من التعلم إلى الرشد.. درس قيادي من سورة الكهف
د. عبدالكريم أحمد الديلمي
أستاذ الإدارة الاستراتيجية– جامعة ذمار
كثير من المؤسسات لا تتعثر بسبب نقص الموارد أو ضعف الخطط، بل لأن بعض قياداتها تتوقف عن التعلم في اللحظة التي تظن فيها أنها أصبحت تعرف كل شيء.
وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتجدد فيه المعارف كل يوم، لم يعد النجاح الإداري مرتبطًا بما يمتلكه المسؤول من خبرات سابقة بقدر ارتباطه بقدرته على التعلّم المستمر والتكيّف مع المستجدات. ومن اللافت أن القرآن الكريم يقدم نموذجًا فريدًا لهذه الحقيقة من خلال قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، وهي قصة تحمل في طياتها دروسًا إدارية وقيادية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
يقول الله تعالى:
﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ سورة الكهف، الآية 66.
تتجلى في هذه الآية قيمة قرآنية عظيمة تتمثل في أن طلب العلم ليس غاية في ذاته فحسب، بل وسيلة للوصول إلى الرشد، فموسى عليه السلام لم يطلب مجرد المعرفة، وإنما طلب العلم الذي يقوده إلى حسن الفهم وصواب القرار ورجاحة التصرف، فالرشد في الاستعمال القرآني لا يقتصر على امتلاك المعرفة، بل يدل على القدرة على اختيار الصواب والعمل به في ضوء العلم والبصيرة والهداية. ولذلك قد يمتلك الإنسان مهارات ومعلومات كثيرة، لكنه لا يحسن توظيفها، وقد يكون ذكيًا لكنه يتخذ قرارات خاطئة، وقد يعرف الحق لكنه لا يعمل به، أما الرشد فهو ثمرة اجتماع العلم والفهم والحكمة وحسن التقدير، وبلغة إدارية معاصرة، يمكن القول إن الرشد هو القدرة على اتخاذ القرار الصحيح بناءً على فهم الواقع والمعطيات واستشراف النتائج، فالعلم يجيب عن سؤال: ماذا أعرف؟ أما الرشد فيجيب عن سؤال: كيف أتصرف بما أعرف؟
وعلى الرغم من أن رحلة موسى عليه السلام مع العبد الصالح تناولت أمورًا وحِكمًا لم تكن ظاهرة له، فإن الدلالة الإدارية المستفادة من القصة لا تكمن في موضوعات التعلم نفسها، بل في المنهج الذي جسدته الرحلة، فهي تقدم نموذجًا للتواضع أمام العلم، والاعتراف بأن لدى الآخرين ما يمكن أن نتعلمه، والسعي لاكتساب معرفة جديدة مهما بلغت مكانة الإنسان أو خبرته، والصبر على رحلة التعلم وما يصاحبها من مراجعة للقناعات وتوسيع لآفاق الفهم، ومن هنا يمكن النظر إلى القصة باعتبارها مصدرًا لمبادئ إنسانية وإدارية عامة تؤكد أن الرشد لا يتحقق بالاعتماد على المعرفة المتاحة فحسب، بل بالاستعداد الدائم للتعلم وفهم الواقع بعمق أكبر.
هذا المشهد القرآني يؤسس لقاعدة إدارية بالغة الأهمية هي: كلما ارتفع الإنسان في موقع المسؤولية ازدادت حاجته إلى التعلّم، لا العكس. فالمناصب تمنح النفوذ، لكنها لا تمنح العصمة من الخطأ، والخبرة تمنح الرؤية، لكنها لا تضمن الإحاطة بكل جديد.
والأكثر دلالة أن قائل هذه الكلمات ليس شخصًا عاديًا، بل نبي من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك لم تمنعه مكانته ولا علمه ولا قيادته لقومه من أن يسأل ويتعلم ويبحث عن مزيد من الفهم، لم يقل: أنا أعلم، ولم يعتبر أن موقعه القيادي يعفيه من التعلم، بل بدأ رحلته بسؤال يفيض تواضعًا واستعدادًا للنمو:﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾.
