ما الذي كشفته الحرب على لبنان من معادلات إقليمية ودولية؟

لم تكن الحرب العدوانية التي شنّها الكيان الصهيوني على لبنان مجرّد مواجهة عسكرية محدودة أو محطة عابرة في سياق الصراع، بل شكّلت نافذة كاشفة لمعادلات أوسع وأعمق. فقد أظهرت تشابك المستويات المحلية والإقليمية والدولية في إدارة الصراع، وسلّطت الضوء على حدود القدرة الإسرائيلية، وحجم الارتباط الأميركي والغربي بالمشروع الصهيوني، كما كشفت هشاشة موقع لبنان وسط شبكة معقّدة من المصالح والتحالفات والرهانات المتداخلة.

أولى الحقائق التي أظهرتها الحرب أن الأطماع الإسرائيلية في لبنان ليست وليدة ظرف سياسي أو أمني عابر، بل هي جزء من رؤية استراتيجية راسخة. فإسرائيل لا تنظر إلى لبنان بوصفه دولة مجاورة يمكن تنظيم العلاقة معها ضمن قواعد استقرار متبادل، وإنما تعتبره جزءاً من المجال الجغرافي والأمني الذي تسعى إلى إخضاعه ضمن مشروعها الإقليمي. وهذه الرؤية ترتبط بتاريخ المشروع الصهيوني القائم على إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالقوة، سواء عبر الاحتلال المباشر أو من خلال إضعاف المجتمعات والدول المحيطة وتجريدها من عناصر القوة والسيادة. ومن هنا، لا تقتصر مشكلة إسرائيل على وجود المقاومة كقوة عسكرية، بل تشمل أيضاً وجود بيئة شعبية وسياسية واجتماعية ترفض تحويل لبنان إلى ساحة خاضعة لمقتضيات الأمن الإسرائيلي.

وتفسّر هذه الخلفية طبيعة الاستهداف الإسرائيلي الذي لا يقتصر على المنشآت والبنى العسكرية، بل يمتد إلى المجتمع نفسه، وإلى العلاقة التي تربط الناس بأرضهم وذاكرتهم الجماعية. فالاعتداء على المنازل والبنى المدنية لا يمكن فهمه باعتباره مجرد أخطاء ميدانية أو فائض قوة، بل يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى تفكيك الحاضنة الاجتماعية للمقاومة ودفع السكان إلى الاعتقاد بأن كلفة الصمود تفوق قدرتهم على التحمّل.

كما كشفت الحرب عمق الارتباط الاستراتيجي بين إسرائيل والغرب، ولا سيما الولايات المتحدة. فواشنطن لم تكتفِ بدور الداعم السياسي من خلف الستار، بل ظهرت شريكاً مباشراً في إدارة الحرب وتأمين غطائها السياسي والعسكري ومنع تشكّل ضغوط دولية قادرة على الحد منها. أما أوروبا، فعلى الرغم من خطابها الحقوقي والدبلوماسي، فقد بقيت أسيرة موقع المتابع أو الشريك الثانوي في سياسات تُرسم بصورة أساسية في واشنطن وتل أبيب. وقد تجاوزت العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية إطار الرعاية التقليدية لتصبح علاقة تبادل أدوار ووظائف؛ إذ تؤدي إسرائيل دوراً محورياً في المنظومة الأمنية والاستخبارية والتكنولوجية الغربية، بينما توفر لها الولايات المتحدة الغطاء السياسي والعسكري والمالي الذي يضمن استمرار تفوقها الإقليمي. لذلك، فإن الدفاع الأميركي عن إسرائيل لا ينبع فقط من اعتبارات أيديولوجية، بل من اعتبارها ركناً أساسياً في استراتيجية النفوذ الغربي في غرب آسيا.

وفي السياق ذاته، أظهرت الحرب حجم التقاطع القائم بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية، سواء بصورة مباشرة أو عبر البوابة الأميركية. فبعض الأنظمة العربية لم يعد يعتبر الخطر الإسرائيلي التهديد الأول، بل بات يضع مواجهة إيران وقوى المقاومة في صدارة أولوياته، وهو ما يفسّر مواقف الصمت أو الالتباس أو التواطؤ غير المعلن التي برزت خلال الحرب.

لكن الحرب لم تثبت تفوق إسرائيل المطلق بقدر ما كشفت حدود هذا التفوق. فالكيان يمتلك قدرة كبيرة على التدمير وإلحاق الخسائر، لكنه عاجز عن تحويل القوة العسكرية إلى استقرار سياسي دائم أو فرض ردع نهائي على خصومه. وهو، رغم تفوقه الناري، يبقى معتمداً بصورة جوهرية على الدعم الأميركي وعلى شبكة واسعة من الحماية السياسية والاقتصادية والتقنية. ومع اتساع نطاق المواجهة تتضح هشاشة بنيته الاستراتيجية وعجزه عن خوض حروب طويلة ومفتوحة من دون إسناد خارجي كثيف. وفي المقابل، برزت تحولات جديدة في خريطة غرب آسيا؛ إذ أثبت اليمن، رغم إمكاناته المحدودة، قدرته على التأثير في معادلات إقليمية تتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي، ما يؤكد أن تأثير الفاعلين في المنطقة لم يعد يقاس بحجم الدول فقط، بل بقدرتهم على أداء أدوار مؤثرة في مسار الصراع.

