن مسؤولياتها، في محاولة لعزل القضايا المركزية، مثل القضية الفلسطينية، عن محيطها الإسلامي والعربي.

المشروع القرآني في مواجهة التدجين وبناء الوعي

في مواجهة هذا الواقع، يقدّم المشروع القرآني  كأداة لاستعادة الوعي، من خلال إعادة تعريف الصراع، وتحديد طبيعة العدو، وكشف أساليب التضليل التي تُستخدم لإرباك المواقف.

والمشروع القرآني لا يقدم الوعي بطبيعة العدو مسألة نظرية، بل شرط أساسي للتحرك، وأن فقدانه يؤدي إلى الوقوع في فخاخ التبعية، والانجرار وراء روايات مضللة تخدم مشاريع الهيمنة.

كما أن المشروع القرآني يركز  على أهمية الارتباط بالقرآن الكريم كمرجعية في الفهم والتحليل، باعتباره يقدّم تصوراً واضحاً لطبيعة الصراع، ويحدد معايير الحق والباطل، ويوجّه الإنسان نحو الموقف الصحيح.

في هذا الإطار، يصبح المشروع القرآني ليس فقط وسيلة للمواجهة، بل أيضاً وسيلة للحماية من الاختراق الفكري والثقافي، الذي يعد أحد أخطر أدوات السيطرة في العصر الحديث.

الثبات والتجربة.. من المواجهة إلى الفاعلية

ويقدم السيد القائد دلائل عملية على أهمية المشروع القرآني وعظمته منها الصمود والثبات، باعتبارها معياراً أساسياً لنجاح المشروع القرآني، حيث يشير  إلى ما واجهه هذا المسار من ضغوط، منذ بداياته، من اعتقالات، وحملات إعلامية، وحروب، وصولاً إلى الإغراءات التي قُدمت للتخلي عن هذا التوجه.

ورغم ذلك، استمر المشروع في مساره، معتمداً على ما يصفه بالثبات على الموقف، وعدم المساومة عليه، وهو ما انعكس في استمرار حضوره، وتطوره، واتساع تأثيره.

كما يتم التأكيد على دور الشعب اليمني في هذا السياق، باعتباره جزءاً من هذا المسار، من خلال التفاعل مع المشروع، والمشاركة في مواقفه، والتكامل مع بقية جبهات المواجهة في إطار ما يُعرف بمحور المقاومة.

هذا الثبات، كما يُطرح، لا يمثل مجرد صمود، بل عامل قوة ساهم في تحويل المشروع من فكرة إلى واقع، ومن شعار إلى مسار عملي له تأثيره في معادلات الصراع.

المشروع القرآني كمنظومة خلاص شاملة للأمة الإسلامية

و خلاصة القول فأن المشروع القرآني يمثل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، في ظل ما تتعرض له الأمة من استهداف شامل، وأن التحرك في هذا الإطار ليس خياراً هامشياً، بل استجابة لواجب ديني وأخلاقي.

كما تؤكد على أن التمسك بالقرآن، والتحرك وفق تعاليمه، يمثل الأساس في مواجهة التحديات، واستعادة العزة، وتحقيق النصر، في سياق صراع مفتوح لم يعد يقتصر على الجغرافيا، بل يمتد إلى الهوية والوعي والمستقبل.

في هذا السياق، تتحول الصرخة من مجرد شعار إلى عنوان لمرحلة، ومن موقف إلى مشروع، يعيد صياغة العلاقة بين الأمة وواقعها، وبينها وبين عدوها، ويضعها أمام مسؤولياتها في لحظة فارقة من تاريخها.

إن المشروع القرآني، كما عرفه السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، هو “منظومة متكاملة” لا تقبل التجزئة. هو مشروع يبدأ بـ “تصحيح المفاهيم” وينتهي بـ “بناء السيادة الكاملة”. لم يعد المشروع مجرد رؤية يمنية داخلية، بل أصبح “مشروعاً عالمياً” يواجه “الهيمنة الأمريكية” و التوحش الصهيوني.

وعن جوهر المشروع فهو “العودة الصادقة والعملية للقرآن الكريم” لاستخراج الحلول لمشكلات العصر، وليس فقط للتلاوة الفردية. لقد وضع السيد القائد النقاط على الحروف في تعريفه للمشروع بأنه “خطوات عملية للتحرر” ومشروع قرآني يمثل “البديل الحضاري” الذي يمتلك الإجابات الواضحة على العدو و كيف نواجهه؟ و ماذا نعمل للتحرر من هيمنته و مواجهة اعتداءاته.

إن نجاح المشروع في تحويل اليمن إلى قوة إقليمية مؤثرة رغم الحصار والعدوان، يقدم برهاناً ساطعاً لكل شعوب العالم المستضعفة بأن “التمسك بالهوية الإيمانية” والثقة بالله هما أقصر الطرق نحو التحرر الحقيقي.

يبقى المشروع القرآني، كما رسمه مؤسسه، مفتوحاً لكل الأحرار، داعياً إياهم إلى استعادة ثقتهم بأنفسهم وبخالقهم، للمضي قدماً نحو مستقبل تسوده العدالة والقيم الإلهية، بعيداً عن غطرسة القوى الاستعمارية التي بدأت شمسها بالمغيب أمام صمود وثبات حملة هذا المشروع

قد يعجبك ايضا