ولذلك فإن كثيرًا من الأزمات المؤسسية تبدأ عندما يظن القادة أنهم بلغوا نهاية التعلّم، فمع التقدم في المناصب تضيق أحيانًا دائرة التغذية الراجعة، ويصبح المسؤول أقل تعرضًا للآراء الناقدة، وأكثر اعتمادًا على خبراته السابقة، وهنا يتسلل خطر الثقة الزائدة، ويتحول النجاح السابق إلى حاجز يمنع من رؤية المتغيرات الجديدة.
ومن اللافت أن سورة الكهف نفسها التي وردت فيها رحلة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، افتتحت قصة أصحاب الكهف بالدعاء بالرشد، حيث قال تعالى:
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ سورة الكهف، الآية 10.
وليس من المصادفة أن تجتمع قصتا أصحاب الكهف وموسى عليه السلام في السورة نفسها، ففي الأولى يظهر الرشد مطلبًا يسأل المؤمنون ربهم أن يهيئه لهم، وفي الثانية يظهر الرشد غايةً يسعى إليها موسى عليه السلام من خلال التعلّم. وكأن السورة تؤكد أن الرشد لا يتحقق بالتمنّي وحده، ولا بالمعرفة المجردة وحدها، بل باجتماع الهداية والتعلّم معًا.
وهنا تتجلى حقيقة قرآنية مهمة، فالرشد ليس مجرد معرفة الحقائق، بل القدرة على توظيف المعرفة في اتخاذ القرار الصحيح والسلوك الصحيح في الوقت الصحيح.
لقد كان أصحاب الكهف شبابًا يملكون إيمانًا وقناعة، لكنهم أدركوا أن مواجهة التحديات تحتاج إلى أكثر من المعرفة، فطلبوا من الله الرشد الذي يهديهم إلى أفضل الخيارات وأصوب المسارات.
وعندما نربط هذه الآية بقول موسى عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، يتضح أن القرآن يربط بين التعلّم والرشد ربطًا وثيقًا، فالتعلّم الحقيقي ليس تراكمًا للمعلومات، وإنما انتقال بالإنسان إلى مستوى أعلى من الحكمة والبصيرة وحسن التقدير، فقد يمتلك الإنسان قدرًا كبيرًا من المعرفة، لكنه يفتقر إلى الرشد في توظيفها، بينما يقود التعلم الصحيح إلى فهم أعمق للواقع، وقدرة أفضل على الموازنة بين الخيارات، واتخاذ القرارات التي تحقق المصلحة وتجنب المخاطر.
وفي البيئة الإدارية المعاصرة، لا تحتاج المؤسسات إلى قادة يمتلكون المعلومات فقط، فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع، وإنما تحتاج إلى قادة يتمتعون بالرشد، أي القدرة على قراءة المتغيرات، واستشراف النتائج، والتمييز بين ما هو عاجل وما هو مهم، وبين النجاح المؤقت والنجاح المستدام. ولذلك فإن قيمة التعلّم المستمر في القرآن لا تنتهي عند زيادة المعرفة، بل تمتد إلى بناء الرشد الذي يجعل العلم أكثر نفعًا، والقرار أكثر حكمة، والقيادة أكثر تأثيرًا.
ويبرز القرآن نموذجًا آخر للتواضع المعرفي في قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد، حين تقبل النبي المسؤول معلومة لم تكن لديه، ولم تمنعه مكانته من الاستماع أو التحقق منها، وفي ذلك درس قيادي مهم مفاده أن الرشد لا يعني امتلاك جميع الإجابات، بل الاستعداد الدائم للتعلم من مختلف المصادر، مهما كان موقعها أو حجمها.
كما يوجه القرآن المؤمن إلى طلب الزيادة من العلم بصورة مستمرة، فيقول سبحانه:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ سورة طه، الآية 114.
ومن اللافت أن هذا التوجيه الرباني جاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما يؤكد أن التعلّم المستمر ليس مرحلة مؤقتة، بل منهج حياة لا يتوقف عند حد.