كذلك أكدت الحرب أن مفهوم «وحدة الساحات» ليس مجرد شعار سياسي، وإن كان لم يصل بعد إلى مرحلة النضج الكامل. فقد أثبتت التجربة إمكانية إرباك العدو وتقييد حركته ومنعه من عزل الجبهات عن بعضها البعض، لكنها أظهرت أيضاً أن نجاح هذا المفهوم يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتوزيعاً واضحاً للأدوار وتنسيقاً سياسياً وميدانياً متقدماً. ومن هنا، فإن التعامل مع الفكرة ينبغي أن يكون بوصفها مشروعاً استراتيجياً قابلاً للتطوير، لا شعاراً مقدساً ولا تجربة فاشلة يجب التخلي عنها.

وعلى مستوى الأداء المقاوم، أكدت الحرب أن فعالية المقاومة تزداد كلما حافظت على طبيعتها غير المتناظرة. فمواجهة جيش يمتلك تفوقاً تكنولوجياً واسعاً ودعماً أميركياً مباشراً لا تكون عبر تقليد الجيوش النظامية أو التحول إلى بنية ثقيلة ومكشوفة، بل عبر المرونة واللامركزية والقدرة على التكيّف وإرباك الخصم. غير أن ذلك لا يلغي أهمية التطوير التقني والتنظيمي؛ إذ أبرزت الحرب أهمية الاتصالات الآمنة، وحماية المعلومات، ومواجهة الاختراقات، وتطوير الكفاءات البشرية والوسائل القتالية. فالمقاومة التي لا تطور أدواتها تصبح أكثر عرضة للاستنزاف، والتي لا تراجع تجربتها بعد كل مواجهة تفقد فرصة تحويل الخبرة إلى معرفة متراكمة. لذلك، فإن الدرس الأبرز لا يكمن في الصمود وحده، بل في بناء عقل مؤسسي واستراتيجي قادر على التعلم والتطوير المستمر.

أما على المستوى اللبناني الداخلي، فقد أعادت الحرب التأكيد على تعقيدات الواقع السياسي اللبناني. فلبنان ما زال يعاني محدودية في استقلال قراره السياسي، فيما تجعل تركيبته الطائفية كل فريق ينظر إلى التهديدات من زاوية مصالحه ومخاوفه وعلاقاته الخارجية. وفي ظل هذه الانقسامات، قد يكون الحد الأقصى الممكن أثناء الحروب هو منع الانفجار الداخلي، لا الوصول إلى وحدة وطنية صلبة حول الخيارات الاستراتيجية.

ولا خلاف على أهمية الجيش اللبناني ودوره الوطني، إلا أن قدراته وحدها لا تكفي لمواجهة تهديد إسرائيلي بهذا الحجم. فالدفاع عن لبنان يحتاج إلى معادلة استراتيجية مركبة يكون الجيش أحد أعمدتها الأساسية، إلى جانب عناصر قوة أخرى تساهم في تحقيق الردع. والتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود المقاومة بحد ذاته، بل في غياب إطار وطني متوازن ينظم العلاقة بين الدولة والجيش والمقاومة والمجتمع، على أساس اعتبار إسرائيل مصدر التهديد الرئيسي، لا تحويل الخلافات الداخلية إلى صراع حول من يتحمل مسؤولية المواجهة.

ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب تجاوز الخطابات التقليدية. فلا يكفي الحديث عن انتصار المقاومة أو غياب الدولة أو فشل إسرائيل في الحسم العسكري، بل المطلوب قراءة أعمق للمشهد. فإسرائيل ما زالت تمثل مشروعاً توسعياً، والولايات المتحدة لا تزال شريكاً أساسياً في دعمه، وبعض الأطراف الإقليمية ما بين متواطئ أو عاجز أو مترقب، فيما يبقى لبنان من دون معادلة داخلية مستقرة. وفي هذا السياق، تبقى المقاومة حاجة دفاعية تحتاج إلى تطوير مستمر، كما تبقى الدولة حاجة سياسية لا غنى عنها، ويبقى الجيش ركيزة وطنية أساسية، لكنه لا يستطيع وحده تحمل أعباء مواجهة مشروع استيطاني وتوسعي بهذا الحجم.

لقد كشفت الحرب، في نهاية المطاف، ليس فقط مكامن الضعف في لبنان، بل أيضاً طبيعة التحدي الذي يواجهه. فمستقبل البلاد يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الواقعية والسيادة؛ واقعية تدرك حدود الإمكانات وتعقيدات البنية الداخلية، وسيادة ترفض الخضوع لإسرائيل أو التحول إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية. والمطلوب هو بناء معادلة دفاع وطني متكاملة تستند إلى عقل استراتيجي قادر على توظيف عناصر القوة المتاحة وربطها ضمن رؤية واحدة تمنع العدو من استغلال الانقسامات الداخلية. وبين هذين الحدين تتحدد مهمة المرحلة المقبلة: لا انزلاق إلى حرب أهلية، ولا استسلام للمشروع الإسرائيلي، ولا أوهام حول قدرة أي طرف منفرد على توفير الحماية والردع، بل البحث عن صيغة وطنية متوازنة تؤمّن للبنان القدرة على الصمود والاستقرار معاً.

قد يعجبك ايضا