وفي البيئة المؤسسية الحديثة، أصبحت هذه القيمة القرآنية أحد أهم مقومات القيادة الفاعلة. فالقيادات الأكثر تأثيرًا ليست بالضرورة الأكثر معرفة، وإنما الأكثر قدرة على التعلّم وإعادة التعلّم، ومراجعة افتراضاتها، والاستفادة من الخبرات المختلفة، والإنصات للأفكار الجديدة مهما كان مصدرها.
ولا يقتصر التعلّم المستمر على اكتساب معارف جديدة، بل يمتد إلى مراجعة القناعات وتطوير الممارسات وتغيير الأساليب كلما ظهرت معطيات أكثر فاعلية، فالمسؤول أو المدير الذي يتعلم، لكنه يستمر في إدارة العاملين بالطريقة نفسها، أو يضع الخطط بالأدوات نفسها، أو يتخذ القرارات بالعقلية نفسها التي كان يتبعها قبل سنوات، لم يستفد من تعلمه الاستفادة المنشودة.
إن بيئات العمل تتغير، وتوقعات العاملين تتطور، والتقنيات تفتح آفاقًا جديدة للإدارة والتخطيط والتواصل وصناعة القرار. ولذلك فإن التعلم الحقيقي لا يضيف معلومات إلى المسؤول فحسب، بل يدفعه إلى إعادة النظر في افتراضاته وتحديث ممارساته باستمرار، فالرشد لا يتحقق بكثرة ما نعرف، وإنما بقدرتنا على تحويل ما نتعلمه إلى سلوك وقرارات وأساليب أكثر ملاءمة للواقع ومتغيراته.
ولتحويل هذه القيمة القرآنية إلى ممارسة عملية، يحتاج المسؤول إلى بناء منظومة تعلّم مستمرة داخل نفسه ومؤسسته، ويبدأ ذلك بالحفاظ على عقلية المتعلم مهما ارتفع المنصب، والحرص على الاستماع إلى الآراء المختلفة، وتشجيع التغذية الراجعة الصادقة، وتخصيص وقت منتظم للتطوير الذاتي ومراجعة القرارات والتجارب السابقة، فالمسؤول الرشيد لا يقيس نجاحه بعدد ما يعرفه، بل بقدرته على اكتشاف ما يحتاج إلى تعلمه، وعندما تصبح الأسئلة جزءًا من الثقافة القيادية، يتحول التعلم من نشاط موسمي إلى عادة مؤسسية تدعم النمو والتجدد وتحد من مخاطر الجمود والثقة المفرطة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الرشد باعتباره أحد أهم الأصول غير الملموسة في القيادة، فالمؤسسات لا تتعثر دائمًا بسبب نقص المعلومات، وإنما بسبب سوء قراءتها أو ضعف توظيفها. وبينما أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى، بقي الرشد هو الميزة النادرة التي تصنع الفارق الحقيقي، ولذلك يعلّمنا القرآن أن التعلّم المستمر ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لبناء عقل أكثر بصيرة، وقرار أكثر حكمة، وقيادة أكثر قدرة على توجيه المؤسسات وسط تعقيدات الواقع ومتغيراته.
فأخطر ما يمكن أن يصيب المسؤول ليس نقص المعلومات، بل وهم الاكتفاء، ففي عصر أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، لم يعد التحدي الحقيقي في الوصول إلى المعلومات، بل في امتلاك الرشد الذي يحسن فهمها وتوظيفها، فالمنصب قد يمنح صاحبه سلطة القرار، لكن التعلم المستمر هو الذي يمنحه الحكمة في اتخاذه، ولهذا تبقى المؤسسات التي تتعلم أسرع من غيرها أكثر قدرة على البقاء والنمو، كما يبقى القادة والمديرين الذين يحافظون على شغف التعلّم أقرب إلى الرشد وأقدر على صناعة المستقبل، فالرشد لا يُمنح دفعة واحدة، بل يُبنى رحلةً بعد رحلة، وسؤالًا بعد سؤال، وتعلّمًا بعد تعلّم.